كتاب عربي 21

داعمو السيسي وأزمة الأخلاق في المجتمع

1300x600
بالتوازي مع ما يسمى موجات الصحوة التي تصيب جسد البنية الشعبية الداعمة لعبد الفتاح السيسي، تستدعي هذه الصحوة الحالية أن نقف مع صفات معسكره بعناية شديدة، فالسيسي مجرم معلوم الإجرام لدى أغلب قطاعات الشارع المصري، بما فيها مؤيدوه، ولذا تجد مؤيدا له ينصح ابنه بعدم الحديث في السياسة في الجامعة؛ كي "لا يذهب ورا الشمس"، ما يعكس قناعة لدى مؤيدي الجنرال بكونه ديكتاتورا وقمعيا، ولكن...
 
ما يدفع كل هذه القطاعات لتأييده هو انهيار أخلاقي ضخم أصاب بعض فئات البنية الشعبية المصرية، التي ترى في البطش والقمع ليس عملية مرفوضة في حد ذاتها، بل ربما يصفق لها طالما أنها لا تصيبه أو محيطه القريب، كما أنه يؤيدها في حال كانت تجارته أو مصالحه الضيقة أو البعيدة أصبحت مهددة من خصوم السلطة الحالية، وبالتالي ينظر هذا القطاع لموقع الجريمة من مصالحه وليس للجريمة نفسها.

وهذا المدخل هام جدا في تفسير كثير من التحركات التي أصبحت تثور ضد الجنرال يوما بعد آخر، فالاحتكاك المباشر بين أدوات الجنرال القمعية وبين قطاعات شعبية محددة كانت سببا في التحرك ضده، من حيث التظاهر أو الشغب، وحتى الإضراب والاعتصامات الفئوية التي دوما ما تكون رد فعل مباشر لضرر مهني أو مصلحي واضح.
 
يستطيع الاجتماع السياسي أن يفسر لنا تحرك الفئات المتضررة ضررا مباشرا من النظام، ونستطيع نحن أن نتفهم وجهته المعلمنة منزوعة القيمة، حيث تحرص هذه العلوم على رصد ردود الفعل تلك في إطار نظريات المنفعة، إلا أنه ومن منظور أخلاقي يكون تحرك قطاعات من المجتمع لأجل مصالحها شيئا مفهوما، ولكن صمت تلك القطاعات أمام جريمة إنسانية بحجم المجزرة بل وتأييدها مسألة سقوط أخلاقي ضخم، لا يوجد حتى في المجتمعات المعلمنة!
 
إن ما نراه الآن هو أن بعض فئات المجتمع أصبحت تفتقد أبسط قواعد التفاهم الداخلي، ولا يوجد لديها أبسط تعريف للقيمة إنسانية كانت أم دينية، ما نملكه الآن وما عكسه مجتمع داعمي السيسي هو "سلوك بدائي" وحياة أشبه بعصابات ريو ديجانيرو في الثمانينات، حيث ما يجمع العصابة هو منظومة الاستفادة المادية المباشرة، وهو ما يجعلها تفتك بكل دموية بخصومها دون رحمة، إلا أنه في حال سقوط أحد أفرادها يكون الثأر ليس نابعا من "الكرامة"، بل من التهديد المباشر لمجموع المصالح.
 
وبهذا، تدلل الحالة السيساوية في مصر على انهيار أخلاقي ضخم، هذا الانهيار هو إرث لصيق بالبيروقراطية المصرية المتوسعة منذ عهد الناصرية، التي ارتبط الترقي فيها بالنفاق ومحاباة السلطة والإضرار بالمنافس داخل المنظومة، ما حول منظومة السلوكيات إلى قناعات انطلقت نحو القاعدة الأوسع للمجتمع، ووظفتها السلطة جيدا، ودعمت وجودها لتمكين نفوذها على حساب معارضيها الذين ينطلقون من قواعد مغايرة.
 
إن التصفيق للدم والقتل والتعذيب، ومشاركة رجال الشرطة في السحل، بل والتصفيق لمجموعات ضباط يقومون باغتصاب فتيات داخل قبو بعد اختطافهم من مظاهرة، ليست مظاهر "غضب شعبي" كما يحلو لبعض خصوم الإخوان أن يصموه، وإنما هو سقوط أخلاقي سحيق، وأزمة مجتمع فقدت بعض فئاته أبسط قواعد المروءة.
 
كما أن قيام الجار بالتبليغ عن جاره لاعتقاله، وقيام الأب بدعوة الشرطة لسجن ابنه وتعذيبه، وقيام الموظف بالإبلاغ عن زملائه الذين طالما شاركهم حلوهم ومرهم ليس "غضبا شعبيا" سببه فشل الإخوان السياسي! إن ما حدث دليل واضح على أن هناك ما تم تدميره في المجتمع، مثله مثل تدمير التعليم والاقتصاد والأمن، لكن هذا المُدمر يحاول البعض إخراجه عن سياقه وتوصيفه بأنه "غضب"، والسعي لهذا التوصيف هو سقوط أخلاقي في حد ذاته.
 
وفي السياق أيضا، يجب على معارضي السيسي أن يفهموا هذه الظاهرة ويستوعبوها في فهم الحراك المتزايد ضد الجنرال، فما يحدث ليس ملامح ثورة، وإنما انفضاض عن النظام؛ لإضراره بالمصالح المباشرة للمواطنين الذين يرون أيضا في الثورة ضررا مباشرا لمصالحهم، والثورات تعمل جيدا في هذا المناخ وتعمل على تغذيته، حتى إذا حانت ساعة المواجهة لا يجد النظام قطاعات تمارس بلا أخلاقية دعما واسعا لجرائمه، بل سيجد نفسه وحيدا أمام من ثار عليه.

كما أن على معارضي النظام أن يعملوا على إعادة تمكين الخطاب الأخلاقي والقيمي في المجتمع، وبعثه مجددا، فالأنظمة الشمولية الاستبدادية تتغذى على الفساد، وتعتاش على انهيار الأخلاق الذي يحلل المجتمع إلى مكونات أولية تحكمها المصالح وليس المعاش المشترك ومنظومات القيم الموروثة والمجمع على احترامها والتحاكم لها.