كتاب عربي 21

غربال الثورة شغَّال بعد

1300x600
يمكن لمن يريد أن يرى نصف الكأس العامرة أن يجمع وقائع كثيرة مما يجري في تونس. وقائع متباعدة في مجالاتها ومتفرقة في ظاهرها ولكن يمكن رؤية الثورة من خلالها تحفر طريقها في النفوس. ولكن يجب دفع التحليل إلى أقصاه لتكبر بؤرة النور الضعيفة بعد وتدخل الثقافة وصناعة البدائل الاجتماعية مرحلة التأسيس. سيطرح السؤال بمن؟ ومتى؟ وبأية وسيلة يمكن ذلك؟ لا شك أنها طريق طويلة ولكن الثورات تفتح مسافة الألف ميل.

من الوقائع المبشرة


كتاب لمناضل سياسي مشغول بتجاوز الثنائيات الفكرية التي حكمت النقاش بين الإسلام والحداثة منذ دهر طويل. يحضر مناقشته لفيف من المختلفين في الرأي والسياسة ولكن المتفقين على عقم الصراع الذي عطل آليات بناء الديمقراطية وتطوير المجتمعات ويدور النقاش عميقا حول ضرورة التجاوز وأسس البناء الفكري لما بعد الأسلمة والعلمنة، وهو عنوان الكتاب الذي أصدره الأستاذ محمد القوماني المناضل السياسي المؤسس لجماعة (15-21) الفكرية منذ أول الثمانيات.

فيلم تونسي يفوز بجائزة عالمية وهو فيلم يسمي الثورة ثورة، ولا يحقر شبابها بثورة البرويطة (وهي كناية تحقيرية أطلقتها بعض نخب العاصمة الموالية للنظام القديم على عربة الخضار لمحمد البوعزيزي). سينما مختلفة عما عهدنا من سينما حمام النساء وقصور البايات وأزقة العاصمة حيث عالم البغاء والجريمة.

عدد كبير من الروايات صار من العسير متابعتها بسرعة صدورها ذاتها. أسماء جديدة لكتاب أطلقت الثورة حريتهم فكتبوا نصوصهم الأولى، والبعض وصل إلى الإصدار الخامس (نجيبة بوقندة وحميد عبايدية والشاعر عبد اللطيف العلوي على سبيل الذكر لا الحصر)، وهو دفق لم تعهده الساحة الثقافية التونسية ويمكن أن نعدد الكتاب في مجالات مختلفة في المستوى الإبداعي والأكاديمي المتحرر من رقابة النظام. إنه جهد متفرق بعد ولكنه دفق محترم يتطور بسرعة رغم التجهيل الإعلامي المتواصل والهادف إلى تحقير منجز الثورة في النفوس.

السياسي اليومي المحبط يتصدر الاهتمامات بعد

مؤشرات التفاؤل التي ذكرنا أعلاه تغيب للأسف وراء الاهتمام الكثيف بالسياسي اليومي الذي لا يستجيب بنفس السرعة لمطالب الثورة بل يعطلها وهو أمر مفهوم فالحياة السياسية والخوض فيها كتابة وجدالا وسخرية أمر مستجد في تونس بعد لقد كانت حكرا على دوائر ضيقة تشتغل على طريقة كواليس الحريم. فلا يظهر للناس منها إلا أسماء معدودة تعيد تدوير خطاب السلطة بطرق مختلفة وتتحرك في مربعات ضيقة جدا تتركها الدكتاتورية لتنفيس الاحتقانات وتراقبها عند احتمال الانفلات. لكن الشارع السياسي منفلت الآن وخطابه منجذب إلى رؤية سلبيات المرحلة فتتيه بصيرته نسبيا عما يتشكل في النفوس من أمل ومن رغبة في المشاركة.

مراقبة أداء الحكومات والاعتراض على ما تفعل صار خبزا يوميا. ولم تعد هناك محرمات وإن بدت المشاغبات والمناكفات هي الغالبة على النقد البناء. لكن رغم ذلك فان هذا التحرر قد غربل الطبقة السياسية ونخلها وأخرج سوءاتها وميز خبيثها من طيبها.

لقد أسقط الغربال الانتخابي المباشر سنتي 2011 و 2014 أسماء كانت تملأ الساحة صخبا وتتحدث للتونسيين بصوت من يملك الحكمة. لكن العرض على الصندوق حاسبها حسابا عسيرا. أما الغربال الحقيقي فكان جرأة الشارع على الأسماء الكبيرة التي لم تكن كبيرة في الواقع. ولكن فقر الساحة سمح لها بالصهيل. ويمكن اعتبار ذلك مراحل متتالية من الفرز حيث يسقط القديم وتتهيأ أرض جديدة لغرس جديد. وهذا يجري الآن. بعضه هادئ وبعضه صاخب ولكنه فرز مستمر وحاسم.

في مجال السياسة اليومية كما في مجال الثقافة لم تعد الميادين حكرا على نخبة بعينها أو على بيئة ثقافية ضيقة. وفي أجواء الحرية الفكرية والسياسية تنضج بدائل لم تتضح معالمها بعد، ولكن كأن الألف ميل نحو المطلوب ثوريا قد تقلصت. لدى عامة الناس الآن وبحسب درجات وعيها مقياس منحته لها الثورة وتحكم به على ما يجري. وستكون الغلبة والفوز والبقاء لمن يحقق أقصى قدر ممكن من أهداف الثورة.

حركة عميقة في القاع

مقياس تحقيق أهداف الثورة هو المعيار الآن وإن لم يتجلَّ للجميع بنفس الدرجة. أهداف الثورة واضحة. الحريات وقد صارت معيشا غاليا يظهر حرص التونسيين عليه عند المساس به من قبل جيوب السلطة المنتمية إلى عصر الدكتاتورية. الحفاظ على كيان الدولة رغم الرفض الحاد غالبا لأداء الحكومات القائمة.

فقد صار التفريق بين الدولة والحكومة مفصل وعي مهم في التحليل والمواقف التي تظهر عند كل اضطراب مهدد للكيان الوطني. لقد خرج الوعي السياسي (مع التنسيب المنهجي الضروري) من الربط العاطفي المتوتر بين النظام والدولة. يقول التونسي لمحدثه صارت الدولة ملكا لشعبها ويمكن تغيير الحكومة. واعتقد أن هذه إحدى أسس الديمقراطية المنشودة التي استقرت في أذهان كثيرة.

إحدى الدلائل على الحركة العميقة الجارية في القاع هي عودة الوعي بالمسألة الاجتماعية إلى السطح. لقد قدمت كل الأحزاب حلولا نظرية (انتخابوية) ولكن ممارسة الحكم كشفت أنها عاجزة بعد عن الدخول في هذه المعمعة الصعبة. والأحزاب التي اندثرت والتي في طريق الاندثار تعرضت في هذه المفازة إلى أقصى الاختبارات وسقط أغلبها أن لم نقل كلها في هذا الاختبار. لذلك تبلور الخطاب الاجتماعي من جديد في الشارع وخاصة بعد تحركات التشغيل في القصرين. بقطع النظر عما حف به من تشويه أو محاولات توظيف (مما تعودت الأحزاب على فعله عندما يسبقها الشارع). لكن نقطة الضوء أن المطلب الآن على طاولة الطبقة السياسية الحاكم منها والمعارض والجميع يقف أمام مسؤولياته. 

حكومة الحبيب الصيد تتعرض الآن للامتحان الاجتماعي. فإما أن تعالج مسائل التشغيل وتردي الخدمات الصحية وتبدأ عملية إصلاح التعليم على قاعدة صناعة المستقبل لا خوض معركة الفرز الأيديولوجي المتخلف من زمن ما قبل الثورة وتدخل معركة مقاومة الفساد بجدية وشجاعة أو تسقط. وكل حكومة لا تلتزم هذا الخط ستكون نهايتها أسهل من تشكيلها. وحتى إذا وصل الأمر إلى انتخابات سابقة لأوانها لإعادة تركيب المشهد السياسي فإن الامتحان الاجتماعي سيكون الحكم على أي تشكيل يفوز. ومن البديهي أن لحظة الوعي الراهنة بالضرورات الاجتماعية لن تغطيها الوعود الانتخابية مهما كانت جزيلة.

هل بالغت في التفاؤل؟

نعم إني التقط نقاط الضوء في العتمة. وأزعم أني انتبه لما يجري وأربط بين تفاصيله. وعندما أضع المنجز الثوري في القياس الزمني أجد أن خمس سنوات من الثورة قد قدمت الكثير. بل ربما نطرح السؤال كم هي السنوات الخمس في عمر شعب مقارنة بالمنجز. واعتقد أن تحويل نقاط الضوء إلى مساحة ضوئية واحدة أمر ممكن وليس فقط موضع رغبة. فما أسرع ما سقط القديم وعجز عن رتق فتوقه وما أسرع ما انكشفت من خدع كثيرة روّجها مثقفون كبار جدا يملؤون الشاشة. إنه الغربال الثوري الصامت في الغالب لكنه يدور بتركيز شديد. ربما علينا أن نكتب لاحقا أن الثورة تستمر بهدوء لتقدم الوجه الثاني من ثورة مختلفة. لا تنجز مطالبها بالعنف الثوري بل بالهدوء الثوري. تماما كما ينمو الزيتون.