كتاب عربي 21

أي رسائل لاجتماع البابا مع زعماء أوروبا؟

1300x600

لم يتوقف المعلقون العرب والإسلاميون طويلا أمام تلك الصورة التي جمعت قادة أوروبا برأس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، حيث أتى المشهد في سياقات متعددة يمكن لكل منها أن يكون دلالة ذات مغزى، إلا أن محاولة التعجل في خطف ثمرة التحليل أوقع البعض -في نظري- في مغالطات كثيرة، ربما تختزل دلالة الصورة في زاوية بعينها. 

يأتي اجتماع القيادات الأوروبية في إطار احتفال الاتحاد بالذكرى ال60 لاتفاقية روما للشراكة الاقتصادية لدول أوروبا، والتي كانت نواة لتعاون سياسي لاحقا شكل ما يعرف الآن بالاتحاد الأوروبي، ككيان سياسي واقتصادي وأمني وعسكري، وكتلة فاعلة في العالم، فالاجتماع إذن في سياق طبيعي نوعا ما، ولكنه يأتي في ظرف تاريخي جدا.

يعاني الاتحاد الأوروبي حاليا من مجموعة تحديات كبرى في نظره قياداته الأمنية والسياسية، أولاها هو شبح التحولات الديموغرافية (السكانية) في داخل المجتمعات الأوروبية والتي جاءت نتيجة للضغط القادم من موجات الهجرة الجماعية من المشرق والساحل الآخر للمتوسط، وهذه الهجرات لا تأتي منفردة، بل تحمل معها تبعات ثقافية وحقائق دينية وأخلاقية تصيب عمق المجتمعات الأوروبية ذاتها، في ظل انحسار -بفعل العلمنة واللبرلة- لمضمون الدين والروابط الأولية في أوروبا. 

تشكل تلك التغيرات في صيرورتها، خطرا فعليا على مستقبل الهوية الأوروبية وتعريف الذات السياسية والثقافية وفق ما تراه أجهزة أمن وقطاع من الباحثين بأوروبا، ما يحدو بأوروبا لطرح سؤال (سياسي/أمني/ هوياتي) حول التمركز الأوروبي القديم حول ما هو أبيض وما هو مسيحي وما هو غربي بشكل عام.

ويعقب هذا التحدي في الأهمية مخاطر التفكك "الكُتلي" الذي يصيب أوروبا، من نزوع دول كبرى كبريطانيا للاستقلال فعليا عن أوروبا، بل وتصاعد نجم اليمين الأوروبي الذي يعادي في القلب منه وجود دوله داخل منظومة يرونها "مجحفة" بتاريخهم القومي، كاليمين الفرنسي مثلا، ما يزيد بجانب الخوف "الديمغرافي" من عوامل تفتيت الاتحاد وزيادة الانقسامات فيه، في إطار غياب لأيديولوجيا أو فكرة جامعة بخلاف صيغة المصالح الاقتصادية، التي ربما لا تستوعبها بشكل كافي تيارات اليمين المتطرف. 

وتأتي روسيا كثالث تلك التحديات بجانب تباشير التخلي الأميركي عن الرعاية الأبوية لأوروبا وفق ما كان مقررا عقب الحرب العالمية الثانية، وإقرار خطة مارشال واتفاقية بريتون وودز ومؤسساته التي نشأت عنه إلى الآن والتي أعطت أوروبا وأمريكا مكانة مركزية في تحديد خارطة الاقتصاد.

ما يعني أن أوروبا اليوم بمخاطر التفتت الداخلي، وبوادر التخلي الأميركي ستكون بمفردها أمام "دب روسي" يتحول تدريجيا "لأفعى" تتحرك بفاعلية لتخنق أوروبا عبر تدخلاتها السياسية والعسكرية في شرق أوروبا والتي تعتبرها روسيا مجالا حيويا لها، وكذلك في الشرق الأوسط والذي ظل يشكل منذ الخلافة العثمانية مركزا لاهتمام أوروبا السياسي ومجالا استعماريا لها. 

متفرعا عن التحدي الروسي، يأتي التحدي التركي كفرع وليس كفاعل رئيسي، حيث أصبحت تركيا أردوغان بدورها في سوريا، وضخها للمهاجرين، وتحالفها مع الروس، وتحجميها للدور السياسي للأحزاب العلمانية والجيش، تشكل قلقا متزايدا لأوروبا، خاصة أن التقارب مع موسكو يعني بالتبعية تباعدا حتميا عن الناتو وعن وجود تركيا كركيزة استقرار للتفوق الغربي في الشرق الأوسط.

في ظل تلك السياقات جميعها، يأتي الاحتفاء الأوروبي بالذكرى ال60 والاجتماع الملفت لكامل قياداته مع بابا الفاتيكان، ليعكس بحثا أوروبيا حثيثا عن مظلة "دينية - أيديولوجية - هوياتية" لوجوده، تعرف من خلالها أوروبا نفسها للعالم ولشعوبها، حيث أن مظلة الليبرالية والحرية والعولمة لم تعد ذات قيمة كبيرة في عالم يرتد من أقصاه لأقصاه نحو يمين ديني وقومي وعنصري. 

بل إن الدعاية الليبرالية في جوهرها "القيمي" لا الاقتصادي، ستضعف موقف السياسة في أوروبا أمام خطاب اليمين المفتت للاتحاد والذي سيثير من القلاقل أكثر مما سيواجه تحديات الهجرة وغياب الهوية لدى الإنسان الأوروبي.

في هذا السياق تحديدا وليس في غيره يأتي استيعاب الدور الديني للبابا، كرمزية دينية وهوياتية لأوروبا، وأيضا استدعاء لتاريخ وحدوي قديم، وإرث يمكن تسويقه شعبيا، في داخل أوروبا وفي خارجها، ولا يمكن الرضوخ لمحاولة التوظيف "التركية" لهذا الاجتماع وكأنه في سياق تحدي الدور التركي والاستفتاء، فهذه -في نظري- مبالغة ومحاولة دعائية، وإنما السياق الأكبر للمشهد هو الأدعى لاستيعاب الصورة من خلاله. 

رسائل متعددة إذا يحتملها الاحتفال نفسه، والظهور الفاتيكاني، منها ما هو داخلي هوياتي، ومنها ما يمكن تعريف الذات به أمام روسيا "الأرثوذوكسية" و أمام مخاطر التفتت والنزوع العالمي نحو اليمين، والبحث عن هوية معرفة لأوروبا بديلة عن قيم الليبرالية والعولمة.