كتاب عربي 21

كيف خذلت الحركات الإسلامية الأمة؟

1300x600
لا شيء أضر على الشعوب من أن يحمل قضيتها الخونة إلا أن يحملها السذج الحالمون، فالخونة سرعان ما تنكشف خيانتهم أمام القوى الحية للأمة، لكن حين تكون القوى الحية للأمة هي المدخل الذي تطعن منه الأمة، فهنا تتضافر ملامح كارثة موجعة، لا تكفي أمة وقتها بكائيات الشرق والغرب.
 
في واقعنا العربي الآن تتجسد عوامل الصراع الذي لا يدرك الغرب ولا الشرق مآلاته النهائية، وإن كانوا قد أعدوا له مشاريعهم الخاصة، ما يتعلق منها بالجغرافيا وما يتعلق منها بالأقليات وما يتعلق منها بالأفكار التي يجب أن تسود من وجهة نظرهم، إلا أن واقعا جديدا تماما بدأ يتشكل بالنمط الذي لا رجعة عنه إلى ما قبله، في وقت مازالت أغلب القوى الحية للأمة بلا مشروع واضح.
 
وإذا انطلقنا من مسلمة واقعية تعتمد الصيغة المتعددة للصراع "طائفية/استعمارية/تحررية" فإننا نتحدث عن مشروع للسنة في مواجهة التغول "الشيعي" الحاصل، ومشروع للعرب السنة في مواجهة "الاستعمار الجديد" الذي تتبدى ملامحه في سوريا وليبيا وقبلهما العراق وأفغانستان والشيشان، كما هو صراع "تحرري" في أصله ضد الأنظمة الوكيلة عن الغرب محليا.
 
وعليه، فهذا الصراع متعدد العناوين والأطراف تتكامل تركيباته على الواقع، فالطائفي تحالف مع الاستعماري، والأنظمة الوكيلة تتحرك بديلا عن المستعمر أو تمهيدا له، في حين تبقى الشعوب المسلمة بلا ممثل حقيقي أو مشروع ناجز، يلم جوانب الصراع ولا ينحسر في صورة من صوره التي تتحول تدريجيا لدى البعض إلى المشروع نفسه، وترى من كان خارجه "آخر" يجب أن يحدد موقفه.
 
وبخلاف "تنظيم الدولة الإسلامية" الذي يطرح نفسه كمشروع شبه متكامل للسنة العرب أمام خصومهم، وإن كان تصورا في جوانب منه يعاني قصورا نظريا وعمليا، فقد خلق عداوات ضخمة داخل محيطه السني والعربي، لا نقول من الأنظمة وإنما من الأقران، وتجاوز بمعركته أفق الواقع، ولست هنا في إطار التقييم وإنما التحليل.
 
بخلاف هذا التنظيم الذي اتخذ نمطا تقليديا للإسلام، من وجهة نظره، متعلقا بالإمارة والجباية والغزو والدولة، تقف أغلب المشاريع الإسلامية من الواقع موقف رد الفعل، الذي يحاول تدارك ما فات لا استشراف ما هو آت، ولا تستطيع إيجاد تعريفات حقيقية للواقع يمكن الانطلاق منها وتحشيد الأمة خلفها، وبدلا من ذلك تقف متمسكة بماض غابر أقسم على ألا يعود.
 
وهذا الوقوف في ظل تسارع الأحداث يشي بمخاطر كبرى على واقع الأمة السياسي والتحرري والجغرافي، فبينما تظل تنظيمات الشام المسلحة تحاول تقريب معادلة عن النموذج المستقبلي وثيق الصلة بالدولة السورية وبشكلها القديم، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها وروسيا وحلفاؤها على رسم خارطة جديدة للمنطقة لن يكون منها على طبيعة الحال سوريا موحدة، في الوقت الذي تستجدي فيه مشاريع السنة على الأرض دعم حلفاء لا يمكن الثقة بهم ولا بمحركاتهم.
 
كما أن الجسد الأكبر المريض للحركة الإسلامية وهو "الإخوان" قد انشغل بالضربة التي استبقت تفجير الوضع في الشام والعراق بشكله الحالي، مما حول هذا الجسد للانشغال بلعق جراحه وتذوق مرارة الخداع والافتقار لمشروع، حيث وقعت الجماعة بجسدها في مصر والأردن وقبلهما الجزائر رهينة الأنظمة ومؤامراتها وقمعها، كما أن افتقارها لمشروع واضح الملامح للمستقبل جعلها تنكفئ على نفسها وتعتاش من صراعاتها الداخلية.
 
وعليه، فوق هذا المشهد يسير مشروع التقسيم بشكل أقوى من كل القوى على الأرض، في حين ينشغل أغلب جسد الأمة الحي بما يبعدها شيئا فشيئا عن الأمة ذاتها، كما أن من انخرط في الصراع مباشرة دون رؤية واضحة سقط في شباك التلاعب من الداعمين والقوى الدولية وقوة الواقع المفروض، حيث تكون التحركات ردود أفعال لا عملية بناء مشروع.
 
وفي الشام تحديدا يهاجم الجميع تنظيم الدولة، إلا أنهم في المقابل يفشلون في وضع صيغة توحد حقيقية خلف مشروع يواجه التنظيم "بالنموذج" كما يواجه النظام "بقوة النموذج"، وعليه يكون التحجج بوجود التنظيم غطاء عن غياب المشروع، حيث إن ما يمنع توحد كل تلك القوى على الحقيقة هو افتقاد رؤية حاسمة للواقع، يمكنها من تجاوز معطياته نحو تأسيس مشروع حقيقي يقنع الجميع بالانضواء تحته، وإلى ذلك الحين تبقى المشاريع المتاحة في أضيق نطاق أو متعلقة بواقع لن يعود.
 
إن الحروب التي يكون وقودها الشعوب والتشكيلات المذهبية والدينية والعرقية تخلق واقعا جديدا قد يختلف في نتائجه عن الحرب السياسية التي تحركها الدول وأطماعها الاقتصادية، وبالتالي فتمكن العرقيات والمذهبيات من امتلاك السلاح وقوته دون الدولة، يخلق بطبيعة الحال واقعا جديدا لن يمكن تجاوزه إلا بمشروع واضح وكلفة دم عالية، دون ذلك ستقر القوى الدولية واقع التقسيم كما هو، وربما تخطه بدباباتها إن لزم الأمر.
 
إن تحويل المواجهة الحالية إلى مواجهة "أمة" لا تنظيمات يظل هو واجب الوقت الذي لا يمكن الفكاك عنه، وان انشغال قوى من الأمة بنفسها عن الصراع يجعلها في موقع الجريمة لا شيء آخر، فأغلب تلك التنظيمات حين تقرأ مواثيق تأسيسها وكلام مؤسسيها تدرك أنها ما خلقت إلا لمثل تلك المرحلة، فإذا وصلت للمرحلة وجدتها خارج نطاق الفاعلية، بل ربما تكون عنصر تخذيل وتكسير وتفتيت للأمة.
 
إن المسؤولية كبيرة إذن تجاه القوى الحية في الأمة لإعادة الدفة مجددا وعدم التعويل على واقع لن يبقى كثيرا، والاستعداد لمرحلة سيكون عنوانها الفوضى ولا شيء آخر، ولن يقنع الأمة وقتها إلا مشروع واضح الغاية والراية والمقصد، وإلا فرد الفعل سيظل هو العنوان القادم، الذي لم تخرج الأمة عنه منذ 100 عام.