مقالات مختارة

مشكلة انعدام النظام في الشرق الأوسط

1300x600
نمرّ في الشرق الأوسط بأيام أصبح الجميع فيها لديهم في مكان ما من يعاديهم. إنها فوضى جعلت بعض الدول تحارب نفسها.

وأفضل مثالٍ على ذلك هو قيادة باراك أوباما التي أوصلت أمريكا إلى قمة انعدام القرار. فأمريكا التي تحارب داعش مع إيران في جبهة العراق تحارب الحوثيين الذين تدعمهم إيران في جبهة اليمن. 

لا تعترضوا على كلامي قائلين "متى؟ لم يحدث هذا أساسا"؛ فالموقف الذي وقعت فيه أمريكا أصبح هذه المرة معقداً أكثر من وضع الشرق الأوسط. وإذا سمحتم فإني أريد إيضاح هذا الموقف. لقد وصل الشرق الأوسط إلى قلب أزمة انعدام النظام. وتنبع هذه الأزمة من انعدام القوة التي ستتمكن من القيادة ومن أن من يرشحون أنفسهم للقيادة تنعدم فيهم المواصفات المطلوبة. كونوا أنفسكم في هذا الوضع الذي يعلن فيه كل شخص نفسه يزيدا. ولا تنخدعوا بتمر الحرب المذهبية الذي يضعونه على مائدتكم ليزيدوا شهيتكم. فالوضع الآن لا يختلف عن وضع أوروبا في 1618. 

في أوروبا حدثت حربٌ طائفية قام فيها الجميع بمحاربة الجميع لمدة 30 عاما. لكن التاريخ أثبت للجميع أنها كانت حربا سياسية وليست طائفية. وسبب الأزمة أن الأطراف كانت تتنازع على مناطق سيادتها. فسادت في أوروبا فوضى جعلت الناس لا يعرفون مع من وأين يقاتلون.

لقد كان من الممكن أن تنتهي هذه الأزمة التي جرفت أوروبا نحو الظلام عن طريق اعتراف الأطراف بسيادة بعضها. ولكنهم عقدوا صلحا سجّله التاريخ باسم صلح "وستفاليا". فانتهى بعدها العصرُ الذي قتل فيه آلاف الأشخاص وهم يظنون أنهم يحاربون لأجل طائفتهم. وقد وَلّد هذا الصلح اختلافات متعددة ولكنها لا تعنينا في هذا الموضوع. تهمنا النتيجة. الحقيقة هي كالآتي: بعد اتفاقية الصلح الأوروبية تمكّن الاتحاد الأوروبي من التغلّب على الدولة العثمانية ووضع أنجح اتفاقية صلح في التاريخ بعد 400 سنة. 

وما حدث في أوروبا بالأمس يحدث اليوم في الشرق الأوسط؛ فيساق الشعب إلى حربٍ مذهبية في حين أن أساس المشكلة هو أن جميع الأنظمة الدكتاتورية تصرُّ على عدم الانتقال إلى نظامٍ سياسيّ يحتوي الجميع. هذه الأنظمة الدكتاتورية تجعل معارضيها والأنظمة الأخرى التي تعاديها تحارب بعضها البعض كي تتمكن من توسعة مناطق سيادتها. وهذه الحرب التي يسمونها مذهبية ليست سوى غلافٍ قام سارقٌ بخياطته لمنارة جامع. والأكثر هو أن النية والغلاف ليسا جديدين.. الأمر الجديد هو الفراغ القيادي الذي خلّفته أمريكا بعد ضياع موقعها في الشرق الأوسط. والآن تسعى أنظمة لم تُعر طلبات الشعوب أيّ اهتمام كإيران، إلى تعبئة هذا الفراغ.

وعلى ما يبدو فإنّ هذا الوضع الفوضويّ سيمتّد إلى دول أخرى. وإيران لن تسكت عن الكرت الأحمر الذي رفع لها في اليمن. أخشى من أننا نقوم بفتح أبواب عصرٍ سيتهم فيه كلّ من يطالب بحقوقه بالعمالة لإيران. ويبدو أن حلف الناتو العربي الذي سينشأ يحمل هذا الهدف.

بما أننا شخّصنا الموقف، فلنتحدث عن آرائنا في كيفية إخراج الشرق الأوسط من العصر الوسيط.

بالطبع ليست هناك وصفة سحرية. ولا أرى بُدّا من البحث عنها. فهناك ما هو جاهز... ما فعلته أوروبا بإمكان الشرق الأوسط فعله. من الممكن عمل وثيقة مدنية تقضي باعتراف الأطراف بسيادة بعضها كما فعلت وثيقة السلام الأوروبية. وبالطبع، إنه لكي يحصل هذا يجب قبل كل شيء أن تفهم أنظمة المنطقة أن الصراع لن يوصلها إلى نتيجة.

(عن صحيفة: خبر ترك)