كتاب عربي 21

لغة السلاح المحرم في خطاب الأسد

1300x600
يعتبر إعلان النظام السوري عن ثلاث منشآت للأسلحة الكيماوية لم يتم الكشف عنها سابقاً ردا غير مباشر من الحكومة السورية على تصريح باراك أوباما لنييورك تايمز والذي قال فيه: 

"إذا ما فكر الأسد أو أمر قواته بإطلاق النارعلى الطائرات الأميركية التي تدخل المجال الجوي السوري، فسندمر الدفاعات الجوية السورية عن آخرها، وسيكون هذا أسهل لقواتنا من ضرب مواقع داعش".
 
وأردف مكملا: "بأنه في حال تجرأ الأسد على هذا فسيسعى ما بوسعه للإطاحة بالأسد و نظامه".
 
جاء هذا التصريح بدوره ردا على تلويح النظام السوري  باستهداف الطائرات الجوية الأميركية في حال اختراقها الأجواء السورية، دون التنسيق الأمني والعسكري مع الأسد، واعتباره عدوانا على سيادة النظام على الأراضي السورية.
   
إذا: رفض أوباما أوعلى الأقل تظاهر بعدم رغبته في الاستجابة إلى دعوات الحكومة السورية، لأجل التعاون الاستخباراتي والعسكري بغية تسهيل ضرب مواقع التنظيات الإرهابية، والمتمثلة على حد زعمهم بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام؛ وعلى الرغم من أن شخصيات عسكرية في الإدارة الأميركية أعلنت في وقت سابق أن التحالف مع الأسد من تحت الطاولة أو من فوقها يعتبر ضرورة في الفترة القادمة، إلا أن أوباما فضل تقليم أظافر الأسد على التعاون العلني معه وتقوية شوكته، فأوباما يدرك تماماً أن قبول دعوات الأسد للتعاون والتنسيق في ضرب داعش هو شبه اتفاق رسمي بين الحكومتين على تسليم القوات الأميركية نظام الأسد المدن والبلدات المزمع نزعها من بين أيدي التنظيم، والتي يسيطر عليها حاليا؛ وهذا ما سيقود بالضرورة إلى قطع الطريق على المعارضة المعتدلة المسلحة والتي أقر الكونغرس تمويلها في جلسته الأخيرة بناءا على طلب من أوباما نفسه.
 
لم يكن خفيا على الإدارة الأمريكية ما يمكن أن يسببه التعاطي الرسمي من قبلها مع الأسد من حرج دولي، وخصوصا أمام الحكومات المناهضة لسياسة الأسد القمعية، والتي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية، وما سوف يسببه هذا التحالف من تعثير وعرقلة في مسيرة الإدارة الأميركية نحو تشكيل التحالف الدولي والإقليمي الذي تسعى إليه بهدف التصدي لتنظيم الدولة بأقل خسائر مادية وبشرية أمريكية ممكنة. 

أسئلة كبرى يقودنا إليها إعلان دمشق الأخير والذي يعد نص الخطاب خطيرا: فهل يحتفظ الأسد بالكيماوي فقط ؟ أم أنه ما زال يمتلك أوراقا أخرى يمكن أن يظهرها في فترات لاحقة؟ و هل شكل هذا الإعلان -الذي يمكن وصفه بالخطاب الساخر من خط أوباما الأحمر- مفاجأة للإدارة الأمريكية؟ وهل سيغير من تصنيفاتها وخياراتها و أولوياتها؟  أم ستكتفي بوصفه "استعراض عضلات" يمكن تجاوزه نظرا لضغوطات المرحلة القادمة؟ 
   
بكل تأكيد مازال الأسد يحتفظ بالعديد من الأوراق في جعبته تتضمن المحظور العالمي من الأسلحة، لكن ما قدمته الإدراة الأمريكية هبة منها لدوره الريادي في تدميرالاقتصاد السوري والبنى التحتية والمنظومة الدفاعية السورية، بما يخدم مصالح إسرائيل (طفلتها المغنجة)، ومنها تعسير الجهود التي بذلتها المعارضة السورية في إدراج نظام الأسد ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية والتأني في دعم المعارضة جعلت الأسد يثق بأن أمريكا ستبقى الصديق المدافع عنه بالطرق التي تتطلبها المرحلة.

وإذ ما أمعنا النظر اليوم في التحالفات الدولية والإقليمية التي انتهت بانضمام أربعين دولة للمشاركة في القضاء على التنظيم الإرهابي لا يمكننا إلا التوجس من عدم انضمام أهم الدول التي تشكل عائقا أمام إسقاط الأسد، وهي إيران وروسيا والصين، فبغض النظر أكان استبعادا أم رفضا منها للدخول في التحالف، إلا أن المشهد يوحي باتفاق مع أمريكا بما يمد أمد الصراع في سوريا حتى بعد انهيار تنظيم الدولة.  
 
أسئلة كثيرة طرحها السوريون حول أهداف التحالف الدولي تثير الشك: فهل حقا يستحق تنظيم حديث التكوين عشر سنوات للقضاء عليه حسب تصريح لسعود الفيصل ؟ أو ثلاث سنوات وأكثر بحسب تصريح لأوباما ؟ و لماذا يتم اليوم دحر قوات التنظيم من العراق و تجميعها في سوريا؟ و هل ستكون معارك البشمركة ضد قوات التنظيم في شمال سوريا والخوف من الدواعش المبرر لاقتطاع أجزاء من سوريا وضمها إلى كردستان الوليدة؟ و خصوصا بعد دعمها دوليا واعتبارها مناطق آمنة؟ 

هل يكفي تجهيز خمسة آلاف مقاتل  سوري سنويا من المعارضة المعتدلة -كما يصفون- للسيطرة على المناطق التي سيضربها الطيران الأميركي ونزعها من تحت سيطرة التنظيم بعد خوض معارك ضد قوات الأسد التي ستتكالب لتعيد سيطرتها عليها؟ والسؤال الذي انطلقنا منه، ماذا بعد الإعلان عن منشآت الأسلحة الكيماوية الثلاث والتي تضمن تصنيع الغازات السامة التي  يقصف بها الأسد الشعب السوري بشكل شبه يومي؟ هل يمكن أن يكون خطاب الأسد القادم  يحمل تهديدا  بالسلاح الجرثومي أو النووي؟

سندع الإجابة للأيام القادمة، ونرجو ألا تكون: إن متطلبات بناء الشرق الأوسط الجديد تقتضي هدم القديم ودفن معالمه حتى يصاغ بالشكل المرسوم.