ملفات وتقارير

مثقفون وسياسيون: تدخلات خارجية ومافيات محلية أفشلت الثورات العربية

مثقفون وسياسيون عرب: الديمقراطية والشفافية شرطان للحصول على دعم مالي دولي (عربي21)
دعا عشرات الديبلوماسيين والمثقفين والسياسيين العرب السلطات التونسية والحكومات العربية والأفريقية، في الذكرى الـ 12 لانفجار ثورات الربيع العربي، إلى اعتماد "سياسات اقتصادية اجتماعية جديدة تحترم المعايير الدولية للشفافية والديمقراطية ولاحترام استقلالية القضاء والإعلام والفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية حتى تنجح في استقطاب المستثمرين والممولين من العالم أجمع".

واعتبر الخبراء والحقوقيون والسياسيون المشاركون في ندوة "المتغيرات الاقتصادية والجيو استراتيجية عام 2023 في تونس والمنطقة المغاربية الأوروبية" أن "احترام السلطات في تونس وفي كامل المنطقة العربية للديمقراطية وحقوق الإنسان سيؤدي إلى تحسين مناخ الأعمال والشفافية واحترام الشروط التي تقدمها الصناديق المالية والاستثمارية الدولية قبل إعلان موافقتها على تقديم قروض وعلى الاستثمار في دول جنوب البحر الأبيض المتوسط ".

وفسر هؤلاء الخبراء تعثر مسار الانتقال الديمقراطي والثورات العربية بـ "التدخلات الخارجية وأجندات مافيات محلية ليس من مصلحتها إنجاز الإصلاح الاقتصادي والسياسي والثقافي ".

منذ برشلونة وثورات 2011

واستدل البيان الختامي للندوة حول علاقة التمويل الدولي بالديمقراطية بعشرات المليارات من الدولارات التي حصلت عليها تونس والدول المغاربية من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واليابان منذ اتفاقات برشلونة الأورو متوسطية في 1995 و2005 و2009  ثم بعد إعلان انخراطها في المسار الديمقراطي بعد ثورات 2011.

وحذر المشاركون في هذه الندوة التي نظمتها جمعيات "الديمقراطيين في العالم العربي" و"كفاءات تونسية" والمؤسسة العربية والأفريقية للدراسات ابن رشد، من انفجار الأوضاع الأمنية والاجتماعية وانهيار مزيد من مؤسسات الدولة والمجتمع في أغلب الدول العربية في صورة عدم تعديل السياسات الخارجية والداخلية للحكومات.



 واعتبر المؤتمر أن عودة مناخ الثقة بين كل صناع القرار الاقتصادي والسياسي المحلي والإقليمي والدولي شرط ضروي لتحقيق "الأمن الشامل" وامتصاص غضب عشرات ملايين المواطنين الذين تضرروا من ارتفاع الأسعار ونسب الفقر والبطالة وتدهور قيمة العملات المحلية مقابل الدولار الأمريكي واليورو..

ليبيا.. وخلافات الجزائر والمغرب

في هذا السياق أوصى ممثلو منظمات مستقلة ومراكز دراسات مغربية وجزائرية وليبية وتونسية وموريتانية وأوروبية في تصريحات لـ "عربي21" على هامش الندوة باحتواء سريع للخلافات بين الجزائر والمغرب من جهة وللأزمة والحرب داخل ليبيا. وطالبوا "القوات الأجنبية" بالانسحاب بوضع حد للتدخلات الأجنبية السياسية والعسكرية التي تعرقل فرص التسوية السياسية للحرب في ليبيا وجهود إعادة تطبيع العلاقات بين الجزائر والرباط وفتح الحدود الجزائرية المغربية.


                                  سعيد بحيرة.. الكاتب العام السابق لوزارة الخارجية التونسية

ودعا المحاضرون العواصم العربية والدولية المؤثرة في المتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا وتونس وكامل المنطقة إلى "إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ودعم فرص التسوية السياسية على حساب كل السيناريوهات العسكرية والأمنية في كامل المنطقة من اليمن إلى سوريا ومن الخليج إلى بلدان الاتحاد المغاربي"، كما ورد على لسان مدير عام مؤسسة بناء الليبية مصطفى الساقزلي والناشط أحمد الطلحي ممثل التكتل الجمعياتي في منطقة طنجة المغربية وشكري الحيدري رئيس منظمة "كفاءات تونسية".

الصراع بين الحلف الأطلسي وروسيا 

في سياق متصل اعتبر الإعلامي ورئيس المنتدى الألماني المغاربي للحوار المنصف السليمي في تصريح لـ "عربي21" على هامش مشاركته في الندوة أن المنطقة المغاربية والأورو متوسطية في حاجة إلى إصلاحات سياسية اقتصادية داخلية وإقليمية سريعة لاحتواء أزمات قد تصبح أكثر خطورة في 2023.

واعتبر السليمي أن هذه الأزمات تستوجب تحركا مشتركا يشمل 3 مجالات: المجال الأوروبي الذي سيزداد تعقيدا بسبب حرب أوكرانيا، والمجال المغاربي الذي ازداد هشاشة بسبب تصعيد الخلافات بين الجزائر والرباط، والمجال الدولي الذي استفحلت فيه مخاطر المواجهة بين الحلف الأطلسي وحلفائه وروسيا والصين وحلفائهما اقتصاديا وتكنولوجيا وعسكريا.

واعتبر السليمي أن المرحلة "تفترض استشرافا دقيقا للمتغيرات الجيو استراتيجية الإقليمية والدولية وتشجيع سيناريوهات الحوار والتفاوض والتكامل الاقتصادي على سيناريوهات الحرب والقطيعة والصدام".. كما طالب الدول المغاربية والعربية بعقلنة السياسات الخارجية لدول المنطقة مع استشراف دقيق لسيناريوهات المتغيرات المرتقبة في "الشراكات الاستراتيجية إقليميا ودوليا".

35 ألف مهاجر غير قانوني

وحظي ملف الهجرة القانونية وغير القانونية وبقية ملفات الشراكة الأوروبية العربية باهتمام الملتقى.

في هذا السياق كشفت دراسة قدمها البرلماني التونسي في إيطاليا والقيادي السابق في حزب التيار الديمقراطي مجدي الكرباعي أن 18 ألف تونسي وصلوا إيطاليا عام 2022 بطريقة غير قانونية وأن 15 ألفا آخرين ينتظرون في صربيا وتركيا بعد أن تقدموا بمطالب للسلطات الأوروبية.

وقدر البرلماني مجدي الكرباعي عدد التونسيين الذين ماتوا غرقا أو في مراكز الاحتجاز الإيطالية والأوروبية "القاسية جدا" بحوالي ألف شخص. وسجل أن السلطات الإيطالية والأوروبية أصبحت تتعمد سوء معاملة المرشحين للهجرة غير القانونية وإيوائهم في ظروف وصفها بـ "البشعة والمخزية" مقارنة بمراكز الإيقاف المؤقت السابقة.


                                    وزير الدولة للخارجية التونسي السابق محمد علي النفطي

في سياق متصل أوصى عدد من خبراء السياسة الدولية والديبلوماسيين المشاركين في الندوة، بينهم وزير الدولة السابق للخارجية السفير محمد علي النفطي، بتفعيل اتفاقيات سابقة توصلت إليها السلطات التونسية والمغاربية مع بروكسيل والعواصم الأوربية حول التعاون الثنائي والإقليمي وتقاطع المصالح وحركة تنقل المسافرين ورؤوس الأموال والسلع في الاتجاهين تكريسا لقاعدة "تقاسم الأرباح". وكشف النفطي ومتدخلون من البلدان المغاربية الخمسة، بينهم الإعلامي الجزائري عثمان اللحياني والكاتب العام السابق لوزارة الخارجية التونسية سعيد بحيرة والإعلامية الليبية سلمى المنفي، أن "تحويلات المهاجرين العرب إلى بلدانهم ما تزال تتصدر موارد دولهم وعائلاتهم من العملات الدولية" ودعوا إلى "عدم الخلط بين الحق في انتقاد الإرث الاستعماري وواجب حماية مصالح الشعوب والدول العربية اليوم في أوروبا. وقدرت بعض الورقات عدد المهاجرين العرب في أوروبا التي تؤوي بحوالي 20 مليون مهاجر، بينهم أكثر من 10 ملايين من بلدان شمال أفريقيا وحدها".

تحرير العقول

من جهة أخرى دعا عدد من رجال الأعمال والخبراء الاقتصاديين العرب، بينهم التونسي المقيم في الدوحة سامي القابسي والمستثمر الجزائري أحمد بن جلون والرئيس الشرفي للخبراء المحاسبين التونسيين شكري الحيدري والإعلامية الليبية سلمة المنفي، إلى "تحرير العقليات وتفعيل دور المجتمع المدني والشباب والمؤسسات الديمقراطية" حتى تنجح سيناريوهات التنمية في بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط.

كما دعوا إلى تحرير تنقل رؤوس الأموال والسلع والمسافرين وأصحاب الشركات الصغرى والمتوسطة بين بلدان الجنوب عموما والبلدان شمال أفريقيا خاصة".


                                        مشاركون من الأردن والدول المغاربية وأوروبا

وذكر ممثل الائتلاف الجمعياتي بطنجة أحمد الطلحي بالمناسبة بكون المنطقة تستعد لإحياء الذكرى 65 لمؤتمر قمة طنجة التي نظمت في نيسان (أبريل) 1958 بمشاركة زعماء الحركة الوطنية في البلاد المغاربية وأوصت ببناء "الاتحاد المغاربي"، الذي تعثر مجددا بسبب "الخلافات الجديدة" بين الجزائر والرباط التي استفحلت العام الماضي بما تسبب في خسائر كبيرة للبلدين والشعبين".

وناشد الملتقى صناع القرار في العواصم المغاربية التحرك بمناسبة هذه الذكرى الرمزية لإعادة الروح لمؤسسات الاتحاد المغاربي المجمدة وللشراكة جنوب ـ جنوب.

واعتبر البيان الختامي للملتقى أن تكريس "المصالحة وتقاطع المصالح بين بلدان الجنوب سوف يجذب أكبر رؤوس الأموال والمؤسسات المالية والاستثمارية العمومية التابعة للبلدان الصناعية الدولية وبينها دول الاتحاد الأوروبي وتركيا والولايات المتحدة واليابان والصين وروسيا وكل القوى المهتمة بالاستثمار في أفريقيا والعالم العربي..