قضايا وآراء

احتجاجات القصرين: كيف ننجز دولة الشعب!

1300x600
على غير باقي دول الربيع استطاعت تونس أن تنقذ تجربتها الديمقراطية وتحقق نجاحات سياسية فريدة في ظل واقع عربي مليء بمشاهد الحرب والدم.

لم يكن سهلا تخطي كل الحواجز والمطبات للوصول بتونس إلى دستور جديد، مع برلمان ورئيس منتخبين وحكومة توافقية تجمع أهم وأكبر الأحزاب الوطنية، النهضة والنداء وغيرهما من الأحزاب. 

تونس الجديدة انتهى فيها زمن الحزب الواحد، كما انتهى زمن الانتخابات المزورة والإعلام الخشبي وتكميم الأفواه.

وبقدر ما تحققت من نجاحات سياسية جعلت هذه التجربة تحصد جائزة نوبل للسلام، فإن ذلك كان على حساب قضايا رئيسية أخرى كالمسألة الاجتماعية التي مثلت أحد أهم مطالب الثورة.

لقد جمعت مطالب الثوار منذ 17 ديسمبر 2010 بين ضرورة الإصلاح السياسي والاجتماعي (شغل، حرية، كرامة وطنية)، إلا أن النخبة السياسية فرقت بينهما بسبب تغليب الصراع السياسي على غيره من القضايا، إذ احتل هذا الصراع مساحات واسعة طيلة السنوات الخمس، وتحول أحيانا إلى مناكفات أيديولوجية بعيدة كل البعد عن أسئلة الثورة الحقيقية.

مثل صعود حركة النهضة للحكم سنة 2011 إشكالية لدى جزء كبير من نخب "الحداثة"، التي همشت منذ تلك اللحظة جوهر المطالب الثورية، واستدرجت الجميع لنقاشات هووية بسبب ما يعتمل في ذهن هذه النخب الموزعة على قطاعات ومجالات عدة، من مخاوف وهواجس تجاه تيارات "الإسلام السياسي".

كان استجلاب الماضي والخوف من المستقبل كلاهما سببا في التنكر للحظة التاريخية المعاشة، وأسئلتها الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالشعب عموما والشباب خصوصا. 

"للصبر حدود"، هذا ما جعل شباب القصرين وغيرها من الجهات ينتفض بعد مرور خمس سنوات على الثورة التونسية، ويعبر عن احتجاجه لمواصلة تهميشه وغياب أي بادرة جادة ومسؤولة للنهوض بهذه المناطق وسكانها من طرف الدولة عبر حكوماتها المتعاقبة. 

حالة من اليأس تنتاب الشباب، خاصة في أحزمة الفقر الممتدة من الشمال إلى الجنوب جعلتهم يفقدون الثقة في الحكومة ومن خلفها الطبقة السياسية. 

من المؤكد أن مثل هذه المطالب المشروعة تحرج الدولة بجميع مؤسساتها، وتضعها أمام مسؤولياتها الحقيقية، كما أنها فرصة مهمة لتصحيح بوصلة النخبة وللالتفات لما هو أهم من البحث عن مدى تهديد صلاة الاستسقاء لمدنية الدولة.

ناهيك أن العودة بالنقاش إلى مثل هذه القضايا الجوهرية والانطلاق في إيجاد حلول لها، يمثل دعما للمسار السياسي وليس العكس. فمواجهة هذه التحديات والمرور إلى تفعيل الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية، يعزز أرضية التوافق السياسي ويفتح لها الآفاق. إلى جانب أنه يضع الأحزاب أمام ضرورة التفكير في برامج دقيقة تتجاوز الصراعات الصفرية ورفع الشعارات الانتخابية الجوفاء.

إن تأخر الدولة عن الانطلاق في إصلاح المنظومة الاقتصادية وضمان العدالة الاجتماعية بين الجهات والأفراد، يتطلب حراكا اجتماعيا مدنيا سلميا، ونحن في ظل دولة يكفل دستورها حرية التظاهر والاحتجاج، بما يحقق مكاسب للمحتجين والدولة سواء. أما تحول هذه المطالب إلى مطية يسخرها البعض لإنهاك الدولة وتشتيت جهدها الأمني والسياسي، فسيكون ذلك على حساب جوهر القضايا وعلى حساب ديمقراطيتنا الناشئة.

لايمكن أن نعتبر عمليات السطو والتخريب والعنف تندرج ضمن الحق في التعبير أو الاحتجاج، بل إنها تشوش في حقيقة الأمر على المطالب العادلة التي يرفعها الشباب. ولكن تأبى جهات سياسية وشبكات إجرامية إلا أن تسعى لبث الفوضى، ونسف المسار السياسي التونسي الذي مثل استثناء في العالم العربي، رغم هناته ونقائصه القابلة للتدارك والتطوير.

ندد رئيس الجمهورية في خطابه يوم أمس بهذا الاستغلال الممجوج واللامدني الذي تقف وراءه أطراف سياسية، وتغذيه بعض الوسائل الإعلامية على حد تعبيره، كما أقر بأحقية التظاهر السلمي وشرعية المطالب.

يبقى على الحكومة المضي عمليا في تفعيل برامج تنموية واستثمارية، تنقذ الشباب والعاطلين من الفقر والتهميش، الذي غالبا ما ينتهي بأبنائنا إلى زوارق الموت أو شبكات الإجرام والإرهاب.

إن وعينا بالثورة وبمقتضيات المرحلة التاريخية، يجعلنا ندرك أن انحيازنا للدولة يقتضي بالضرورة الدفاع عن حقوق مواطنيها، وأن الانحياز للشعب يقتضي بالضرورة الحفاظ على كيان الدولة ومكاسب الثورة، لأن السؤال الحقيقي ما بعد الثورة، كيف ننجز دولة الشعب؟.