كتاب عربي 21

التحرير الممكن

1300x600
- إلى كل من يزعم أن هذه الانتفاضة لا أفق لها، أزعم أن أفقها، كأفق أي حلقة من حلقات الصراع بيننا وبين الصهيونية هو تحرير البلد. لا أقول إن البلد سيعود بعد يومين، ولكن مواجهة الشعب للاحتلال دون وسيط تنظيمي، يسمي نفسه سلطة وطنية أو حكومة أو هيئة مفاوضين، هي الطريقة الأنجح في رفع تكلفة الاحتلال وردِّه.

- سيقولون لك، إن فلسطين لن تحررها الخناجر، كذلك قالوا قبل ثمانية وعشرين سنة حين انطلقت الانتفاضة الأولى: إن فلسطين لن تحررها الحجارة، وقبل ذلك، في الستينيات والسبعينيات، كانوا يقولون إن فلسطين لن تحررها البنادق الخفيفة والعمليات الفدائية المتفرقة. إن أصحاب هذا القول يريدون أن يكون الصراع بيننا وبين الاحتلال حكراً على الجيوش الرسمية، ناسين أن الجيوش الرسمية هي التي أضاعت فلسطين عام ثمانية وأربعين، ثم مرة أخرى عام سبعة وستين، وأن البنادق الخفيفة، والحجارة والسكاكين، على الأقل لم تضع أرضاً، ومهدت الطريق للصواريخ والعمليات النوعية. 

- أقول إن هذه الانتفاضة وأخواتها السابقات واللاحقات، تقربنا من يوم التحرير أكثر من الجيوش العربية. فالجيوش العربية لا تصنع سلاحها بل تشتريه، وهي بذلك رهينة لمن يزودونها به، سواء كانوا أمريكيين أو روساً أو حلفاء لهذين. أما الحجر والسكين والصاروخ المصنع محلياً فلا يشتريه الناس بل يؤلفونه تأليفاً. إن استقلال السلاح شرط استقلال الوطن، ولا يمكن تحرير أرض بسلاح مرتهن.


- إن هذه الانتفاضة، إذا أراد الناس، قادرة على أن تنهي اتفاقية السلام، وتحل السلطة الوطنية الفلسطينيةـ وتعيد الأمور إلى نصابها: نحن شعب تحت الاحتلال نقاومه بكل ما ملكت أيدينا، وليس لنا حكومة بل منظمة تحرير، وليس لدينا شرطة وأجهزة أمن بل لدينا فدائيون.

- إن كل مواجهة شعبية مع إسرائيل تضع السلطة الوطنية الفلسطينية امام خيارين، الغاء اتفاقية السلام وحل نفسها، أو التمسك بالمفاوضات وفقدان شرعيتها. وهي منذ عشرين سنة تختار ان تخسر جزءا من شرعيتها، حتى كادت أن لا يعود لها شرعية البتة، فإن استمرت الحال على هذا المنوال فإن السلطة واتفاقية سلامها ستسقطان عملياً وإن لم تسقطا رسمياً. إن الشعب الفلسطيني اليوم يواجه إسرائيل بلا قرار من سلطته، والسلام القائم بين تلك السلطة والاحتلال حبر على ورق، الشعب ليس في حالة سلام مع إسرائيل، فإن أرادت السلطة أن تسالم فإنها لا تحكم إلا على موظفيها.


- إن أُلْغاء اْتَّفَاقِيَّةُ السلام، عملياً أو رسمياً، وحل السلطة الوطنية الفلسطينية، يترتب عليه وجوب انضمام عشرات الآلاف من المسلحين الفلسطينيين هم مجموع قوى الأمن التابعة للسلطة الى صفوف المقاومة بسلاحهم، فان رفضوا وجب أن يسلموا سلاحهم للمقاومين، فان رفضوا ووقفوا على الحياد فحالهم حال الجندي الممتنع عن القتال في زمن الحرب.

- بل، حتى بدون حل السلطة الوطنية وإلغاء اتفاقية أوسلو، يظل واجباً على قوى الأمن الفلسطينية حماية شعبها بما لديها من سلاح: إن فلسطين تعرضت لأكثر من عملية تفتيت كي تكون لقمة سائغة للعدو، ففصلت الشام عن الأمة ثم فلسطين عن الشام، ثم الضفة الغربية وغزة عن سائر فلسطين، ثم قسمت الضفة إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، الأولى تحت الإشراف الأمني والمدني للسلطة الفلسطينية، والثانية تحت الإشراف المدني للسلطة و والإشراف الأمني لإسرائيل، والثالثة، وهي تشكل أكثر من ثلثي الضفة الغربية ما تزال تحت الإشراف الأمني والمدني لإسرائيل. واليوم إسرائيل تقتحم المناطق (أ) والتي تشكل نسبة ضئيلة جداً من أرض فلسطين التاريخية، والتي أصبحت هي الوطن الميكروسكوبي المصغر. هذا يعني أنه حتى بمقتضى اتفاقية السلام الرديئة فإن واجب قوى الأمن الفلسطينية رد النار بالنار وحماية المواطنين الفلسطينيين من اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين أو الجيش الإسرائيلي في هذه المناطق. إن امتناعهم عن ذلك خلال الأيام الماضية إخلال بالمهام التي يقرونها هم ويقرها العالم لهم في اتفاقية أوسلو. وأثر هذا الامتناع على شرعية السلطة لا يمكن تجاهله.

- إن هذه الانتفاضة تضع إسرائيل أمام مقاومة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة  والقدس والداخل المحتل منذ عام 1948 معاً، وهو أمر لم تشهده إسرائيل من قبل، اللهم إلا في الأيام الأولى للانتفاضة الثانية عام 2000. فقد قاتلت إسرائيل الفلسطينيين في المخيمات وقاتلت الجيوش العربية فأحرزت تقدماً عسكرياً، ولكنها لم تقاتل قط الفلسطينيين كافة على أرضهم إلا وعجزت عن احتوائهم ولجأت في ذلك إلى فلسطيينين آخرين: فالانتفاضة الأولى لم يحتوها ويوقفها إلا دخول السلطة الوطنية عام أربعة وتسعين، والثانية لم يوقفها إلا تغير القيادة الفلسطينية وجنوح القيادة الجديدة بوضوح نحو خيار المسالمة، والثالثة هذه.

- إن أعداد الفلسطينيين ما بين البحر والنهر تزيد على أعداد اليهود من حملة الجنسية الإسرائيلية بمائة ألف نسمة اليوم، والفرق مرشح لأن يتجاوز المليون ونصف المليون نفس لصالح الفلسطينيين في العقدين القادمين. إن قدرة إسرائيل على احتواء الغضب الفلسطيني تقل. المهم أن تبقى لدى الفلسطينيين رغبة في استعادة البلاد ووعي سياسي بتاريخهم وخبرة ميدانية بأشكال الاحتجاج الأكثر تكلفة للاحتلال والمعتمدة على العدد والانتشار، وهذه كلها تنميها الانتفاضة. فالجيل الذي يقودها اليوم جيل ولد أكثره وكبر في ظل اتفاقيات السلام، إلا أن الوعي بالظلم الحالي والماضي أهَّله لقيادة هذه الثورة ضد المحتل، بدون احتياج لأطر تنظيمية. 

- ختاماً، منذ أضاعت الجيوش الرسمية فلسطين، كانت كل مواجهة بين الفلسطينيين والصهيونية تقربهم أكثر من فلسطين، رغم كل الأخطاء والحروب الأهلية والاقتتالات الداخلية: تحويل اللاجئين إلى فدائيين في الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات ضمن اعترافاً عالمياً بوجود شعب فلسطيني، وصمود الفدائيين في لبنان أول الثمانينيات ألهم شباب الضفة وغزة فانتفضوا في أواخرها،  ومنذ ذلك الحين أصبح للفلسطينيين وسائل إعلام شعبية وقوى مسلحة وحتى صواريخ على أرض فلسطين التاريخية، وخرج الاحتلال ومستوطنوه من غزة. وفي المقابل، فإن كل خطوة في اتجاه المسالمة دفعتنا أبعد عن بلادنا، فزاد الاستيطان أضعافاً ثلاثة منذ توقيع اتفاقية أوسلو، وانقسمنا بسببها، وسَجَنَ بعضنا بعضاً، وقامت مؤسسات وظيفتها الأولى التعاون مع الاحتلال والتنسيق معه في الأمن والاقتصاد وغير ذلك.

- إن هذه الانتفاضة لتنجح لا بد لها من تغيير مسار السياسة الفلسطينية في السنوات العشرين الأخيرة.

- إن هذه الانتفاضة، لا يمكن أن تحتويها أو تفشلها إسرائيل، أمر نجاحها وفشلها هو بيد الفلسطينيين وحدهم، وما تصنعه السلطة الفلسطينية بالناس، أو ما يصنعه الناس بالسلطة الفلسطينية هو الذي سيحدد مصير هذه الانتفاضة، إن تراجعاً، وإن تقدماً وانتصاراً.