كتاب عربي 21

بعث جديد للربيع العربي

1300x600
1-
تقول التطورات المتلاحقة على الأرض إن ثورات الربيع العربي قد فشلت، وبصرف النظر عن أسباب الفشل وما إذا كان قد حدث بأموال خليجية أو مؤامرات داخلية أو بأخطاء الثوار، إلا أن ما حدث في النهاية أن الموجات الثورية المطالبة بالعدالة والحرية تحولت إلى نزاعات مسلحة أسقطت آلاف القتلى والجرحى.

وقد كنت حتى قبل أيام من الآن على ثقة بأن أدوات الربيع العربي مثل الاعتصام في الميادين والتظاهر في الشوارع ورفع المطالب على اللافتات فقدت جاذبيتها، وأنه حتى ولو حدثت حراكات معارضة ضد الحكومات والأنظمة العربية، فإنها ستستحدث أدواتها الخاصة ولن تلجأ لأدوات باتت سيئة السمعة.

لكن ما حدث في لبنان الأسبوع الماضي ينسف كل هذه القناعات، يؤكد أن أدوات الربيع العربي ما زالت ملهمة، أن بعض الشعوب العربية فهم ما حدث وعرف أن العيب في الربيع العربي ليس شعاراته ولا أهدافه، لكن العيب كان دوما في إدارة مرحلة ما بعد نجاح الحراك.

تظاهر اللبنانيون بكثافة في الشوارع، تجمعوا ونصبوا الخيام في ساحة رياض الصلح، رددوا هتافات من نوعية "الشعب يريد إسقاط النظام"، و"يسقط يسقط حكم الأزعر"، رفعوا لافتات بمطالبهم، وحتى السخرية التي كانت حاضرة بقوة في الثورات العربية كانت موجودة بقوة في ساحات لبنان.

كل شيء هناك يذكرك بما حدث في مصر وتونس قبل 4 سنوات، قبل أن تسترد الأنظمة القديمة الحكم من الإسلاميين، وفي سوريا وليبيا واليمن قبل أن تتحول الثورات إلى حروب أهلية.

2-
قبل أيام كانت ثورة أمناء وأفراد الشرطة ضد وزارة الداخلية، أرادوا أن يضغطوا على الوزارة لتستجيب لمطالبهم فبحثوا بين الأدوات الأكثر تأثيرا فوجدوا الحل في الإضراب والتظاهر والاعتصام، بدأ الأمر بدعوة على صفحتهم على الفيسبوك، بعدها تجمعوا في الساحة المقابلة لمديرية أمن الشرقية، نصبوا الخيام وعلقوا عليها لافتات بمطالبهم ورددوا هتافات تطالب بالعدالة والمساواة، لم ينصرفوا حين أطلقت عليهم قوات الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع واستمروا في أماكنهم 3 أيام وانضم لهم زملاؤهم من بقية المحافظات، حتى رضخت الداخلية في النهاية واستجابت لكثير من مطالبهم.

تحول أمناء الشرطة لنشطاء يظهرون على الفضائيات لعرض قضيتهم، ويتلقون اتصالات من مشاهدين يتهمونهم بالتآمر على الدولة والتعاون مع الإخوان، ويطالب مقدمو البرامج بتطبيق قانون التظاهر عليهم وفض اعتصامهم بالقوة، وتفتح الصحف ملف مخالفاتهم والرشاوى التي يتقاضونها والقضايا التي أدين بعضهم فيها، ويردون على الشبهات التي تحيط بهم من خلال صفحتهم على الفيسبوك.

غريب أن يستخدم المواطنون اللبنانيون أدوات ثورة يعتقد كثيرون أنها أثبتت فشلها، الأغرب أن يستخدم أمناء وأفراد الشرطة أدوات ثورة شاركوا في قمعها.

3-
يبدو أن أدوات الربيع العربي مازالت فعالة وقادرة على التأثير، فما زال التظاهر والاحتجاج واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الحشد وسيلة فعالة للتغيير، ومازال كثيرون يؤمنون بقدرة هذه الوسائل على الحسم ومن بينهم من يعارضون الربيع العربي نفسه، ما زالت المظاهرات والاعتصامات تصنع الزخم وتجبر الجميع على الاهتمام بها، ما زال اللجوء إليها يأتي بنتائج مهمة حتى ولو كان غالبية الناس ضده، كما كان الأمر في اعتصام أمناء الشرطة الذي لم يكن يؤيده سوى القائمون به.

الأمر ليس فعالا على إطلاقه ولا عديم الجدوى على إطلاقه، هو يتطلب فقط إدراكا بالواقع المحيط، ينجح الحراك في الشارع إذا كان هناك رأي عام داعم له (كما في الحالة اللبنانية)، أو إذا كان يملك أدوات ضغط على الحكومة حتى ولو لم يكن يحظى بالدعم الشعبي (كما في حالة أمناء الشرطة).
بخلاف الحالتين يصبح نزول الشارع واستخدام أدوات الربيع العربي انتحارا مجانيا.