كتاب عربي 21

في دائرة الثأر

1300x600
1-

بفخر شديد كان يتحدث صديقي عن تجربته بالأمس.

كان يسير في أحد شوارع القاهرة المزدحمة وفجأة اصطدمت به سيارة من الخلف، نزل وتحدث مع قائد السيارة الأخرى وطلب منه إصلاح ما أتلفه لكنه رفض، لم يُكثر الجدال، فتح باب السيارة الخلفي، أخرج عصا غليظة وتوجه ناحية السيارة التي صدمته، كسر المرآة اليمنى ثم اليسرى وبعدها نزل بالعصا على الزجاج الأمامي، فتح باب سيارته الخلفي من جديد، أعاد العصا إلى مكانها ثم واصل طريقه.

سألته: ولماذا لم تحرر محضرا ضده؟ هو من صدمك من الخلف والقانون معك.

ابتسم من سذاجة السؤال، لكنه أجاب رغم ذلك، قال: "لو حررت محضرا ضده سيتم وضعه سريعا إلى جانب آلاف المحاضر الأخرى المماثلة، وسأخسر الوقت الذي سأقضيه في الطريق إلى القسم وداخله، صحيح أن ما فعلته لن يعيد حقي، وصحيح أنني سأذهب في الغد لإصلاح سيارتي على نفقتي، لكنني مرتاح لأن من أخطأ نال عقابه".

الحكاية هي نموذج مصغر لما يحدث في مصر في الثلاث سنوات الأخيرة، فقد الناس إيمانهم بالقانون، فأصبح الثأر خيارا وحيدا.

2-

"الشرطة تثأر لرئيس مباحث شبرا بتصفية كوريا"..

كانت كلمة الثأر حاضرة في عناوين جميع المواقع التي نشرت أخبار مصرع محمد وحيد موسى، الشهير بـ"كوريا"، والمتهم بقتل المقدم مصطفى لطفي، رئيس مباحث شبرا الخيمة، مثلما كانت كلمة "تصفية" هي المستخدمة في تفاصيل الخبر.

تقول البيانات الرسمية إن الشرطة قتلت المتهم بعد مبادرته بإطلاق النار عليها، ربما يكون ذلك صحيحًا، لكن ما أعرفه من مصادر موثوقة أن الأوامر قد صدرت للضباط الذين يتولون عملية البحث عن "كوريا" بتصفيته بمجرد العثور عليه.

يعرف قيادات الداخلية أن التهم الموجهة إليه في حالة ثبوتها تكفي لإعدامه أكثر من مرة، لكنهم أيضا يعرفون أنه قد يحصل على حكم مخفف بثغرة بسيطة في الإجراءات أو خلل في التحريات، وفي أحسن الأحوال سيحصل على حكم بالإعدام بعد عدة شهور ويتم تنفيذه بعد عدة سنوات.

حدث ذلك بالطريقة نفسها مع محمد سعيد سالم، المتهم بقتل خالد علام أمين الشرطة بجهاز الأمن الوطني في مدينة شبين الكوم، طاردته قوات الشرطة وهو يستقل دراجة نارية، وبعدما حاصرته ونزل من على الدراجة محاولا الهرب قتلته الشرطة بـ7 رصاصات، وأيضا تم استخدام لفظ تصفية في كل التغطيات الصحفية بكل بساطة.

حتى عندما يحاول ضباط بالداخلية نفي تهمة "النية المسبقة" في قتل هذا العدد الضخم في مجرزة فض اعتصام رابعة العدوية، فإنهم يؤكدون أن ما حدث كان عفويا، شاهد الضباط زملاؤهم يموتون في بداية عملية الفض ففتحوا النار عشوائيا للانتقام لهم.

وإذا أضفنا إلى ذلك كله حوادث مثل تصفية عدد من قيادات الإخوان في شقة أكتوبر، وقتل الطالب إسلام عطيتو، وغيرها، فسندرك أننا أمام توجه لدى الشرطة بعدم الاحتكام للقانون وتصفية خصوماتها مع الجنائيين والسياسيين بالسلاح، مدعومة بعدم المحاسبة على هذا النوع من القتل والتعامل معه من قبل جهات التحقيق ومن قبل المجتمع نفسه على أنه دفاع عن النفس حتى وإن كان المقتول في عرف القانون مجرد متهم، والحجة جاهزة ومُجرَّبة: "أطلق النار علينا فقتلناه". 

3-

وإذا كانت هذه هي قناعات الشرطة بكل ما تملكه من نفوذ وتأثير في مسار التحقيقات، فمن الطبيعي أن تكون هذه أيضا قناعات خصومها على الجهة المقابلة.

"إن الحكام والقضاة والضباط والجنود والمفتين والإعلاميين والسياسيين، وكل من يَثبُتُ يقينًا اشتراكُهم، ولو بالتحريض، في انتهاك الأعراض وسفك الدماء البريئة وإزهاق الأرواح بغير حق، حكمهم في الشرع أنهم قتَلةٌ، تسري عليهم أحكام القاتل، ويجب القصاص منهم بضوابطه الشرعية".

ما سبق فقرة مما يسمى بـ"نداء الكنانة"، وهو البيان الذي صدر في مايو من العام الماضي وبدا وكأنه يمنح غطاء شرعيا للتصفية والقتل تحت لافتة "القصاص"، حيث حمل البيان توقيع العشرات ممن وصفوا أنفسهم بـ"علماء الأمة"، وهم أساتذة جامعات في كليات شرعية بمصر ودول عربية وإسلامية وأعضاء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي تسيطر عليه الجماعة.

طالت يد الانتقام وإهدار الدم في البيان من اشتركوا في سفك الدماء أو حتى حرضوا عليه، واختتموا الفقرة بجملة صغيرة بدت اعتراضية وهامشية وهي "بضوابطه الشرعية"، رغم أن أول بند في هذه الضوابط الشرعية أن القصاص يتم بواسطة الدولة لا الأفراد.

على صفحات الإخوان وحلفائهم نقاشات دائما محسومة مسبقا لصالح من ينحازون لملاحقة وتصفية أي فرد أمن، شرطة أو جيش، ضابط أو فرد، متهم في قضية تصفية أو تعذيب أم لا، ارتداء البدلة الميري فقط دليل إدانة، والتبرير جاهز بعبارة معلبة اسمها "لولاه ما ظلموا".

دائرة القتل لا تتوقف إلا إذا رضي المتخاصمون الاحتكام للقانون، لكن طالما يسكت المجتمع على قتل الإخوان على الهوية سواء كان المقتول مدانا فعلا أو لا، سيُنتج الطرف الآخر أيضا تبريرات لقتل الضباط على الهوية أيضا سواء كانوا ظالمين أو لا.

الإخوان وحلفاؤهم مدانون فعلا في وقائع عنف كثيرة، لكن لهم أيضا أبرياء كثيرون في السجون بتهم ملفقة، متهمون فعلا بارتكاب وقائع اغتيالات وتصفية، لكن أيضا هناك جرائم اغتيال وتصفية وقعت في صفوفهم وأفلت مرتكبوها من العقاب، فقدوا ثقتهم في عودة أي حق لهم بالقانون لذلك أصبح الثأر منهجا حتى لدى من كانوا من جناح الحمائم حتى الأمس.

4-

"لن تنطفئ ناري إلا إذا تم قتل مقابل كل شهيد جيش 10 آلاف من الإخوان" (أحمد الزند، وزير العدل المصري، 27 يناير 2016). 

في ارتضاء الشرطة والإخوان والناس بالثأر بديلا عن القضاء كارثة، في ارتضاء القضاء نفسه بالثأر بديلا عن القانون كارثة أكبر.

في حيثيات حكمها بإلغاء حكم الإعدام الذي أصدره ناجي شحاتة بحق 149 متهما في قضية اقتحام قسم شرطة كرداسة، قالت محكمة النقض: "ولم يبين حكم الجنايات الأفعال المادية التي ارتكبها كل طاعن في خصوص جرائم القتل العمد والشروع فيه، وعول على الدليلين القولي والفني رغم تعارضهما، ولم يدلل تدليلا كافيا وسائغا على توافر سبق الاصرار فى حق الطاعنين، فالحكم عاقب الطاعنين بعقوبة جرائم القتل العمد والشروع فيه مع توافر الظرف المشدد وأعمل أثره فى حقهم مسئولية وعقابا، دون أن يورد ما يكفي في توافره في جانبهم".

ما حدث باختصار: أطلق شخص ما داخل اعتصام رابعة العدوية النار تجاه القوات فقتل ضابطا، ففتح الضباط النار بشكل عشوائي على كل المعتصمين فقتلوا قرابة الألف ثأرا لزميلهم وربما لا يكون في هؤلاء الألف من أطلق النار على الضابط أصلا، بعد المجزرة بساعات هاجم الإخوان وأنصارهم قسم شرطة كرداسة وقتلوا نحو 17 من ضباط وأفراد القسم ثأرا لمن ماتوا في رابعة رغم أن القسم يبعت 29 كيلو مترا من مكان الاعتصام والأكيد أن من ماتوا في القسم لم يشاركوا في الفض، قدمت الشرطة للمحكمة 149 متهما فحكم القاضي عليهم جميعا بالإعدام ثأرا للضباط دون أن يتأكد إن كانوا كلهم متهمين فعلا أم لا!

5-

ستبقى دائرة الثأر مفتوحة ما دامت الثقة في القانون مفقودة، وستبقى الثقة في العدالة مفقودة ما دام القائمون على تنفيذها أظلم من ظالميهم، وإذا كان أهل القانون يعتمدون الثأر منهجا لأنهم لا يؤمنون بقدرة القانون على جلب حقوقهم، فكيف سألوم صديقي لأنه استل عصاته ولم يحرر محضرا في القسم ضد من صدم سيارته؟