قضايا وآراء

ماذا قدمت العدل والإحسان للمغاربة؟

1300x600
لا شك أن مطالبة الفعاليات السياسية والجمعوية والتنظيمية بشكل عام بالكشف عن حصيلة نشاطاتها ومدى إسهامها في تغيير واقع مجتمعاتها أمر ضروري وملح، إذ به تتبين قيمة وفعالية كل طرف ومدى قدرته على الإجابة عن أسئلة المجتمع الذي ينتمي إليه، وبها يثبت الجدوى من وجوده.

السؤال إذن مشروع حتى لو كان في سياق المناكفات والتراشق الإعلامي بين الخصوم، ما دام  سيخلق دينامية وحركية وحافزا من أجل تنافس إيجابي لخدمة المجتمع.

من هنا، فالعدل والإحسان الجماعة الإسلامية المغربية ذات الثلاثين سنة أو يزيد، والتي تعد أكبر تنظيم في المغرب لا تستثنى من هذه القاعدة، وهي مطالبة مثلها مثل باقي التنظيمات بالعمل الحثيث على تقديم قيمة مضافة للمغاربة حتى لو لم تمسك بدواليب السلطة أو تنخرط في اللعبة السياسية الرسمية.

مع كل ما سبق تظل هناك ضوابط يجب احترامها حتى يكون نقاش أداء العدل والإحسان موضوعيا وذا معنى، إلا أنه وللأسف في حالة الجماعة كثيرا ما تقع تجاوزات تحيد به عن الجادة.
  
واقع معقد

حين نتحدث عن العملية التغييرية في واقع بلدنا أو أمتنا الحالي، وفي هذه الظرفية المحلية والإقليمية والدولية المعقدة، فإننا لا نتحدث عن نزهة أو عملية بسيطة، بل نتحدث عن مهمة شاقة ومجهود مضني تنوء بحمله الجبال، ذلك أن تغيير الواقع أي واقع لا يتم بوصفات استهلاكية سريعة، ولا يتحقق بالتركيز على مدخل أحادي هو المدخل السياسي وتحديدا ذلك المقتصر على الانخراط والمشاركة في مؤسسات الدولة رغم ما يكتسيه من أهمية قصوى.

 فالتغيير عملية مركبة وينبغي الاشتغال على مختلف واجهاته لا سيما الجماهيرية، وحتى في أعتى الديمقراطيات فقد تم ابتلاع عدد من المشاريع التغييرية الطموحة من قبل القوة الناعمة المتحكمة في المشهد الغربي أو تم تهميشها في أحسن الأحوال على الرغم من مناخ الحرية والديمقراطية السائد هناك، وهذا بسبب عدم استيعابها لعناصر قوة أصحاب النفوذ أو عجزها عن منافستهم في مجالات قوتهم.

ثم إن أكثر ما تستطيع أن تحققه المشاركة هو القيام ببعض التحسينات في حياة المواطنين وتوجه بعض القرارات أو تعارضها لكن من داخل النسق فقط، أما إحداث أية قفزة ثورية ففي حكم المستحيل في تلك البيئة المسيجة، وذلك الملعب المرسومة حدوده مسبقا، لأن الانتقال من نسق لآخر مختلف عليه أو متعارض معه لن يحققه إلا الشارع أو أن يشهد المجتمع تحولات اقتصادية أو اجتماعية قوية. 

ولئن كان الأمر متقبلا في الديمقراطيات الغربية على علاته لأن هاجس التغيير لا يؤرقهم بالدرجة التي نتعاطى معها نحن، فهم قطعوا مع المرحلة التي نرزح فيها منذ أمد بعيد بعد أن كلفهم تجاوزها ما كلفهم من تضحيات جسام وحققوا بعدها تنمية ورفاهية وتقدما لمجتمعاتهم، الشيء الذي لا يتناسب مع ظرفنا الحالي والانهيار الحاصل على كافة الأصعدة، وهذا ما يتطلب منا أدوات أكثر نجاعة في التعامل مع أنظمتنا الجبرية.

هذا على فرض أن حرية التغيير متاحة، فكيف إذا كان الواقع كله استبداد وإفساد ونظام راكم تجارب هائلة في لجم خصومه وبرع في سد المنافذ أمام القوى المعارضة ومنعها من إحداث أي خرق في جبهته، مما يجعل المشاركة في مؤسساته عبث في عبث وضرب من جنون.

ليس القصد هنا إشاعة الإحباط أو التلميح باستحالة التغيير، لكن من الواجب التنبيه على أن استسهال الإصلاح وتقديمه بشكل بسيط مبتذل هو تعبير عن قصور في الفهم وضعف في الرؤيا ومن يصر على مقاربة هذا الموضوع من هذه الزاوية لا يمكن أن يكون إلا مخادعا لئيما يسوق الأوهام ويحور اهتمامات الناس في اتجاهات خطإ للحفاظ على بنية النظام وتجنيبه دائرة الاستهداف الجماهيري، أو ساذجا تهوي به مغامراته إلى أن يكون ألعوبة يوجهها النظام المخزني أينما شاء.

لا وجود لسوبير تنظيم

أمام هذا الواقع لا يستقيم عقلا وضع تنظيم كالعدل والإحسان في قفص الاتهام ومحاولة إحراجه بسؤال "ماذا أنجز وماذا قدم للمغاربة؟"، وكأن غيره قد حقق شيئا أو كأنه المسؤول عن مآسي المغاربة، كما أن تركيز بعض أدوات المخزن على هذا الأمر يدعو للغرابة فعلا، لكن المعايير مقلوبة فقد أصبح من يحكم هو أول من يعارض والمعارض هو المتهم والجاني حتى لو كان محاصرا ومخنوقا. 

الأمر ذاته تطرحه بعض الأطراف المعارضة التي تبدأ في تقطير الشمع على منافس قوي وتنسى أنها عمرت لعقود في البيئة المغربية حتى شاخت ولم تكن تنقصها الجماهيرية ولا الرصيد النضالي ولا حتى السند الخارجي، ولم تحصد في تجربتها مع النظام المغربي إلا الإخفاق والفشل.

 أما بالنسبة لقطاعات أخرى من المغاربة فقد سرت ثقافة سلبية بينهم كان السبب فيها الضخ الحزبي والإعلامي الكبير الذي مورس عليهم لسنوات وسنوات والذي كان يروج أفكارا مغلوطة بهدف سرقة أصواتهم الانتخابية، فأقصى ما كان يطلب من المواطن المغربي الإدلاء بصوته وبعدها ينتظر حلولا سحرية لجميع همومه، ورغم بطلان هذا التصور بالتجربة إلا أنه حمل معه هذا المعنى ووضعه في مواضع لا تتناسب مطلقا مع طبيعة المواقف التي تواجهه وتتطلب منه المشاركة الفعلية، فإن تفاعل مع أي حراك كبيرا كان أو صغيرا فهو يكتفي بالتكرم بإعطاء تفويض شفوي في أحسن الأحوال، وينسحب ليترك القلة المناضلة تتخبط في مواجهة الآلة القمعية وتعقيدات الملف الذي تناضل عليه من أجل تحقيق مطالب تهم الجميع، ثم يعود هو ليحاسبها بعد ذلك حسابا عسيرا عن تعثرات أو فشل هو المتسبب الرئيسي فيه بسلبيته وركونه..

كل هذا لا يعفي الجماعة طبعا من المسؤولية في التغيير، غير أن استقالة الجميع نخبا وجماهيرا وحشرها لوحدها في الزاوية مسألة غير مقبولة، فما دام الخطب جسيما فالمسؤولية مشتركة ويتقاسمها الكل ولا قدرة لطرف واحد على إخراج المغرب من عنق الزجاجة. 

وكلنا يستحضر تجارب سابقة كانت فيها بعض التيارات تدخل مغامرات غير محسوبة لوحدها مع النظام، في لحظات زهو واعتداد بالنفس، فيكسرها ثم يلحقها بالحظيرة.  

ماذا لو لم توجد العدل والإحسان؟

على أن عدم تحقيق تغيير جوهري في المغرب لحد الساعة رغم العقد الثالث من عمر الجماعة لا يشكل أية نقيصة بحقها ولا يقلل من قدرها ولا يعني أن بصمة العدل والإحسان غير واضحة في  البيئة المغربية، وما الإجابة عن السؤال السابق إلا خير دليل على أن العدل والإحسان رقم صعب في المجتمع المغربي، وذات ثقل في الخارطة السياسية والمجتمعية في البلاد بدليل اهتمام الجميع بتتبع أخبارها والحرص على المبالغة في تحليل أبسط خطواتها وخرجاتها وتحميلها أكثر مما تحتمل، ولأنها تملأ فراغا كبيرا يجعلنا لا نتخيل المغرب دون العدل والإحسان التي تشكل قيمة مضافة في كل الجوانب التي تشتغل عليها التربوية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك.  

كما أن جماعة العدل والإحسان قد حققت إنجازات من نوع آخر تليق بغاياتها الكبرى وهذا بعد ينبغي استحضاره، فهي لا ترأس حكومة أو تملك حقيبة وزارية حتى يطلب منها إنجازات ذات أمد قصير أو معطيات كمية، وإن كان ذلك لا ينسيها واقع المغاربة اليومي الذي تتفاعل معه بشكل جيد.
 
الصمود والاستمرارية

رغم تفرد العدل والإحسان في مشروعها المجتمعي واختلافها مع النخب المحلية المغربية وحتى الخارجية العربية والإسلامية، إلا أنها لم تأت بجديد في تشريحها للواقع السياسي المغربي الراهن،  ذلك أن كثيرا من التيارات والأحزاب سبقوا وأن اتخذوا مثل مواقف الجماعة الحالية وبلهجة ربما أشد، لكن جلهم تقريبا قد تراجعوا عن طروحاتهم وسحبوا قناعاتهم. وهذا ما يدل على أن إجماعهم السابق، رغم اختلاف إيديولوجياتهم وتناقضها، لم يكن محض الصدفة وله ما يسنده من شواهد واضحة وفاضحة للاستبداد المخزني ولأساليبه الحربائية.  

 ربما تتذرع هذه النخب المبدلة بالنضج أو بتغير الظروف وتدشين النظام المغربي لعهد جديد مختلف عن سالفه، وقد ترمي الجماعة ومن معها من الفضلاء بالجمود والعدمية، لكن الحقيقة غير ذلك، فالنخب السياسية وقياداتها الحالية آخر من يحق له التحدث عن النضج والحكمة وهي التي بلغت قدرا من الانحطاط والرداءة غير مسبوق ودهست على كل الأعراف والثوابت السياسية، وهذا وحده يكفينا منهم مؤشرا على طبيعة النضج الذي حصل لديهم، فكيف لتلك النماذج أن تكون حاملة لأي تصور وأي مشروع فضلا عن أن تطوره وتجدد فيه؟، أما حديثهم عن تغير الظروف والشعارات الرنانة الخاصة بالعهد الجديد وأوراشه الكبرى، فلا حاجة بنا للاستفاضة فيه ما دامت الأرقام والإحصائيات الدولية وحتى الوطنية الرسمية قد أعفتنا عناء النقاش حوله، ثم إن المواطن المغربي أدرى بواقع بلده وظروف حياته اليومية التي لم تزد إلا ترديا وبؤسا. 

وحدها مبادئهم التي تغيرت مع ظروفهم المادية والاجتماعية أيضا وربما هذا هو ما جعل الأمر يلتبس عليهم، فبسبب تمركزهم حول ذواتهم وأحزابهم فقد اختصروا المغرب فيهم وظنوا أن ما طرأ عليهم من تحسن في المكانة الاجتماعية والمادية يلخص واقع المغاربة. على العموم فحين تصمد الجماعة في هذه الظرفية وتلك المغريات وتتمسك بثوابتها وتقاوم الآلة الترويضية الجبارة، فذلك واحد من أهم الإنجازات التي يحق للعدل والإحسان وأبناء مدرستها الاعتزاز بها، ففي واقع الفتنة عدم الانجرار إليها إنجاز، فكيف إذا كان يتبع ذلك الوقوف في وجه تيارها الجارف ومقاومته.

الزخم الشعبي

قوة الجماعة ليست في القبض على جمر المبادئ في زمن التساقط المريع فحسب بل حتى في نجاحها، رغم تشديد الخناق عليها وعلى نشاطاتها ومحاولة عزلها عن الحاضنة المجتمعية، في تكوين قاعدة جماهيرية كبيرة جعلتها بإجماع المراقبين تعد أكبر تنظيم سياسي ومجتمعي في البلاد.
وهذا ما يدحض خرافة الإجماع على ثوابت النظام المزعومة، إذ لو صح أمر الإجماع  لكان حظ تنظيم يحمل قناعات العدل والإحسان التهميش والتجاهل من طرف الناس، ولما كلف المخزن نفسه عناء تسويد صورته الحقوقية بحصارها والتضييق عليها. 

وهذا أيضا ما يخيف المسؤولين والنخب الموالية لهم الذين يصوبون مدفعيتهم تجاه الجماعة بمناسبة أو بدونها مخوفين المغاربة من العدمية ومن المغرضين، فلولا أنهم يرون خطابها جذابا ويلقى آذانا صاغية من فئات كبيرة من المغاربة ما ضيعوا أوقاتهم واستنزفوا أعصابهم في هذه الحرب الكلامية ضد العدل والإحسان.  

مدرسة مغربية وإشعاع خارجي

حين نطرح هذه النقطة، فنحن لا نطرحها من باب الشوفينية أو التعصب للذات إنما نحن نعيد الأمور إلى نصابها، فقد أعادت العدل والإحسان الاعتبار للعنصر المغربي، وأثبتت أنه قادر على التفكير والتخطيط والتدبير المستقل دونما حاجة لاستنساخ تجارب غربية أو مشرقية، كما وقع لمعظم التيارات العاملة في البلاد والتي تعاني من استلاب ودونية فظيعة تجعلها مجرد رجع صدى للخارج وتياراته.

لا ننكر هنا أن الجماعة قد انفتحت على تجارب إسلامية وإنسانية مختلفة واستفادت منها، غير أنها طورت وبنت أنموذجا خاصا بها لا يشبه كل الموجود في الساحة المحلية والخارجية أيضا، ولكن ببصمة محلية لا تخفي وجهها.

ما أضافه البعد المغربي في الجماعة لم يجعلها منغلقة بل زادها انفتاحا، فالتنظيم الذي يواجه  واحدا من أسوء أنواع الاستبداد في العالم، وخبره جيدا وفطن لألاعيبه ثم استعصى على الترويض، لا شك أن تجربته ستكون جديرة بالدراسة والتأمل من طرف تنظيمات تعارض أنظمة إقليمية أقل مكرا وخبثا من النظام المغربي. ثم إن الجماعة عرفت كيف تستفيد من الموروث المغربي التربوي العميق الذي هذبته وبعثت فيه الروح وحولته من مسكن للمغاربة مطبع مع الظلم والظالمين إلى محيي للقلوب والنفوس وباعث للهمم رادة إياه إلى أصله الطبيعي . الشيء الذي جعل لمدرسة العدل والإحسان إشعاعا خارجيا متزايدا تجاوز التقليد إلى خلق نموذج قابل للاقتداء، وهذا ما يمثل سابقة بالنسبة للنخب المغربية.

حماية المشروع التغييري

بقدر تطلع الجماعة للتغيير والانعتاق من ربقة الاستبداد بقدر حرصها على أن يكون هذا التغيير آمنا وألا تنتقل بالشعب من استبداد لآخر أو من تبعية لأخرى أو لحالة من الفوضى تؤدي إلى سرقة آمال الناس وأحلامهم وإحباطهم وجعلهم يكفرون بأي مشروع تغييري مستقبلا. هذا ما جعلها تضع لنفسها محددات اصطلحت عليها باللاءات الثلاث (لا للسرية، لا للعنف، لا للارتباط بالخارج) اتخذتها شعارا مركزيا بها تضبط مواقفها وطريقة اشتغالها.

المحاذير التي وضعتها العدل والإحسان يراها البعض مثالية ولا يتصور تغييرا دونها، لكن الظرفية الراهنة وما تحمله من أحداث إقليمية تثبت صحة تقدير الجماعة، فكل التنظيمات التي انتهجت العمل السري قد اكتشفت واخترقت أو انحرفت وسهل الافتراء عليها ورميها بما ليس فيها. 

أما ممارسة العنف الداخلي فنتائجه غير مضمونة وقلما ينجح، وفي منطقتنا لا توجد له تجربة واحدة ناجحة وهو مدمر لها وللمشروع التغييري حتى لو اقتصر على مواجهة الظالمين، إذ سرعان ما يتمدد ويصعب ضبطه، فتقع التجاوزات ثم تكبر هذه التجاوزات شيئا فشيئا حتى تشوه الطرف الممارس لها، والأهم أنك تلعب في ملعب الأنظمة التي تنتظر بفارغ الصبر أن يتورط خصمها في العنف حتى تألب الداخل والخارج عليه وتخرج أسوء ما في جعبتها من وسائل قمعية وإرهابية. ثم إن عسكرة الحراك تتطلب قدرات كبيرة لا تستطيع توفيرها دون إمدادات خارجية، فما تلبث أن تصبح أسيرا لمن يمدك بالسلاح والمال، وبمجرد ارتباط الحركة التغييرية بالخارج خصوصا في الشق المالي هذا يعني فقدان الإرادة والاستقلالية في القرارات والمواقف والتحول من مناضل إلى تابع تنفذ إملاءات الطرف الممول.

لذلك فقد حرصت الجماعة منذ زمن على الحفاظ على سلميتها واستقلاليتها ووضوح خطابها وتجنيب بلدها شرورا قد تمزقه وتهلكه، وذلك حتى تقود سفينة التغيير المنشود إلى بر الأمان، وهذا ما يجعلها صمام أمان للمغرب وليس للنظام. فهي تشكل التهديد الحقيقي للمخزن لأنها معارضة ذات نفس طويل لا تكل ولا تمل ولأنها لا تترك له مجالا للعبث بها وتحوير مسارها في اتجاهات أخرى.

حصانة للمجتمع أم تنويم له

رغم ما سبق لا زلنا نسمع بين الفينة والأخرى من يتهم العدل والإحسان بتنويم الشعب المغربي وكبح جذوة شبابه والتطلع لعقد صفقات مريبة مع النظام أو من يتهمها بالجبن والانتظارية حتى تسقط الثمرة الفاسدة لوحدها، وهو ما يفسر في رأيهم حالة السكون التي يعيشها الشارع المغربي،  وحتى حين جاء الحراك العشريني شاركت فيه الجماعة ثم سرعان ما انسحبت منه دون أن تتحقق المطالب التي خرجت من أجلها 20 فبراير. والحقيقة عكس ذلك فقد أثبتت العدل والإحسان استعدادها للانخراط في أية مبادرة جادة و لكن ما كان يواجهها هو حالة الجمود الذي تطبع عليه المجتمع المغربي، وحالة الانقسام والتشرذم الذي يضعف النخب المغربية.

 ولما جاءت 20 فبراير أظهرت الجماعة صدقها وشاركت في الحراك منذ البداية ولم تركب عليه أو تستغله وعملت ما بوسعها لإنجاحه، وقد كانت هي عموده الفقري من بداياته إلى خطوة انسحابها منه ولولاها ما كان ليكون شيء في المغرب أصلا، ثم إنها دفعت من رصيدها جماهيريا ولوجيستيكيا وتقدم شبابها الصفوف وتصدروا ضريبة التضحيات، لكن المشكل الذي قابلته هو أن التغيير في المغرب لا يمكن أن يحدثه تنظيم واحد، كما ذكرنا آنفا، مهما كان زخم ذلك التنظيم شعبيا. 

لذلك فقد كان الاستمرار بنفس وسائل 20 فبراير عبثيا، لأن النظام المخزني قد اعتاد على أشكال الاحتجاج الفبرايرية الروتينية ولم تعد تشكل لديه أي تهديد، وأية خطوة تصعيدية في هذا الباب في غياب تمثيليات مهمة لكافة شرائح المجتمع المغربي كانت ستؤدي إلى تغيير أعرج ومخلوق مشوه ستضطر الجماعة معه لا محالة لخرق قاعدة "اللاءات الثلاث" وإدخال البلد إلى المجهول، وهو ما أدركته وسعت إلى تجنبه.

العدل والإحسان إذن بمشاركتها في الحراك المغربي قبل أربع سنوات أكدت أنها ليست جماعة انتظارية وأنها لا تكتفي بالعمل المجتمعي الهادئ، على أهميته البالغة، وأنها مستعدة لاغتنام أية فرصة جادة للتغيير والإصلاح في هذا البلد حتى لو استدعى ذلك المرابطة في الشارع. 

حين توجه الجماعة المؤسسات الرسمية

ثمة مفارقة يشهدها المشهد السياسي المغربي وهي أن العدل والإحسان وعلى الرغم من مقاطعتها للمؤسسات الرسمية إلا أنها تبقى الأكثر تأثيرا في هذه المؤسسات مقارنة بباقي الفعاليات السياسية المغربية. وهنا نتذكر كيف استقبل دبلوماسي صهيوني في مؤتمر "الجمعية البرلمانية المتوسطية" في العاصمة سنة 2012  وأدخل للبرلمان رغم معارضة الحكومة وفرق برلمانية أخرى، فيما تكفلت المسيرة المليونية التي نظمتها الجماعة نصرة للقضية الفلسطينية والمتزامنة مع مشاركته في أشغال المؤتمر بهروبه من البرلمان ومغادرته المبكرة من المغرب. نفس الأمر تكرر في 2000 عقب "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية" التي أدت إلى سحبها مسيرة الدار البيضاء المليونية ما استدعى الأمر محاولة تصويبه ومعالجته في سياق غير سياق الإملاءات الخارجية.

 هذه عينات تظهر دور العدل والإحسان في التأثير على الأطراف الرسمية في البلاد، ينضاف إليها انخراط أبنائها ومشاركتهم الإيجابية في عدد من الحركات الاحتجاجية الفئوية، ما يجعلها تغير من خارج النسق دون أن تتملق أحدا أو تكبل نفسها بأي سقف ودون أن تتنازل عن ثوابتها.

كما أن العدل والإحسان وبشكل غير مباشر تتسبب في إحداث عدد من التغييرات، وذلك راجع إلى أن المخزن في مواجهته للجماعة ينهج سياسة تحاول سحب البساط منها وتجريدها من عوامل قوتها حسب ما يتصور، أو بعبارة أخرى سرقة مبادراتها بعد منعها من مزاولتها ثم نسبتها إليه ظنا منه أنه بذلك يضعف الجماعة ويقوي ذاته، فكلما فتحت بابا إلا ونافسها فيه من المخيمات إلى العمل الخيري إلى غير ذلك، بل حتى المسيرات والفعاليات التضامنية مع قضايا الأمة سرعان ما يستدعي ملحقاته كيلا يتركها تستفرد بالشارع، وقد بلغ به الحد في بعض الحالات إلى محاولة اختراق فعاليات الجماعة ب"العياشة" والسعي إلى تمييعها.   

قد يحقق بعض النجاحات في هذا الموضوع، غير أن الشعب المغربي يستفيد بدوره من بعض الامتيازات، التي وإن كانت غير بريئة والتفافية على أمور جوهرية، لكنها تبقى خير من الفتات الذي يتشدق به المنخرطون في المؤسسات والذي يكون ثمنه باهظا لقاء تنازلات كبيرة وخصم من حقوق ومكتسبات أصيلة.

وبالمقابل أيضا يتحول النظام المخزني دون أن يشعر من الفاعل والمالك بزمام المبادرة إلى رد الفعل وانتظار خطوات الجماعة ومحاولة محاكاتها وهو الذي طالما افتخر أنه الآمر الناهي والمتحكم في الواقع المغربي وألا أحد يملي عليه شيئا من المغاربة نخبا كانوا أم جماهيرا.

 ويبقى الحراك العشريني أكبر شاهد على ما قلناه سابقا، حيث أرغم النظام المخزني على الانحناء أمامه، والحراك وإن لم يحقق مطالبه الجوهرية، لكنه بميزان آخر حسن وضعية عدد من الفئات واستفاد الآلاف من الشباب العاطل من حقه في الشغل، ومس أيضا عددا من الإجراءات التي كانت في صالح المواطن البسيط، بل حتى الدستور الذي رفضته كل مكونات الحراك يعد ثورة بمقاييس الأحزاب الرسمية.

كل هذه التغييرات لو حققها حزب من تلك الأحزاب لصدع الدنيا بها، فيما حققتها الجماعة وباقي مكونات 20 فبراير دون صداع أو مزايدة ودون رضا بهذا السقف المتدني.

كلمة أخيرة

 أخيرا فجماعة العدل والإحسان تثبت يوما بعد آخر أنها تملك طريقا ثالثا يزداد جاذبية مع الوقت ويظهر صوابية مواقفها المبدئية التي كان الكثيرون يستخفون بها، واليوم يرون رأي العين كيف أن ممانعة الجماعة حفظتها من مستقبل قاتم ومن وصفات سريعة للانتحار السياسي التي تناولها الكثير من المغامرين والتي بها أجهزوا على ما تبقى لديهم من مصداقية.