قضايا وآراء

التوظيف اللا أخلاقي لمأساة اللاجئين السوريين

1300x600
كلما طال أمد المأساة السورية كلما زاد منسوب التسييس وتصفية الحسابات بين جل التيارات المتصارعة في المنطقة، فيبدو أن الأهوال التي يتعرض لها الشعب السوري والتي يذوب القلب لها كمدا وحسرة لم تؤثر في كثير من القوى ولم تدفعها لأن تنسى ولو لمرة واحدة المناكفات فيما بينها وتقارب الموضوع من زاوية إنسانية بحتة. 

هذا بالضبط ما تكرر مؤخرا مع قضية اللاجئين السوريين الهاربين من موت أحمر إلى موت أزرق، والتي جسدتها فاجعة الطفل إيلان في أبشع تجلياتها، فبدلا من أن يتحمل الجميع مسؤوليته تجاه الموضوع وجدها البعض فرصة في ممارسة هواياته التحقيرية والإزدرائية بحق الأمة العربية والإسلامية، وضرب عمقها الذي تمثله بالنسبة للشعب السوري، وذلك بعد الاهتمام الغربي الأخير بقضيتهم واستعداد عدد من الدول الأوروبية لاحتضان أفواج من اللاجئين في مقابل أوضاعهم الكارثية في عدد من مخيمات الشرق أو ما تفرضه بعض دول الجوار السوري من إجراءات مشددة عليهم، الشيء الذي جعل عددا من وسائل الإعلام تستغل هذا المعطى من أجل عقد مقارنات سطحية تفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية.
 
 لا ننكر أن ما يقع للاجئين السوريين ينبغي أن يشعرنا بالخجل الشديد ولا يبرؤنا من التقصير بحقهم، غير أن هذا لا يعني السماح بإصدار تعميمات وأحكام قاسية وجلد الذات المبالغ فيه، ففرق كبير بين أن تكون المجتمعات العربية والإسلامية مقصرة وأن تكون متآمرة أو عدوانية كما يزعم البعض.

مأساة اللاجئين السوريين تحتاج إذن إلى نقاش عميق وجاد من أجل تقدير حقيقي لحجمها ومقدار تحمل مسؤولية كل طرف بعيدا عن الخفة في إطلاق الاتهامات والمزايدات الفارغة التي يحترفها بعض الصحفيين والسياسيين والناشطين، والذين لم يثبت لكثير منهم أي دور في التخفيف من معاناة هؤلاء اللاجئين، بل وقد كان لبعضهم دور مخز في عذاباتهم من خلال الدفاع عن ممارسات النظام السوري لدرجة التورط في رفع صور بشار الأسد.

إن الثورة السورية منذ الوهلة الأولى لاندلاع شرارتها قد تعرضت إلى أكبر عملية سطو في التاريخ المعاصر بسبب التدخل الخارجي السافر الذي حولها من حراك سلمي جماهيري إلى عمل مليشيات ممولة ومدعومة مناهضة لنظام فاقد لأية شرعية شعبية أو أخلاقية لكنه مسنود هو الآخر من قوى خارجية، الشيء الذي أدى بالشعب السوري إلى فقدان زمام أمره لصالح أولئك المتدخلين الإقليميين والدوليين الذين صرفوا كل نزاعاتهم ومشاكلهم في سوريا، حتى ازدادت القضية تعقيدا وتحولت الأرض السورية مع مرور الوقت إلى أرض محروقة يستحيل أن يعيش فيها الإنسان البسيط الذي يبحث عن لقمة عيشه وتوفير الحد الأدنى من الأمن والأمان.

 من هنا لا يملك أحد من المتدخلين في الشأن السوري تبرئة ذاته من المسؤولية الأخلاقية لما حصل للسوريين ونشوء أزمة اللاجئين بينهم والتي تتفاقم يوما بعد يوما، لذلك فالجميع ملزم بتسديد ما عليه تجاه الشعب السوري بمن فيهم الجانب الأوروبي ولا منة لأحد عليه.

وحتى لا يتهمنا أحد بالانخراط في نظرية المؤامرة والعداء المرضي للغرب نؤكد أننا نميز بين المشاعر الشعبية العفوية المتضامنة مع اللاجئين من طرف قطاعات واسعة من الأوروبيين ونقدرها عاليا وبين المستوى الرسمي، وهنا ينبغي أن يسمح لنا من ينفعل وينصب نفسه محاميا عن الأطراف الغربية ويضع فيتو رافضا لأي نقاش بهذا الصدد، فنحن لدينا ألف سبب وسبب لكي لا نأخذ خطوات سياسيي الغرب مأخذ جد.

نعم نفرح بالتخفيف من وطأة معاناة اللاجئين ونتمنى لأي مجهود أن يكلل بالنجاح بغض النظر عمن يسعى فيه، غير أن ذلك لا يعني الحجر على متابعتنا لأية خطوة سياسية، وفهم مغزاها خصوصا إذا جاءت متأخرة.

  ببساطة لأن الدول الغربية متورطة بدورها في تعقيد القضية السورية كما ذكرنا سابقا، وأيضا لأن أي طرف ينبغي أن يحاسب على قدر ما يلزم نفسه من مبادئ وما يلوكه من شعارات، فمن يتشدق بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ويزايد بها على الآخرين في كل وقت وحين، من حقنا مساءلته حين يصدر منه عكس ما يدعي. 

لا يمكن أن تكون خطوة استقبال اللاجئين كافية ولا بريئة خصوصا أن مأساتهم قد مر عليها سنوات وكانت تلك الدول تتجاهلها مع أنها كانت تعلم بخطورة أوضاعهم في الوقت الذي كان الحمل ثقيلا على دول بعينها في المنطقة، الآن بعد صورة الطفل إيلان التي انتشرت في وسائل الإعلام بشكل واسع بدأت بعض الدول الأوروبية تلمع صورتها باستقبالها لأعداد من اللاجئين، والمفارقة أنها هي نفسها من كانت تظهر ضيقا كبيرا بقضية المهاجرين، وهي من أوصدت أبوابها للمهاجرين الأفارقة والذين لا تختلف أوضاعهم كثيرا عن السوريين وصدرت مشكلتها معهم لبلدان تابعة لها  كما حدث للمغرب على سبيل المثال. 

لا نتحامل على الدول الأوروبية فقط نعطي للمسألة حجمها الطبيعي بعيدا عن أي تهويل وندرك أن أوضاع السوريين في أوروبا ستكون قطعا أفضل من غيرها، كما أننا لا نبرئ الساحة العربية والإسلامية بهذا الحديث، لكننا ننبه إلى أن مقارنة الأنظمة الغربية بالعربية في تعاطيها مع هذه القضية أمر غير منصف وقياس المزاج العربي والإسلامي بسلوك الأنظمة العربية هو قياس فاسد، فمنذ متى كان حكام المنطقة يمثلون شعوبهم وهم من يقمعونها ويذيقونها العلقم، وكيف يتوقع البعض أنهم سيحنون على شعب آخر، والأكثر من ذلك أن تلك الأنظمة كانت تتعمد إطالة أمد تلك المأساة من أجل إيصال رسالة داخلية لمن يفكر في الخروج عليها مستقبلا. 

معاناة السوريين في المنطقة لا تعني أن المجتمعات العربية والإسلامية كانت تناصبهم العداء أو تزهد في التعاطف معهم، لكن الموجة عالية على الجميع الشيء الذي جعل أي مجهود يبذل من طرف أفراد أو جمعيات محدود الأثر، كما أن الأوضاع الاجتماعية الهشة لفئات واسعة من تلك الشعوب كانت تحتم على اللاجئين بدورهم أن يظلوا على الهامش. 

باختصار تظل قضية اللاجئين السوريين معضلة لا شيء في الأفق يدل على انحسارها، مما يحتم على الأطراف المتنازعة تجنب الحسابات السياسية الضيقة إن كانت هناك جدية من طرفهم في التخفيف من وطأة هذا الملف والبحث عن صيغة توافقية لإيقاف هذا النزيف، وإلا فلن يكون أمام المنطقة إلا مزيد من الكوارث التي لن تقف عند الشعب السوري لتلحق بشعوب أخرى، ما دام هناك إصرار على البلوغ بهذه اللعبة القذرة إلى أبعد مدى.