قضايا وآراء

يروضوننا ..يسحقون عظامنا.. بين "أردوغان" و "بنكيران"!!

1300x600
يُرَوِّضُونَنَا ..يَسْحَقون عِظامنا، بين "أروغان" و "بنكيران"!!
كل ما يمكن أن يُقال، بحقّ التّجربتين السياسيّتين في كل من: تركيا والمغرب، في سياق تقديمهما كنموذج مبدع لنجاح الإسلاميين في هاتين الدولتين، مبنيٍّ على مُرونة، ووعي، وبُعد نظر تحلّى بها إسلاميِّيْنهم، منطلقين من  احتياجهم الوطني، مُقابل تعنُّت، وانغلاق، وقصرِ نظر، وضبابيَّة اتّسمَ بها إسلاميُّو الأردن!! 
إن كلَّ ما يمكن أن يقال في هذا الزّعم: أنه تخريصُ جاهلٍ، أو تحليقُ حالِمٍ، بل ضربٌ مِن التَّدليس الفكري، أو التضليلِ المنهجي، للعقول الواعية، والنُّخبة المؤثرة، والإرادة الشعبية، والرأي العام السائد في الساحة الأردنية!
إنّه لَمِن العبث أنْ نَبنيَ هذه المقايسة، على غير ركائزها الموضوعية، التي كانت السبب الجوهري في نجاح هاتين التجربتين، مع إغفال هذه الركائز بالكامل، في التّجربة الأردنية، عن قصدٍ مَشبوه، وغير أمين!!
• التّجربة التّركية: قامت على جُملة مهمة محورية من الركائز، من أهمها:
1- أن الرغبة الغربيَّة كانت جادّة في إحداثِ تَحوُّل جذري للحالة(القومية) التُّركية، لسلخها بالكلية عن مرجعيتها التاريخية والثقافية، وإنهاء علاقتها بشكل دائم، مع موروثها الديني، وارتباطها الإسلامي والعربي، فأيّدت فيها مَن يحارب الدّين، ويعملُ على عزله سياسيا، ويُغرّب الثقافة، ويلغي الحرف العربي، ويُعزّزُ الروح القومية، ويتبنّى العلمانية الكاملة، في كلّ تفاصيل الحكم والسياسة!
2- لاقى هذا التَّوجه دعما غربيا عاليا، وقبولا واحتضانا شعبيا، من أغلبية الأتراك، والمكونات الفكرية والسياسية للمجتمع، بعد حالة الفشل التي مُنت بها تركيا في نهايات الدولة العثمانية، فقامت تبحث -برغبة وبتوجيه خفيّ من القوى المعادية- عن كل فرصة للتخلص من التّركة الثقيلة، التي اكتنفت حُكم الخلافية، في مرحلة هرمها وانحسارها، ثم انكسارها في الحرب العالمية الأولى.
3- كانت الصهيونية حاضرة في هذا المشهد بقوة، تُعزّز هذه الرغبة وتُغذِّيها، وتلاقت رغبتُها هذه، مع الرغبة الغربية، والرغبة الشعبية المحبطة، وتمّ رفعُ منسوب الإغراء بهذا الاتجاه، من خلال التلويح بحلم انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، والذي بدأت فكرته مبكرا، منذ نهاية الخمسينيات، وتمّ الاتفاق على بنوده من قبل المجلس الأوروبي في "ماسترخت" الهولندية في 7 فبراير1992 في مطلع التسعينات!!
4- مِن هنا، كان لا بدّ من تقديم المزيد من التشجيع والاحتضان؛ لتعزيز هذا التوجّه، وذلك برفع منسوب الصّدقيّة في التجربة الديمقراطية التركية، لتكونَ النموذج الحيَّ المقنع، لجدوى إجراء مثل هذا التحول، وبتالي تحقيق هذا السلخ الجوهري والدائم، لهذا المكون الإسلامي الشِّرقي بالغ الأهمية، عن عُمقه وامتداده الطبيعي!! 
5- مِن هذه الثغرة استطاع الإسلاميون النفوذ، بعد عدة مُحاولات، كان آخرها بعد حلّ "حزب الفضيلة" بزعامة "أربكان" وتشكيل مجموعة من نوابه وشبابه حِزباً جديدا، هو  حزب "العدالة والتنمية"، والذي قدّم نفسَه على أنه حزبٌ علمانيٌّ -وما زال- لكنه بعد أنْ قويت شوكتُه، لم يُخفِ مَرجعيّته الإسلامية، فأعلن " أغلو" عام 2008م: أنهم يحملون الميراث العثماني، ويمثلون العثمانيون الجدد"، وجاء هذا التقدم بعد أن نجح الحزب واقعيا بشخص "أردوغان" في تجربة الخدمة العامة، وقدَّم النموذجَ للإنجاز الملتزم، مما ساهم في صعوبة عزله، أو إيجاد المبررات الدستورية، والشعبويّة لحصاره، أو إبعاده مجددا! 
• أمّا التجربة المغربية: فقد كانت هي الأخرى محكومة بجملة من الركائز، تتناسب مع بيئتها وطبيعة الحكم فيها، ومن أهمها دعاماتها:
1- أنها تجربة في ظلال حكم ملكي مُتجذر ممتد منذ قرون، قبل وجود الاستعمار، وأثناءه،عابرا إلى مرحلة الاستقلال عام 1956م، ويشكل الملك فيه الركيزة الأساس في الحكم، وهو رئيس سلطاته الثلاث، ويُدير الحكم بالتشاور مع رؤوسها المعينين من قبله شخصيا، وله الحقُّ في إقالتها عند الحاجة، بالتشاور اللازم مع مكوناتها، بما يضمن الشرعية الدستورية، والمشروعية الشعبية، لإنفاذ القرار المتَّخَذ، بشكل آمن!!
2- كما أن مكونات الدولة المغربية -بحكم بعدها عن الكيان الصهيوني-  ظلَّت مُنشغلة بهاجس تحقيق مفهوم الاستقلال الوطني، في مواجهة فكرة التّغريب، وتكافح لتقرير الهوية،وصيانة اللغة، والانتماء الحضاري، بخلاف القوى الفكرية في الشرق، التي فرض عليها وجود المشروع الصهيوني إيقاعه، بنشوب الصراع المستمر بين القوى القومية، والإسلامية، والنظم الوارثة للاستعمار، والمتفاهمة معه بشكل: ظاهر أو خفيّ!!
3- النظام المغربي يعيش حالة من الحياد، أو الأقرب إلى الحياد، في قضية وجود الكيان الصهيوني، وتربطه به علاقات وثيقة، منذ البدايات، لوجود الجالية اليهودية المؤثرة، والعلاقات الدولية الراعية، والرضا الصهيوني، ممّا أمّن للنظام حالة من الاستقرار النسبيِّ، قياسا بمحيطه، هذا عدا عن عمق العلاقات الاقتصادية، والتبادل التجاري، والتنسيق الأمني القائم بينهما.
4- أضف لهذا، أنّ النظام كان حريصا دائما على التهدئة، والاستيعاب للقوى المعارضة، وحريصا على مشاركتها السياسية، خاصة منذ تفجُّر الأوضاع السياسية العنيفة في تونس والجزائر مع الإسلاميين، وولوجِها أرضَ المغرب، ممثلة بحركة "الشبيبة الإسلامية" التي دفعت ثمنا باهضا نتيجة محاولاتها الانقلابية، مما حَمَلَ جماعة "العدل والإحسان، وحركة الإصلاح والتجديد" إلى مراجعات مُهمّة؛ لتفادي الصدام، وإيجاد صيغة حكم تُحقّق الحدَّ الأدنى من الرّضا الشعبي.
5- وهذا بالضّبط ما حصل في 2011م، حيث أجرى الملك تعديلات دستورية جوهرية، وانتخابات حرة حقيقية،أهّلت الإسلاميين، بزعامة "بنكيران"  لتشكيل أول حكومة يقودها إسلاميون، منذ استقلال المغرب في 1956م، بعد أن غسل الشعب يده من الأحزاب الأخرى، المتّهمة بالفساد، وبعد الدستور الذي تم صياغته -بمبادرة حقيقية- للعبور بالمغرب من موجة الربيع، التي وقفت على عتبتِهِ، وهدّدتها بالكسر!! 
هذا إذا علمنا أن بنكيران يؤكد دائما: أن حزبه "لا يحكم المغرب، إنما يقودُ حكومة ائتلافية في إطار الدولة المغربية، التي يرأسها الملك محمد السادس، باعتباره رئيسه المباشر، وأنه - بهذا القرار أو بذاك- إنما ينفذُّ توجيهات الملك، ويُصادق عليها مجلس الوزراء، الذي يرأسه الملك شخصيا". علما أن الحزب ما زال يمرِّر سياسات كانت موجودة، وكان يهاجمُها في برنامجه السياسي، ويطالبُ بنقيضها!! وهنا لا ندري عن أيّ إنجاز جوهري يتحدثون؟! غير القبول بإصلاحٍ جزئي، وتسكينٍ للحالة،  ذلك أن هذا هو البرنامجُ المتاح، والحاكمُ لذهينِّة المكوّنات السياسية في البيت المغربي عموما، بحكم البعد عن الاحتكاك بالبرنامج الصهيوني، أو التَّأثير على وجوده، كما أسلفنا !!
• أمَّا بالنسبة للتجربة الأردنية: فلا شيء ممّا قامت عليه سابقاتها، مُتحقق أو موجود فيها، وذلك لاعتبارات موضوعية كذلك، منها:
1- أن النظام الملكي في المنطقة هنا طارئ، جاءت به ظروف سياسية عميقة، وهو مُتشكِّل على أساس احتواء موقف العرب الغاضب، والتكفير عن المؤامرة التي أطاحت بالحكم الملكي في الحجاز، والخديعة التي غرَّرت به، بعد انتهاء الحرب الأولى، حيث مُنيت الثورة العربية الكبرى بخيبة أمل واسعة، إذ تضاءل الحلم الكبير، وانحصر؛ ليقبعَ في هذه الرُّقعة المعروفة بـ "بادية بلاد الشام"، بعدَ إنهاء الوجود العثماني، وسيطرة الانتداب، ونشوء الكيان الصهيوني، والاعتراف به دوليا! 
2- ولأن الأردن هو الدولة الأقرب لهذا الكيان من بين دول الطوق، بحكم التداخل الجغرافي والديموغرافي السكاني، والسياسي والأمني بين ضفتي النهر، والذي تزامن فيهما نشوء الدولتين على جانبيه -معا- وبشكل فعليّ، وإن كان تأخَّرَ الإعلان فيه رسميا عن الثانية(إسرائيل)، حتى حرب 1948م. 
3- لذا ظل الأردن محكوما بهذه العلاقة، حيث ثبَّتَتِ الوحدة بين الضَّفتين هذا التَّداخل، ورتّبتْ على النظام المسؤولية المباشرة عن سكان الضفة والمقدسات الإسلامية، حتى قِمّة الرباط، عام 1974م، حيث أنهت إشكالية التمثيل الفلسطيني، وصار أمرا واقعا عام 1988م، بقرار فكِّ الارتباط بين الضفتين، الذي رفضه الإخوان -حينها وما يزالون- مثلما رفضوا من قبل، فكَّ الوحدة بين النظامين القوميين المُنَافِسَينِ في مصر وسوريا! 
4- إن هذا القُرب، والتداخل، والامتزاج، قد حَتَّم على أيِّ نظام سياسي قائم في المنطقة(مَلَكِيًّا كان، أو جمهوريا) أنْ يراعيَ ثابتا أساسيا دوليا هو: أنَّ أمن هذا الكيان، وبقائه، واستمراره، خط أحمر، وهذا يتطلب إنهاء حالة الصراع معه، بتطبيع العلاقات، وحَمل الشعوب على القبول بالأمر الواقع، على قاعدة الأمن مقابل السلام، وليس الأرض- مقابل السلام، وهذا يُحتِّم على النظامين الأردني والفلسطيني، أنْ لا يقوم فيهما أيُّ مقوّمٍ من مُقومات النظام المدني العصري، تحكمُه الشورى والديمقراطية، وتَتحكّم بإدارته خيارات الشعب القادمة عبر الصناديق، ضمن انتخابات حرية ونزيهة، تُفضي إلى عملية ديمقراطية حقيقية، يمتلك فيها الشعب سلطته، وقراراته، ومقدراته، وسيادته!!
5- من هنا لم يشهد الأردن تعافيا سياسيا، طوال مشواره التشريعي الشوري أبدا، منذ انطلاقته ابتداء بعهد المجلس التشريعي بين: 1928-1947م، ثم عهد مجلس الأمة بين: 1947-1974م، وفترة الانقطاع بين: 1974-1982م، ثم المجالس النيابية من عام 1989م، حتى اللحظة الراهنة، وظلت المسيرة في حقيقتها، مجرد محاولات لاستيعاب الضغوط الداخلية والخارجية، أفضت إلى تفريغ هذه الواجهات من حقيقتها، وجعلت منها مُجرد أدوات للسلطة، لا تُعبر عن حقيقة الوجدان الشعبي، وتَصوِّرِه عن نفسه، وطبيعة الصراع الدائر بينه، وبين الكيان الصهيوني!!
 من هنا نجد أن ستة مجالس نيابية حُلَّـت، وتمّ التضحية بها، لانعدام التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهي: المجالس الـ(2و3و4و6و7و8 )، بينما تمّ حلُّ المجالس الـ( 11و 12و13و17)، قبل أشهر من إكمال مددها الدستورية، تمهيداً لإجراء انتخابات نيابية جديدة!
هذا عدا عن الإرادة السياسية المستقرة بدول الطوق عموما -وعلى رأسها الأردن-  هي: عدم السماح بوجود أحزاب من أي مرجعية كانت، لتكون ناضجة، أو تكتمل فيها التجربة الحزبية، أو تستطيع الوصول إلى الحكم بحرية، بناء على برامجها الفكرية، وظلت مُحَارَبَةً، يَسكُنَ أفرادَها شبحُ الرّعب، والملاحقة، والقمع، والحرمان، والتشوّه، منذ أن حُلّت  1957م، ويراد لها الآن -بعد أن أُعيد السماح بها- أن تبقي في ذات  الإطار والملعب، الذي يفرضه النظام الحاكم، بسقف القيد المفروض عليه، والمتعلق بوجود الكيان الصهيوني، كحقيقة ثابتة في المنطقة!
في مثل هذه الأجواء لا يمكن أبدا أن يولد "أردوغان" و "لا بنكيران" والممكن الوحيد أن يظلَّ "هولاكو، وجنكيز خان" هما العنوان الأوحد، لشكّل النظام الذي يُناط به تقريرُ هذا الواقع -بقناع أو بغير قناع-  في كلِّ دول الطوق مجتمعة: الأردن ومصر وسوريا ولبنان، وصولا للعراق!!
وبالتالي، فإن هذه الهَجمة  على الحركة الإسلامية من بعض مكوناتها، سواء كانت- بقناعة وصدق أو بسوء نيّة- مدعومة بأجهزة السلطة وأقلامها، تأتني في سياق الضغط، والترويع، والترويض لحالة اليقظة، واليقين الذي وصلت إليه الغالبية الساحقة، من كوادر الحركة، بل وقوى المجتمع الوطنية الحيّة: أنه لا جدوى من تجريب المُجرَّب، ولا معنى من الاستمرار في مسلسل الاستغفال، الذي يمارسه النظام باسم الديمقراطية، والتمثل الشعبي، والحكومة البرلمانية، ويندرج في هذه القناعة كذلك، جمهرةٌ من وشخصياته الوطنية والعشائرية المستقلة الحرّة الشريفة، يأتي هذا في سياق تنسيق خفي، لسحق عظام هذا المكون الأبرز، الخارج عن حدود إطار المسموح به في هذا الإقليم!! 
الحقيقة التي ينبغي أن يُدركها الجميع، أن المنطقة موضوعة بين خيارات: الفوضى، أو السيطرة بالإنابة، أو السيطرة المباشرة، من قِبل أعداء الأمة، لمنع تحقُّقِ مشروعها الحضاري، وواجبنا جميعا أن نبحث عن المخارج الأقل كلفة، لأن معادلة الحكم، بصيغتها الحالية، لا يمكن أنْ تَبقى، أو أنْ تستمرّ، أو أنْ تَبقَي وُجوهُها القديمة، بعد إعادة تلميعها من جديد، بعد الانقلابة النوعية، التي أحدثتها موجة الربيع! 
المخرج الوحيد أن تتلاقى الإرادات الشعبية، بكل مكوناتها، مع إرادات النظم، في كل قطر، على أساس المشروع الوطني الممتد، بعمقِه الحضاري والإقليمي، ضمن حِلف واسع يفرض حضوره بشكل حقيقي، يعيدُ التوازن في المنطقة، مُنطلقا من روح الشرق، التي أشار إليها الإعلامي البارز "وضاح خنفر" في منتدى الجزيرة هذا الشهر، وهي لفتة مستندة في -جوهرها- لرؤية الشاعر الهندي الإسلامي الكبير ، محمد إقبال في هذا الشأن، ويشملُ الحلف تركيا ومصر والسعودية وباكستان وإيران، ودول الطوق، حيث روح الشرق، وفلسفته القائمة على منهج الفتح، لا على منهج الذبح والانتحار!! وبدلا من القبوع في دائرة تآكل الذات، وإلغاء الوجود الذاتي بالمجان، لصالح المشروع الغربي النقيض في المنطقة!!