مقالات مختارة

إسرائيل.. وهْم الأمن المطلق

1300x600
تمثل عقيدة «الأمن الإسرائيلي المطلق» أحد أهم المحاور التي تشغل الفكر الصهيوني، والتي يتم بموجبها تبرير أعمال الإرهاب والترويع والقتل والاعتداء والاحتلال ضد الفلسطينيين، من خلال ممارسات الاستعمار/«الاستيطان»، و«الأبارتايد»، و«الترانسفير»، والتهويد.

ومفهوم «الأمن الإسرائيلي المطلق» هذا، ليس مفهوماً جامداً، بل متحرك يواكب المتغيرات السياسية الداخلية للكيان الصهيوني بالتوازي مع المتغيرات الإقليمية والدولية، لذا، فهو يتغير ويتبدل باستمرار، لكنه لا يخرج من دائرة إطار المقارفات السابقة. وعلى الرغم من كون «السلام» يشكل (في أعراف دول العالم) عنصراً رئيساً في تحقيق الأمن، بالإضافة إلى دوره المحوري في تقليل أي تهديد عسكري، إلا أنه ومنذ بدء عملية «التسوية» (لو كان الإسرائيليون جادين فيها) كان متوقعاً أن يستتبعها تراجع أولوية قضية الأمن المطلق (بل والعادي) لدى الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة. وهنا، لا نختلف على أن جيش «الدفاع» الإسرائيلي هو الجيش الأقوى مقارنة مع الجيوش العربية، فضلاً عن أنه الجيش الوحيد في المنطقة الذي يملك سلاحاً نووياً، وهو الجيش المحمي بمظلة التفوق النوعي والتكنولوجي التي توفرها دول الغرب الأوروبي/ الأميركي بغير حدود.

مؤخراً، تحدث كثير من القادة السياسيين، والكتاب الإسرائيليين عن عدم جدوى «الأمن المطلق» بمفهومه الصهيوني القائم على أركان الاستراتيجية القديمة/ الجديدة، خاصة في ظل الحروب، التي تشهدها المنطقة العربية، وبالذات بعد فشل الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، حيث تحدثت الصحافة الإسرائيلية عن طرح جنرالات متقاعدين وآخرين ما زالوا في الخدمة شكوكاً تتعلق بنجاعة «الردع». فمع قدرة حزب الله (وفق توقعات الخبراء الإسرائيليين أنفسهم) على إطلاق 1000 صاروخ في اليوم على إسرائيل، وكذا فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة (وإن بأعداد صواريخ أقل) فمن المستحيل تحقيق «الأمن الإسرائيلي المطلق»، خاصة مع تأكيد مصادر عسكرية إسرائيلية قبل أيام إطلاق «حماس» صاروخاً تجريبياً طويل المدى تجاه سواحل جنوب قطاع غزة.

كذلك، يتزايد الحديث عن مخاطر «القنبلة القذرة»/«القنبلة الإشعاعية الرخيصة»، والتي هي بدائية التكوين وغير مكلفة مالياً، وعبارة عن عبوة ناسفة تقليدية مشحونة بالمواد المشعة تستهدف إثارة الفزع وإلحاق أضرار وخسائر اقتصادية واسعة قد تصل إلى آلاف المليارات من الدولارات من دون إحداث خسائر بشرية كبرى. ومما يعظم المخاطر هذه في العيون الإسرائيلية: «تزايد الجماعات الإرهابية التي تملك الإمكانيات لصنعها»، كما أكدت تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي.

في مقال بعنوان «ميزة ميزان الردع»، كتب (أوري بار يوسيف) في «هآرتس» يقول: «التطورات التكنولوجية جعلت السلاح الصاروخي الهجومي زهيداً وسهلاً على الإنتاج والتسلح والاستخدام. وحتى الآن، رغم الكثير من الجهود والاستثمارات الكبرى، لم يتوفر جواب دفاعي ناجح على استخدام مثل هذا السلاح بكميات كبيرة.. ومع كل الاحترام لـ"العصا السحرية"، فإنه بقدر ما هو معروف ليس للجيش الإسرائيلي جواب مقنع على مثل هذا التهديد». ويضيف: «إن معنى قدرة منظمتي "حماس" و"حزب الله" على توجيه ضربات قاسية لإسرائيل هو أن مفهوم الأمن التقليدي، الذي يعتمد على اليد الطويلة للجيش الإسرائيلي واليد القصيرة للعدو لم يعد ساري المفعول. فمع أن يدنا أطول وأقوى، ولكن يدهم أيضاً قويت وليس لدينا القدرة على منعهم من استخدامها وتوجيه ضربات أليمة لنا. بكلمات أخرى، فإن التفوق الإسرائيلي المطلق اختفى. ما يحل محله هو ميزان رعب يمكن فيه، سواء لإسرائيل أم لخصومها، أن تؤلم الواحدة الأخرى، ولكن لا يمكنهما أن يمنعا الألم من أن يقع لهما».

في خطابه (للشعب) الإسرائيلي، في 21 مارس 2013 بمركز «المؤتمرات الدولية بالقدس»، قال الرئيس الأميركي (باراك أوباما): «السلام هو السبيل الأوحد للأمن الحقيقي، وفي ضوء التركيبة السكانية غربي نهر الأردن، فإن الوسيلة الوحيدة أمام إسرائيل لكي تدوم وتزدهر كدولة يهودية وديمقراطية هي قيام فلسطين مستقلة وقابلة للبقاء. هذه هي الحقيقة». وأضاف: «وفي ضوء المسيرة التكنولوجية، فإن السبيل الوحيد لحماية (الشعب) الإسرائيلي حماية حقيقية على المدى البعيد هو من خلال غياب الحرب. لأنه ما من جدار مرتفع بما فيه الكفاية، وما من قبة حديدية قوية وكاملة بما فيه الكفاية، قادرة على إيقاف كل عدو عن إلحاق الضرر حين يكون عازماً ومصمماً على القيام بذلك». وختم: «لذلك فإن السلام أمر ضروري.. ولكن يجب أيضاً الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في العدالة». ومنذ هذا الخطاب، ترددت أصداء هذا التحليل/ التحذير الصادر عن رئيس الولايات المتحدة في مقالات قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية.

إن عقيدة «الأمن الإسرائيلي المطلق»، القائمة على استمرار الاحتلال باعتبار إسرائيل القوة المسيطرة المتحكمة في المنطقة، وفي ظل عالم عربي مضطرب من حولها، قد عفا عليها الزمن ولا سبيل لتحقيقها، وهي قد باتت محض وهم وخيال.



(نقلا عن صحيفة الاتحاد الإماراتية)