أفكَار

تونس والمغرب.. قراءة في تجربتين قاومتا النكوص الديمقراطي

هل تراجعت فكرة الديمقراطية في الوطن العربي؟ تونس والمغرب نموذجا..

ربما يكون العقد الأخير من الألفية الماضية والعقد الأول من الألفية الجديدة، أنضج لحظات الطلب على الديمقراطية في العالم العربي، ليس لأن الأمر تزامن مع إطلاق الإدارة الأمريكية مبادرة ترقية الديمقراطية في الوطن العربي، أو أن مواجهة التحديات الإرهابية تطلب التفكير بجدية في خيارات للإصلاح السياسي، ولكن، لأن الأمر أولا وأخيرا ارتبط بنضج الحقل السياسي في الوطن العربي في هذه المرحلة، وبمحورية الحركات الإسلامية المعتدلة في مختلف البيئات السياسية العربية.
 
ما يؤكد ذلك، أن مبادرة الولايات المتحدة الأمريكية لترقية الديمقراطية كانت مشوبة بجملة محاذير، طالما نبهت مستودعات التفكير الأمريكية إليها ولضرورة البحث عن خيارات لمواجهتها، من ذلك أن الحلفاء الطبيعيين الذين كانت تراهن الولايات المتحدة الأمريكية أن يكونوا الرابحين الأكبر من العمليات الديمقراطية في الوطن العربي، كانوا في وضعية هشاشة وهامشية غير مؤثرة، فالقوى العلمانية لم تكن تحظى بوضع مؤثر في البيئات السياسية العربية، في حين شكلت الحركات الإسلامية المعتدلة المعارضة الأكبر للنظم السياسية العربية، وكانت تتمتع بحضور سياسي قوي وبآلة تنظيمية متماسكة وبشبكة نفوذ متوغلة في الأوساط الاجتماعية المتوسطة والفقيرة.

هذه الوضعية، هي التي دفعت بعض مستودعات التفكير الأمريكية والأوروبية للمجادلة بقوة حول محورية الحركات الإسلامية المعتدلة في العملية الديمقراطية، وإمكانية التعايش معها والتعاطي معها من داخل مربع الحكم.

صحيح أن لحظة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، ألقت بظلالها وطرحت معادلة جديدة، كانت هي الأخرى مثار جدل ومجادلة، تمحورت حول مداخل مواجهة الإرهاب، وما إذا كان انفتاح النسق السياسي والإدماج السياسي للإسلاميين فيه، يوفر أرضية صلبة لتقليص نفوذ الظاهرة الإرهابية، لكن في المحصلة، لم يكن الأمر يتعلق بالإسلاميين، بقدر ما كان يتعلق بتجديد موارد الشرعية للمؤسسات السياسية، بما يعيد الثقة في السياسة، ويسد المنافذ أمام الفكر الراديكالي المتطرف الذي ينتعش في أجواء انغلاق النسق.

تجربتان قاومتا تجربة النكوص الديمقراطي

بعد خريف الديمقراطية في العالم العربي، لم تنج من تجارب الانتقال إلى الديمقراطية، سوى تجربتان، اعتمدتا مبدأ الشراكة والوفاق، هي التجربة التونسية والتجربة المغربية، مع تفاوت في الدرجة، وفي تحقيق التراكم الديمقراطي.

تجربة المغرب سعت إلى الحفاظ على الشكل، أي استمرار تجربة الإسلاميين الأولى والثانية، إلى نهايتها، مع تدخل في المضمون الديمقراطي، وتوجيه لبوصلته، لا سيما مع اقتراع السابع من تشرين أول (أكتوبر) 2016، وما أعقبه من ديناميات سياسية أنهت مرحلة بن كيران، وأتاحت الفرصة لحكومة العثماني بشروط سياسية أقل بكثير تأمينا للمسار الديمقراطي من الشروط التي تشكلت فيها حكومة بن كيران. 

 

ثمة قلق من المجتمع السياسي، ومن أشكال تجاوبه مع تطلعاتها البعيدة في الالتحاق بركب الدول الصاعدة، إذ لا تزال الدولة تنظر إلى النخب السياسية كما لو كانت نخبا تقليدية ممسكة بلازمة الديمقراطية، دون أن تدرك أن الفرص التاريخية المتاحة صارت تفرض نموذجا مختلفا.

 



أما تجربة تونس، فلم تستطع الديناميات السياسية المتوترة في بعض اللحظات أن تلغي المسار ولا أن تحرفه عن اتجاهه، لكنها، خلقت وضعية سياسية يصعب فيها على الديمقراطية أن تنتج ثمراتها، أي الإقلاع الاقتصادي والتنمية، وذلك بسبب صراع القوى المؤسساتية والدستورية.

في الحالة التونسية، عاد التوتر السياسي من جديد، وأفرز الصراع المؤسساتي (الصراع بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة التشريعية ومؤسسة رئاسة الحكومة) خيارات حدية، لا يبدو في الأفق أن هناك إمكانية للقاء بين طرفيها، فالرئاسة تتطلع للعودة لدستور 1959 (دستور بورقيبة)، فيما رئاسة الحكومة ورئاسة المؤسسة التشريعية تلقي باللائمة على مؤسسة الرئاسة وترى أن المشكلة ليست أبدا في الدستور، وإنما في إرادة الرئاسة عرقلة كل شيء.

أما في المغرب، فقد أظهرت القوانين الانتخابية المعتمدة برلمانيا، أن قضية الديمقراطية أضحت هامشية، فالسياسة التي تصنعها المدن وصراع النخب السياسية على برامج حزبية، صارت مركز الثقل في صناعتها في البوادي، التي تخضع لسلطة الأعيان، وصارت الأحزاب في مدن ـ لا سيما منها الأحزاب الكبرى ـ متساوية الحظوظ لا يؤثر مسار التنافس على مقاعدها، ولم يعد بإمكان أي حزب، أن يفوز بأكثر من مقعد واحد في المدن، بسبب تغير القاسم الانتخابي.

في المحصلة، لم تعد الديمقراطية في الحالتين، ذات جاذبية، ففي تونس، يلقى باللوم اليوم على الديمقراطية، وعلى عمودها الفقري (الأحزاب)، كونها لم تستطع أن تنتج الأثر المطلوب منها، أي الإقلاع الاقتصادي والخروج من الأزمة وتحقيق التنمية. أما في المغرب فقد انطلق نقاش آخر، يخص النموذج التنموي الجديد، وخيارات توفير شروط أفضل لإقلاع اقتصادي سريع واستثمار الفرص التي أتاحتها جائحة كورونا، للتموقع الجيد في الاقتصاد العالمي، والالتحاق بالدول الصاعدة.

النموذج الرئاسي الملهم!

ثمة فكرة بخصوص وجهة (vocation) الدول تحتاج اليوم إلى التأمل والنقد، ثمة توجه مطرد في العالم العربي، بل حتى لدى بعض الدول الإفريقية، والتوجه بوتيرة سريعة في التنمية واستثمار الفرص الاقتصادية المتاحة لتحقيق ذلك، والإفادة من النموذج التركي في الإقلاع والتمدد.

في الزاوية المتعلقة بالدولة سواء في المغرب أو غيره من الدول التي تتطلع إلى الصعود، ثمة قلق من المجتمع السياسي، ومن أشكال تجاوبه مع تطلعاتها البعيدة في الالتحاق بركب الدول الصاعدة، إذ لا تزال الدولة تنظر إلى النخب السياسية كما لو كانت نخبا تقليدية ممسكة بلازمة الديمقراطية، دون أن تدرك أن الفرص التاريخية المتاحة صارت تفرض نموذجا مختلفا. 

النخب السياسية لا تمانع أن تتحول دولها إلى دول إقليمية، بل تتطلع إلى ذلك، وتتطلع أيضا إلى أن تقتنص دولها الفرص التي أتاحتها جائحة كورونا، ولا تختلف في شيء عن رؤية الدولة بشأن امتلاك جواب جماعي، يصهر جهود الطيف السياسي ومبادراتهم، لكنها ـ لا سيما القوى الحية منها ـ لا ترى بديلا عن الديمقراطية، وتقدر أنها هي الشرط المركب (catalyseur) للرؤية النهضوية ولأي إقلاع ولأي لحاق بركب الدول الصاعدة.

بعض النماذج الصاعدة جعلت من شروط نجاحها تبني النظام الرئاسي، وذلك حتى تضمن الصرامة والتعبئة والجاهزية والنجاعة. 

تعتمد هذه النماذج الصاعدة (النموذج التركي مثلا) على حزب سياسي قوي، يحظى بقاعدة شعبية واسعة، تجعل من رؤية الرئيس/الحزب، برنامجا ديمقراطيا شعبيا، يتنزل وفق التراتيب الديمقراطية.

في الحالة المغربية على سبيل المثال، تتم رؤية الملك، من خلال توجيهاته للحكومة ورسم أولويات برنامجها. 

الذين ينتقدون الملكية التنفيذية، ينطلقون من فكرة أن الملك يتدخل في الكل والجزء، وأن ذلك يضعف المؤسسات، وينافي التوجه نحو الديمقراطية، والذين، يدافعون عن دور مركزي للملكية، يذهبون حد اعتبار الأحزاب مجرد أدوات لتنفيذ "برنامج الملك".

الرؤية الدستورية، تقع بين هؤلاء وهؤلاء، أي تحدد ما لله، وما لقيصر، لكن، البناء الدستوري العام، يجعل الملك رئيس الدولة، بالمعنى الذي يفيد أن رئيس الحكومة ملزم باتباع توجيهات الملك، ليس فقط في القضايا الحصرية، المرتبطة بالأمن والدفاع والدين، والسياسة الخارجية بتأويل من التأويلات، ولكن في كل السياسات العمومية.

ولذلك، تدور السياسة في الحالة المغربية على "الثقة الملكية"، أكثر مما تدور على العلاقات المؤسسية، ولعل هذا ما يجعل الحقل السياسي، الذي يعتبر الشرط المحرك للرؤية النهضوية، مشلولا، وغير قادر على أداء وظيفته.

 

الرؤية التي باتت تتشكل مفرداتها في نخب الحكم في المغرب وتونس وفي بعض التجارب الأخرى، أنه لم تعد هناك حاجة إلى البيروقراطية الديمقراطية، بقدر ما ثمة حاجة لنخب تنفيذ، يحترم في تنفيذها الشكليات الديمقراطية، أكثر من الجوهر الديمقراطي

 



في الحالة التونسية، يتكرر الإشكال نفسه، فالرئيس يريد وضع الرأي العام في صورة أن مشكلة تونس في نخبها السياسية، وأن التجربة الديمقراطية في تونس معطوبة، ليس بسبب الديمقراطية نفسها، ولكن بسبب النخب التي تتصارع من أجل اقتسام ثروات تونس، ولذلك، هو يخوض اليوم حربا دونكشوتية مع كل المؤسسات، عنوانها دستوري، حتى يحظى بالصلاحيات التي يتحرر بها من ضغط العملية الديمقراطية وبيروقراطيتها، ويتصرف كآمر وموجه للنموذج التونسي.

ما يعكس هذه الصورة المفارقة، أن المغرب مثلا يدير اليوم الصراع مع إسبانيا ألمانيا، ويناور بذكاء بأوراق كبيرة، ويقوم بدور محوري في ليبيا، وربما يسعى إلى إقامة وساطة بين إثيوبيا ومصر والسودان، ويشتغل من أجل أن يحول صحراءه إلى منصة استراتيجية لعبور الاستثمارات الدولية الكبرى إلى إفريقيا، هذا في الوقت الذي يعاني فيه الحقل السياسي من ضعف شديد، ولا تزال فيه الأحزاب، تمارس التنافس السياسي بالأدوات التقليدية القديمة، التي أنتجت زمن ما قبل الديمقراطية، وما قبل سؤال التنمية والبناء المؤسساتي والدستوري.

الرؤية التي باتت تتشكل مفرداتها في نخب الحكم في المغرب وتونس وفي بعض التجارب الأخرى، أنه لم تعد هناك حاجة إلى البيروقراطية الديمقراطية، بقدر ما ثمة حاجة لنخب تنفيذ، يحترم في تنفيذها الشكليات الديمقراطية، أكثر من الجوهر الديمقراطي، وأنه لهذا السبب، من الضروري إزاحة النخب التي تلح على المضمون الديمقراطي، وتشتط في قيادة الإصلاح، ومن الضروري البحث عن نموذج رئاسي ملهم، ليس بالمعنى الدستوري، الذي يعني التحول إلى نظام دستوري رئاسي، ولكن بالمعنى الموضوعي، أي أن يكون الرئيس أو الملك هو صاحب الرؤية والآمر الفعلي، وأن الآخرين يضطلعون فقط بدور التنفيذ.

هذه المعضلة، لا يمكن فكها بالشطط في الطلب على الديمقراطية، ولا بشكلانية النخب، ولا حتى بإصلاح الدستور، وتحديد المسؤوليات، فهذه الأجوبة، تم تجريبها، وعند كل محطة، يعود الصراع المؤسساتي إلى الواجهة.

الجواب هو المزج بين جوابين: تدعيم الجوهر الديمقراطي بالاشتغال على تقوية الحقل الحزبي، ثم تنشيط التواصل المباشر بين المؤسسة الآمرة وبين المجتمع السياسي، فهذه الآلية، مهمة في التعرف على الطريقة التي تفكر بها نخب الحكم في الدولة، والتحديات التي نواجهها، والشكل الذي يمكن به تصريف الرؤى باحترام للجوهر الديمقراطي.

للأسف، هناك قلة تقدير للآثار السلبية للمعضلة الحالية، فالنخب التي لا تفهم إلى أين تتجه دولتها، ولا تفهم الطريقة التي تدافع بها عن مصالحها، ولا تفهم كيف تفكر الدولة في الداخل السياسي، ولا تفهم كيف تعرف مصالحها الحيوية، ولا تفهم الاستحقاقات التي تترتب عن تحالفاتها المستقبلية، ووضعها في السياق الدولي والإقليمي. مثل هذه النخب، لا تستطيع أن تنتج جوابا يعبئ الرأي العام لإسناد الدولة، ولا تستطيع أن ترتب تكتيكاتها السياسية وفق استحقاقات الدولة، والأخطر من ذلك كله، أن سلبيتها وانتظاريتها، يجعل بعض شرائح الرأي العام، خصوما لرؤية الدولة ورهاناتها الاستراتيجية.