قضايا وآراء

مصر و"القصر".. و"شيخ الجامع" و"العمارة"

1300x600
ذكرتني فيديوهات محمد علي، وقصور السيسي، بقصة "شيخ الجامع" و"العمارة" التي كنت شاهدا عليها منذ أن كنت في الصف الأول الابتدائي، أيام زيارة الرئيس محمد أنور السادات لإسرائيل. وقد كنت أحبه لأن اسمه محمد، واعتقدت صغيرا أنه سيأتي يوم وأكون الرئيس مثله طالما اسمي محمد.

البداية عندما كان جدي رحمه الله يصطحبني من قريتنا بالشرقية إلى عالم القاهرة لزيارة عمي المقيم في عين شمس، وكنا نركب أتوبيس "شرق الدلتا"، حيث لم تكن توجد غيره وسيلة إلى القاهرة. وبينما كان يدفع جدي عشرة قروش أو خمسة عشر قرشا، لا أتذكر تماما، كنت أنا "على البيعة" أو "ببلاش"، حيث يضعني فوق قدميه، أتابع برمه لسيجارته بشغف.

وبمجرد أن يتحرك عمي سعيد؛ السائق الذي كان يأتي قريتنا بالجرائد التي أحببت منها "الجمهورية"، لما فيها من عناوين كبيرة وصور للممثلين والرئيس السادات، يُخرج جدي علبة دخانه الفضية التي طالها الصدأ مع الزمن ويضعها فوق فخذه، ويمسك بدفتر البفرة الصغير الأبيض الذي يشبه كراسة الرسم التي اشتراها لي بعدما طلبها المعلم مني وضربني على يدي بالزخمة.

ما زلت أتذكر متعة النظر إلى جدي وهو يلوك الدخان بيده وينتقي بعضه ليضعه فوق ورقة البفرة ويبرمها بفن وخبرة وإتقان وذلك قبل أن يضعها فوق لسانه المبلل ليلصقها كما يلصق غراء شجر السنط الذي كنا نجمعه لنلصق به كتب المدرسة البالية.

وكانت اللقطة الأخيرة لجدي وهو يصنع سيجارته غاية في الإبهار، حيث كان يقضم قطعة من ورق البفرة الزائدة بفمه ويبصقها بعيدا، وكأنه محمود الخطيب يضع هدفا في شباك نادي الزمالك، ثم يُخرج علبة الكبريت التي اشتراها بتعريفة من دكان خالي محمود الزاملي، ليخرج منها عود ثقاب بيد واحدة ويشعله وباحتراف متناه، ثم يقربه نحو نهاية سيجارته المنتفخ قبل أن يضع بدايتها داخل فلتر أبيض يقربه نحو فمه؛ يمتص منه نفسا عميقا ثم يطير دخانه في الهواء، بينما أنا أشاهد وأستنشق غليونه الذي يضطرب له قفصي الصدري، فيطبطب جدي على صدري ويطبع قبلة على خدي، وهنا أفتعل السعال مجددا ليزيد من رقته وحنانه علي.

لم يكن يغمض لعيني جفن أو ترمش لها أهداب طوال الطريق الذي كان يلفت انتباهي فيه رجل يقف أمام مسجد صغير على ترعة الإسماعيلة قبيل سجن أبو زعبل، ومصنع "الأسمدة والكيماويات"، وعلى الجانب الآخر من الترعة وخلف المسجد مصنع "الذرة" ومصنع "الحديد والصلب"، المغلقين منذ أن رأتهما عيناي، بينما يقص كل مرة جدي قصة عمله وأبي في تلك المصانع أيام جمال عبد الناصر، عندما انتقلا للعيش في مدينة أبو زعبل الشهيرة بسجنها الواسع هذه الأيام.

كطفل صغير أثار ذلك الرجل لدي علامات التعجب حيث يلبس جلابية اسكندرانية بياقة بيضاء بينما كانت تنتشر الجلابية الفلاحي، ويضع على رأسه طاقية بيضاء بينما عهدت جميع من حولي يلبسون الصوف، ويرتدي جزمة بينما يلبس الجميع بلغة فلاحي، وينحت لحية رفيعة بعناية لكنها سوداء تشابه لحية جدي البيضاء، والتي طالما زادت من أناقته المعروفة، وكان يهذبها أينما حل وراح لتجتمع حوله البنات والنساء، رغم أنه يجمع بين زوجتين الأولى بيضاء كالقشطة هي جدتي، والثانية سمراء بلون الليل، ومات وهو في عمر الخامسة والسبعين تاركا الزوجة الثالثة.

يقف الرجل وخلفه مسجد صغير، وأمام المسجد مجموعة من الجِرار الفخارية، حيث لم نكن حينها نعرف الثلاجة ولا زجاجات المياه المعدنية ولا حافظات المياه المثلجة، وكانت القلة والإبريق والزير والزلعة المصنوعة من الفخار هي ما    نقتني.

وكان فوق كل زير موضوع أمام المسجد غطاء خشبي مهندس بعناية، وفوق كل غطاء كوب من الألومنيوم، ويعلو صوت الرجل ملائكي وكأنه يأتي من السماء مخاطبا ركاب الأتوبيس الذين يبدو على أكثرهم الفقر وضيق الحال: "تبرع للمسجد.. تبرع يا مؤمن".

أعجبنتي كلماته وأثرت في نفسي وحفظتها، وكنت أرددها بصوت الرجل الأنيق، بل وكان يسعدني كثيرا مع تكرار الرحلات وجدي الشرب من يده حتى لو لم أكن عطشانا، ولو شربة واحدة، ولكن كان يحزنني كثيرا أن كل مرة أشرب فيها يدفع له جدي حبيبي الذي لم يكن ليرفض لي طلبا أو يؤجل لي رغبة أو يحرمني من شيء، بل كان يشرب هو أيضا بعدما أشرب ويرتوي مستمتعا.

وبينما يمد جدي إحدى يديه للساقي يعطيه الكوب، يُخرج بالأخرى محفظته الكبيرة المعلقة في جبته وتحت قفطانه بسلسلة فضية اللون، ويفتح كباسين المحفظة محدثة صوتا يحرص على إظهاره لمن حوله، فالمحفظة اشتراها من الحجاز عندما كان يؤدي فريضة الحج بعد حرب أكتوبر 1973، ثم يُخرج الجد من إحدى الجيوب تعريفة أو قرش صاغ ليضعها في يد الرجل الذي يتهلل بشرا، وتنفك أسارير وجهه ويغادره العبوس والكدر ويخرج صوته عاليا بالدعاء لجدي الذي يدفع، ولي أيضا حيث أنا من طلب الماء.

ذلك المشهد تكرر مع كل روحة وغدوة إلى القاهرة ومنها؛ حتى كبرت وصرت أسافر للعاصمة وحدي. وانتهى عهد مملكة شركة أتوبيس شرق الدلتا ليبدأ زمن جمهورية الميكروباص؛ الذي كان سائقه حريصا وبشكل ثابت على الوقوف أمام المسجد الذي ما زال يحبو ولم يصل لسن الحضانة بعد. أما أنا فقد كبرت كثيرا، وخط شنبي وانطلقت لحيتي معلنة عن قدوم زمن الشباب.

ومع مرور الزمن، وبالرغم من أنني كنت أحب كثيرا الشرب من ذلك الزير وتلك الأكواب ومن تلك اليد، وكنت أستمتع بتلك الدعوات التي يطلقها صاحب الجلباب الأبيض والطاقية البيضاء، الذي كنت أظنه أحد علماء الدين، كالشيخ محمد عثمان خطيب مسجد الجبالية أو مسجد الشربيني أو الشيخ أبو مطر أو الشيخ السيمباوي أعلام قريتي وأنا صغير، إلا أنني لم أعد أحب ذلك الرجل ولا تلك الجِرار، حتى بعدما قام بتطويرها لتصبح حنفيات ثابتة وكولمان مياه مثلجة بكل الألوان مرصوصة بعناية، بل كنت أكره ما يفعله هؤلاء الناس الذين يظنون أنهم يدفعون أموالا في سبيل الله لرجل يكبر وكبرت أنا معه، ومع ذلك لم يكبر المسجد.

وفي يوم من الأيام، وبينما أنا عائد من القاهرة ولكن هذه المرة في سيارة أخي الأكبر، قررنا صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس في ذلك المسجد. ولأن أخي يحب الخير كثيرا كنت دائما ما أراه يقف عند تلك الأزيار والأكواب المصنوعة من الألومنيوم والبلاستيك، ليدفع قبل أن يشرب ويرتوي وكأنها مياه زمزم، ويقف أمام الرجل وكأنه الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني، شيخ الطريقة "البرهانية الشاذلية" التي يتبعها أخي، وينظر للمسجد وخلفه ترعة الإسماعيلية تجري بالخير والسعادة، ليأخذ جرعة إيمانية كبيرة تكفيه حتي يعود مجددا وكأنه يقف أمام الكعبة المشرفة أو قبر الحبيب محمد!

نزل أخي فشرب حتى ارتوى، أخرج من جيبه خمسة جنيهات أعطاها لأحد مساعدي الرجل الذي أوجد حوله مساعدين يقومون بالمهمة التي لا تنتهي بقدوم الليل أو غياب النهار، فيقطعون الطريق على السيارات التي لا تقف للشرب لجمع التبرعات  قائلين: "تبرع للمسجد.. تبرع يا مؤمن".

نظر لي أخي ولسانه حاله يقول معاتبا: ألن تتبرع؟ أليس معك نقود؟ هل أتبرع بدلا عنك؟ وقلبه الذي ينبض بالحب يناجيني: ألم تسمع نداء الشيخ: "تبرع للمسجد.. تبرع يا مؤمن"، وأنت الذي أعرفه مؤمنا متدينا مصليا ومحبا لدينه، ولكن يا للخسارة تنقصك هذه الصفة.

وبينما كان أخي يناجي نفسه ويتمنى أن أحظى بذلك الثواب، كانت نفسي تحدثني متسائلة: يا أخي لِمَ تتبرع لأولئك المتاجرين بالدين؟ بينما المسجد هو هو منذ 40 عاما؛ لم توضع فيه طوبة، ولم يعل منه بناء ولم يدهن له حائط، ولم تُضأ فيه لمبة إلا ما وضعوه فوق الجِرار.

دخل أخي المسجد أولا، بعدما ارتوى، وكانت فاجعته أكبر من كل شيء، عندما نزل عدة درجات مكسورة ليجد المسجد كحجرة كبيرة خاوية على عروشها، وكمغارة صغيرة في بطن الجبل تسكنها العناكب والفئران، حيث لا فرش إلا من حصير بال يلوث ملابس المصلين، والحوائط متآكلة والسقف يكاد يخر من كل مكان.

هنا تغير وجه أخي وتمعر كعادته وقت الغضب، وكاد يرجع تلك الدرجات ليعنف الرجل ويقول له أين المسجد الذي تجمع لأجله نقودا منذ أربعة عقود، إلا أن حاجته لدخول الحمام بسبب مرض السكري جعلته يقرر تأجيل تلك المعركة، ففتح حمام المسجد ليجده أقذر مرحاض على وجه البسيطة، هنا عاد أدراجه بسرعة وأنا خلفه وكانت المعركة الحاسمة.

وهنا تدخل أحد الأشخاص مفجرا كارثة لم يكن لأحد أن يتوقعها؛ عندما قال لأخي وللواقفين: انظروا إلى تلك العمارة التي تسبق سجن أبو زعبل وتطل مباشرة على نيل ترعة الإسماعيلية.. إن تلك العمارة الشاهقة ومن حولها من أراض هي ملك لهذا الرجل، وهي جزء صغير من أملاكه التي جمعها من الملاليم والقروش والجنيهات لأجل المسجد الذي لم يتم بناؤه بعد، هنا وقف أخي قائلا له: "ماذا لو سامحتك أنا، فكيف يسامحك الله؟".

وبينما أنا أتابع المعركة وأحاول تهدئة أخي تارة والهجوم على الرجل تارة أخرى، خرج بعض المصريين يقولون لي ولأخي: دعوه يأكل عيش لا تظلموه، هو عنده أولاد!

وخلال المعركة وبينما انكشفت الحقيقة، كان صغار الرجل وأذنابه وأعوانه وبهاليله يواصلون إيقاف السيارات لأجل جمع المال لأجل المسجد، أو بالأحرى لأجل قصر الشيخ الذي أعلن في نهاية المعركة أن كرامته من كرامة المسجد، وأن من أهانه فقد أهان المسجد.