بورتريه

خبير قانوني في مواجهة رأسمالي سجين بتهمة الفساد (بورتريه)

القروي وسعيد يتنافسان في انتخابات الإعادة لرئاسة تونس- عربي21

مرشحان لتونس واحة الديمقراطية المتلألئة في العالم العربي، أحدهما خبير قانوني، والآخر سجين وخبير في المبيعات والتسويق.


أولهما اشتهر بلباقته، ولغته المنمقة، وإتقانه اللغة العربية بشكل ملفت، يلقبه البعض بـ"روبوكوب"، أي "الرجل الآلي" نظرا لنبرته التي لا تتغير خلال كلامه.


يمتلك لغة تعبير جسدي حازمة وصلبة، وتماسك فكري ومهني مثير للإعجاب كأنه صخرة لا تلين، مستقل بشكل مطلق، لا ينتمي لأي حزب أو جهة سياسية تدعمه.


قيس سعيد، المولود بتونس العاصمة عام 1958، أستاذ القانون الدستوري، اشتهر بمداخلاته الأكاديمية المميزة للفصل في الإشكاليات القانونية المتعلقة بكتابة الدستور التونسي بعد الثورة.


حاصل على شهادة الدراسات المعمقة في القانون الدولي العام من كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس عام 1985، ودبلوم الأكاديمية الدولية للقانون الدستوري تونس عام 1986، ودبلوم المعهد الدولي للقانون الإنساني "سان ريمو" إيطاليا عام 2001.


عمل مدرسا بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية بسوسة عام 1986، ومدرسا بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس عام 1999، ومدير قسم القانون العام بكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية بسوسة (1994- 1999).


وعين عضوا في فريق خبراء الأمانة العامة لجامعة الدول العربية المكلف بإعداد مشروع لتعديل ميثاق جامعة الدول العربية عام 1989.


برز اسم قيس سعيد بعد الثورة، حيث عرفه التونسيون من خلال مداخلاته الإعلامية كخبير في القانون الدستوري، وشد إليه معجبيه بفصاحة لسانه والتزامه بالحديث باللغة العربية الفصحى في المجالس الرسمية والعامة.


وأظهر الرجل انحيازا واضحا لمبادئ الثورة، معتبرا أن رحيل رأس النظام لا يعني إسقاط النظام برمته، داعيا إلى تأسيس دولة قوامها العدل والسيادة الوطنية والحكم المحلي.


أعلن تعففه عن السلطة والقصور والمآدب الفاخرة، ويطرح في أكثر من مداخلة وجهة نظره الخاصة حول الدور الاجتماعي المكفول للدولة تجاه أبنائها، مؤكدا أن عهد الأحزاب قد ولّى وانتهى، وأنه آن للشعب أن يسترجع سيادته على أرضه وثرواته.

 

اقرأ أيضا: قيادي بالنهضة: سندعم المرشح قيس سعيد بانتخابات الرئاسة

يرفض التمويل العمومي الذي تمنحه الدولة للمرشحين للقيام بحملاتهم الانتخابية، مبررا ذلك بأنها تقتطع من أموال الشعب، وأنه يعول على تجميع الأموال من المتطوعين الشباب.


يمثل الجانب الداعي إلى استعادة السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية؛ وأعاد الأمل لفئة الشباب، خاصة المهمشين والعاطلين عن العمل، وزاد في تأليبهم على السياسيين وانتهازيتهم.


بلا رصيد سياسي، ومن دون "ماكينة" إعلامية؛ حقق المفاجأة بتصدره الانتخابات الرئاسية الجولة الأولى بنسبة 18.4% من الأصوات، مطيحا بالضربة القاضية بأبرز مرشحي الأحزاب الكبرى.


وخلال الحملة الانتخابية لم يظهر في تجمعات شعبية كبيرة، ولم تعلق له لافتات كبرى تحمل صورته في الشوارع، حتى إنه لم يكن له مقر لحملته الانتخابية، واكتفى فقط بالتجول في عدد من مدن البلاد للقاء المواطنين في المقاهي والأسواق الشعبية.


اعترف بأنه لم يكن ثوريا ومعارضا للنظام السابق بالمعنى المتعارف عليه، إلا أنه أكد أنه رفض الكثير من المناصب في العهد السابق، قائلا في أحد حواراته الصحفية: "قلت لا، يوم كان البعض ممن يظهرون اليوم في وسائل الإعلام يتمنون الاقتراب من دائرة القرار".


وقال في لقاء صحافي إنه لن يقوم بتأويل نص قرآني، وهو ما استند عليه ليعارض مشروع قانون المساواة في الإرث، قائلا: "إن المسألة محسومة بالنص القرآني، وهو واضح وصريح ولا يحتاج للتأويل.. فنحن لسنا ضيعة ولا بستانا، بل دولة".


وأكد الأكاديمي، المتزوج من القانونية إشراف شبيل وكيل رئيسة المحكمة الابتدائية بتونس، أنه سيقدم تعديلات في الدستور "ليكون البناء قاعديا"، واختار بالتالي عبارة "الشعب يريد" شعارا لحملته الانتخابية، رافضا أي برنامج انتخابي يبيع "الأوهام" للتونسيين وتبني التزامات "لن يحققها".


وتداول أخيرا رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو له هاجم فيه بقوة "إسرائيل" قائلا: "نحن في حالة حرب مع العدو الصهيوني والتطبيع خيانة عظمى".


وأشار سعيد إلى أن "مفهوم التطبيع ظهر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد. لا بد من الاستعاضة عن هذا المفهوم بمفهوم آخر، وهو الخيانة العظمى للوطن، وليس جريمة التطبيع".

 

اقرأ أيضا: القروي من سجنه: ستكون معركة حامية مع التيار الإسلامي

وشدد على أن "العلاقة الطبيعية هي أننا في حالة حرب مع الكيان المغتصب الذي شرد الشعب الفلسطيني، وما زال يحتل الأرض العربية".


المرشح الثاني المتأهل للجولة الثانية، رجل تسويق بامتياز، لا يمتلك مسيرة سياسية أو أكاديمية كبيرة.


يمثل الرأسمالية المتوحشة ولوبي المال والإعلام الفاسد، وموقوف حاليا في السجن بتهمة التهرب الضريبي وتبييض الأموال.


رغم قضائه فترة الدعاية الانتخابية كلها داخل زنزانة بسجن "المرناقية" إلا أنه حصل على 15.58% في الجولة الأولى لينافس قيس سعيد في جولة الإعادة.


أثار إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية قلق دوائر الحكم، إلى حد أن البرلمان أقر تعديلا للقانون الانتخابي ينص على رفض وإلغاء ترشح كل من يتبين قيامه أو استفادته من أعمال ممنوعة للأحزاب السياسية خلال السنة التي تسبق الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.


غير أن الرئيس التونسي الراحل الباجي قائد السبسي لم يوقع على التعديل، تاركا الباب مفتوحا أمام القروي للمشاركة.


نبيل القروي، المولود في بنزرت عام 1963، تابع دراسته الجامعية بمعهد التجارة بمرسيليا وتخصص في التجارة وتقنيات البيع بالمؤسسات المتعددة الجنسيات والتحق على أثرها بالمجموعة العالمية "كنال بلوس" في خطة مدير تجاري لمدة سنتين.


تولى أعمالا إدارية في شركات "كولغيت" و"بالموليف" و"هينكل" الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قبل أن يؤسس مع شقيقه شركة "قروي آند قروي" للإعلام والإشهار عام 2002.


في عام 2007 أطلق قناة "نسمة" التي كانت متخصصة في برامج الترفيه، وتحظى بمتابعة واسعة من قبل التونسيين، وخصوصا عندما انتقلت إلى بث البرامج الإخبارية الناطقة باللهجة العامية.


وكثيرا ما واجه انتقادات واسعة واتهامات بتسخير قناته التلفزيونية لخدمة حملة الباجي قائد السبسي للرئاسة عام 2014، لكنه ما لبث أن قدم استقالته في نهاية المطاف من القناة في عام 2016 وانضم لاحقا إلى حزب "نداء تونس".


اتهم القروي بأنه من فلول نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، إلا أنه نفى تلك الاتهامات وقال إن نظام بن علي كان دائما ما يضع القيود أمام أعماله التجارية وشركاته.


كان عام 2016 عاما مفصليا في حياة القروي وغيرت حادثة وفاة ابنه خليل مسيرته بالكامل فاتجه إلى العمل الخيري، وجمع التبرعات للفقراء من الشعب التونسي، وهو ما أكسبه قاعدته الجماهيرية الحالية، وأطلق القروي على نفسه لقب "صوت الفقراء" و"صوت المهمشين" مرتكزا على عمله الخيري.

 

اقرأ أيضا: أين تقف أحزاب تونس بجولة إعادة انتخابات الرئاسة.. ومن تدعم؟

بعدها بقليل سيقدم استقالته من حزب "نداء تونس" من أجل تأسيس حزب "قلب تونس" ودخل به الانتخابات، لكن تم توقيفه قبل انطلاق الحملة الانتخابية وسجنه، وتولت زوجته التي تعمل بشركة "مايكروسوفت" مواصلة حملته.


والقروي مستهدف بتحقيق قضائي يجريه الجهاز القضائي والمالي منذ عام 2017، إثر قضية رفعتها ضده منظمة "أنا يقظ" بتهمة التحايل الضريبي. كما رفعت المنظمة ذاتها قضية أخرى بحق القروي بتهمة "التعنيف" و"القذف"، وسرعان ما شهدت القضية تصعيدا مع تسريب تسجيل يبدي فيه القروي استعداده لشن حملة تشويه لسمعة أعضاء المنظمة، ما أثار فضيحة في حينه.


وتم تجميد ممتلكات وأصول القروي ومنعه من السفر خارج البلاد ومنعت قناته من تغطية الانتخابات الرئاسية. وغاب القروي عن المناظرات التلفزيونية، رغم وجوده في القائمة النهائية للمرشحين.


وغرد القروي عبر الحساب الخاص به عبر تويتر: "حرموني هذه الليلة من حقي الدستوري للتعبير أمام الشعب التونسي. ويجرؤون على الحديث عن انتخابات شفافة وديمقراطية في غياب مبدأ أساسي وهو التساوي في الحظوظ".


من محبسه على خلفية تهم بالفساد، هاجم القروي، غريمه المستقل قيس سعيد، مؤكدا أنه يمثل "الإسلام المحافظ"، وأن المنافسة بين التيارين ستكون حامية.


وفي حوار أجرته معه مجلة "لوبوان" الفرنسية، قال إن "المعركة حاسمة بين محور إسلامي محافظ يمثله قيس سعيد والنهضة من جهة، ومحور حداثي اجتماعي ليبرالي أمثله أنا وحزب قلب تونس، وعلى كل ناخب أن يختار معسكره".


وقال إن الدور الثاني للانتخابات سيتحول إلى "مسرحية تنكرية، ما لم يتم الإفراج عنه".


لكن منافسه قيس سعيد لم يصدر عنه أي تصريح ينتقد فيه خصمه، وهو يحظى بدعم معظم الأحزاب التونسية والمرشحين الذين لم يحالفهم الحظ.


ولديه سلاح فتاك ومؤثر وهو الشباب مع الأخذ بالاعتبار أن 37% من المقترعين هم من الفئة العمرية 18- 25، و20.3% من المقترعين من الفئة العمرية 25- 45.


وبالنسبة لجيل الشباب فإن سعيد هو مرشح الطلاب ولديه صورة الأستاذ المفضل لهم، وهو يمثل الأفضل بالنسبة لهم، فهو جديد على السياسة وأستاذ قانون ذو خبرة ومستقل ولديه قيم تقليدية، ويمتلك سجلا نظيفا، والأهم أنه منسجم مع قيم الثورة التونسية.


ستكون الجولة الانتخابية الثانية صفحة جديدة في ترسيخ تونس كتجربة قابلة للحياة والاستمرار والتطور ونموذجا يبنى عليه عربيا في بناء الديمقراطية دون عنف أو إقصاء.