قضايا وآراء

ماكرون.. وأسوأ تصريح في أسوأ توقيت

هشام الحمامي
1300x600
1300x600
تلميذ الفيلسوف الفرنسي الشهير بول ريكوار (1913- 2005م) قرر أن يستخد طريقة "البوق المقلوب"، كما يقولون، في تعامله مع الإسلام والمسلمين في فرنسا (ستة ملايين مسلم في فرنسا)، وهي الطريقة المعروفة بالذهاب من أوسع نطاق إلى أضيق نطاق في تعاملك مع موضوع ما.

فيوم الجمعة الماضي (2 تشرين الأول/ أكتوبر) أدلى بتصريح خطير وغريب وذهب فيه بعيدا عن أرض الموضوع الذي كان يتحدث فيه أصلا، وقال إن الإسلام يعيش أزمة في كل مكان بالعالم، وإن كان ثمة أزمة في فرنسا فهي إحدى انعكاسات أزمة كبرى يعيشها الإسلام في العالم كله.

الحديث المعتاد من المسؤولين الفرنسيين في الماضي كان عن الجماعات المتشددة والجماعات المتطرفة والتنظيمات الارهابية وما إلى ذلك، أما الآن فالمشكلة مع/ وفي الإسلام نفسه.

لم يكن هذا هو الهجوم الأول من ماكرون على المسلمين لكنه بالفعل الأشرس والأوقح، إذ لم تعد المشكلة في تطبيقات وممارسات خاطئة (كما يذهب ماكرون)، بل في خلل متأصل يجعل من الإسلام ماكينة إنتاج تاريخية ضخمة للتشدد والتطرف، وخطرا يهدد المجتمعات ويمزقها.

استراتيجية ماكرون وأسلوب تفكيره ومقارباته للأمور علق عليها جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في إدارة ترامب في كتابه (الغرفة التي شهدت الأحداث) الذي صدر في كانون الثاني/ يناير الماضي، يقول بولتون: "ماكرون رجل ذكي ويتبع طريقة آيزنهاور الذي كان يقول: عندما تواجه مشكلة لا يمكنك حلها، وسع نطاقها. ويبدو لي أن هذا ما يفعله ماكرون". وذكر نقاشهم حول الاتفاق النووى الذي أبرمه أوباما وحاول ماكرون ثني ترامب عن قرار الانسحاب منه، وهو الاتفاق الذي وصفه ماكرون بأنه غير كاف، لكنه طلب من ترامب الإبقاء عليه، والتفاوض على اتفاق "أوسع نطاقا" يشمل البرنامج النووي الإيراني الآن، والبرنامج النووي الإيراني غدا، وبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، والسلام والأمن الإقليميين.

يقولون أيضا إن ماكرون مغرم بفكرة إعادة التأسيس (ترك الحزب الاشتراكي وأسس حزبا جديدا)، وسنراه يتقدم إلى الجمعية الوطنية بمشروع قانون جديد يعمل على تعزيز العلمانية وترسيخ مبادئ الجمهورية، وذلك بعد 115 عاما على إقرار قانون 1905 الشهير (قانون فصل الكنيسة عن الدولة)، وسنراه أيضا يدعو إلى إعداد ما سماه "ميثاقا علمانيا" توقع عليه الجمعيات الإسلامية المعترف بها من الدولة.

سوء التوقيت في تصريح ماكرون لا يتصل فقط بالصعود السياسي والفكرى لليمين المتطرف في الغرب، بل في سياق تأزم العلاقة مؤخرا مع تركيا، الخصم التاريخي والحضارى لأوروبا كلها. وما اللغة التي نسمعها من الاتحاد الأوروبي في تعامله مع أزمة شرق المتوسط إلا اتصالا بهذا التاريخ الطويل القديم، وسنرى ماكرون أكثر الأصوات صخبا في مثل هذا الحديث.

لكن ماكرون/ فرنسا له مشكلة مباشرة مع تركيا في ليبيا وسوريا ولبنان، والأخطر أفريقيا، التي تعتبرها فرنسا ميراث الأجداد الأولين، وكان التقارب التركي الأخير (تموز/ يوليو 2020م) مع النيجر وإقامة قاعدة عسكريه فيها بمثابة تهديد مباشر لإحدى المصالح الحيوية الحساسة لفرنسا، وما هو أكثر حساسية في الموضوع أن الحضور التركي المتمدد في أفريقيا يتصل بالإسلام، وما أدراك ما الإسلام وما يمثله من عمق اجتماعي وتاريخي في هذه القارة الوادعة.

ناهيك عن أن العلاقة التاريخية لفرنسا مع أفريقيا مليئة بالسوءات والعورات المخزيات. التاريخ الاستعماري الفرنسي عقيدة مترسخة في الوعي الفرنسي، وتمتد إلى الآن وقد سمعنا تصريح وزير الاقتصاد الإيطالي لويجي دي مايو الذي وصف فرنسا بأنها "ذبابة أخرى تمتص أفريقيا"، وطالب الاتحاد الأوروبي بمعاقبة فرنسا لأنها تدفع الأفارقة إلى الفقر.

الجالية المسلمة في فرنسا اعتبرت تصريحات ماكرون استهدافا مباشرا لها ولدينها دون غيره من الأديان، ويرون أن كلامه لا يتصل بالإرهاب بقدر اتصاله بالسياسات الفرنسية التقليدية في الهيمنة الثقافية واحتلال دماغ الآخر (كما ذكرت سابقا)، وهو ما أسماه الفيلسوف الفرنسي أدجار موران (97 عاما) بالوصمة التاريخية الكبرى لتجربة الهيمنة: الاستعمار، العبودية، استنزاف الثروات.. الخ.

الهيئات والجمعيات الممثلة للمسلمين عبرت عن تخوفها الشديد من انتشار خطاب الكراهية ضد المسلمين في المجتمع الفرنسي، واستسهال البعض والذهاب للخلط بين الدين الإسلامي وتصرفات المتطرفين، وهو ما دعا رئيس جمعية مسلمي فرنسا لرفض تصريحات ماكرون قائلا: أنا لا أتفق مع هذا الخطاب على الإطلاق، كان بإمكانه التحدث عن التطرف أو الأصولية، لا يمكن لأحد أن يصم جميع المسلمين بالتطرف.

تصريحات ماكرون سبقها هجوم مماثل لوزير الداخلية الفرنسي الذي قال إن فرنسا في حرب ضد "الإرهاب الإسلاموي".

فَضيلة شيخ الأزهر أ.د. أحمد الطيب عبر عن استنكاره وغضبه الشديد من هذا الوصف، وقال دون أي إشاره إلى من قاله: إصرار بعض المسؤولين في دول غربية على استخدام مصطلح "الإرهاب الإسلامي" غير منتبهين لما يترتب على هذا الاستخدام من إساءة بالغة للدين الإسلامي والمؤمنين به، ومن تجاهل معيب لشريعته السمحة وما تزخر به من مبادئ، وطالب عقلاء الغرب من مسؤولين ومفكرين وقادة رأي بضرورة الانتباه إلى أن إطلاق تلك المصطلحات المضللة لن تزيد الأمر إلا كراهية وتعصبا وتشويها لمبادئ الأديان السمحة؛ التي تدعو في حقيقتها لنبذ العنف والحث على التعايش السلمي بين الجميع.

ونختم بكلام مهم وقوي للفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري (61 عاما) الذي يذكر دائما في أحاديثه أن الغرب هو الذي صنع العنف، وزرع بذور الحرب على الإسلام والجماعات، بل ويذهب بعيدا في تنظيره للثقافة والفكر الغربي متوقعا بأفول عصر الحضارة الغربية التي وصلت لمرحلة من الإعياء كافية لزوالها تماما، إن لم تكن قد بدأت بالفعل بالزوال.

لكن أجمل وأروع ما قاله هو هذه الكلمات التي يطيح فيها بعيدا بكلام ماكرون، إذ يرى أن أقرب بديل للحضارة الغربية (الزائلة قريبا) هو الحضارة الإسلامية، فهي تمتلك كل المقومات اللازمة لتحل محلها: فهي تمتلك ديانة عالمية، لديها فكر مفارق شديد الحيوية وهو الإسلام، والمقوم الأخير والأكثر أهمية وقوة؛ هو تلك الروح المتوهجة التي تتمثل في أبنائها واستعدادهم للموت بسهولة في سبيل قيمهم.

twitter.com/helhamamy
التعليقات (0)