مقابلات

قيادي بالنهضة يتحدث لـ"عربي21" عن "التوافق" وأزمة النداء

أكد العرباوي أنه يمكن التراجع عن موقف الحركة الرافض لمشاركة القوات الحاملة للسلاح في الانتخابات البلدية - عربي21
قال نور الدين العرباوي، رئيس المكتب السياسي لحركة النهضة في تونس، إن الحركة، بعد مُؤتمرها العاشر بحثت عن التأقلم مع الوضع الجديد في البلاد.

وأقر العرباوي، في مقابلة مع "عربي21"، بوجود رفض داخل الحركة؛ للتوافق السياسي بين مع حزب نداء تونس، لكنه وصف "رافضي التوافق" بأنهم "أقلية" لم تُؤثّر على التوجهات العامة للحركة.

وتطرق العرباوي للأزمة التي يشهدها حزب نداء تونس، منذ سنتين، معتبرا أن "الحراك الذي نشهده خلال هذه الأيام هو انعكاسات وارتدادات لما وقع (..) داخل نداء تونس".

وحول الانتخابات البلدية، قال العرباوي إن النهضة تُفضل عدم إشراك القوات الحاملة للسلاح (الجيش والأمن) فيها، إلا أنها ستقبل بذلك في حال أصرّت باقي الأطراف على الموضوع.

وفي هذا السياق، أكد العرباوي أن النهضة ستعتمد سياسة انتخابية "لا تقوّض التوافق السياسي في البلاد".

وفيما يلي نص الحوار:

النهضة الجديدة هي نهضة الإسلام الدّيمقراطي

* ننطلق بنهضة ما بعد المؤتمر العاشر. هل لنا أن نعرف أين وصلت حركة النهضة في تنزيل مُخرجات المؤتمر؟ هل تشهد النهضة فعلا تحولا بحجم الشعارات التي رفعها مُؤتمركم الأخير؟

- النهضة ما بعد المُؤتمر العاشر هي نهضة ما بعد استقرار التجربة الدّيمقراطية التونسية. كُنّا في موقع المُعارضة اضطرارا خلال فترة الاستبداد، ثم وجدنا أنفسنا في صعود مُستعجل لسدّة الحكم لم يكن متناسقا مع مقتضيات التجربة الوطنية.

بعد 2014، انطلقت عملية انبات مادة الاستقرار في البلاد، عبر فكرة التوافق، وهو التقاء بين القديم والجديد، بهدف خلق وضعية وطنية تهيئ لنفسها سبل الاستمرار. والنهضة لم تكن سوى صدى لهذه الأوضاع الجديدة، بين وضع التصادم مع النّظام والدّولة، وبين حالة القفز نحو وضع الحكم بدون جسر.

النهضة أيضا حرصت، عبر وبعد مُؤتمرها العاشر، على أن تكون متناسبة في شكلها ومضمونها مع ما يطلبه التونسيون، وما تتطلبه مرحلة الانتقال الديمقراطي بالمعطيات التونسية. فتخصّصت في العمل السياسي، لتقطع مع مبدأ الشمولية وتوجّهت نحو الانفتاح على عموم التونسيين، حتى تكون حزب التونسيين كلهم وليس النهضويين فحسب.

في السياق ذاته، برز مُصطلح جديد، وهو مصطلح الإسلام الدّيمقراطي بديلا عن الإسلام السياسي، باعتبار أن الأخير له ظلال، ويجمع تيارات مُختلفة بعضها مُتطرّف ولا يُؤمن بالدّيمقراطية والتّداول والاختلاف. صحيح.. هنالك مُشكلة تواصلية من طرفنا لإبلاغ الناس بهذه الصورة والمضمون الجديد، ونحتاج أن نعمل على مُعالجتها.

أقلية تعارض التوافق

* هذا فيما يتعلّق بالصورة والرّسائل السياسية. لكن مُؤتمر حركة النّهضة كشف عن صورة أخرى لم نعهدها عن حركة النّهضة المُوحّدة مع بروز تباين في الآراء حول مسائل هامّة مثل إدارة الحزب وإدارة الخيار السياسي. اليوم نتحدث عن آراء أخرى، بل يذهب بعض المحللين للحديث عن ولادة تيارات داخل حركة النهضة.

- صحيح؛ برز وجه جديد لحركة النهضة، وأنا أقول الوجه الطبيعي لحركة تصدّرت للحكم، ولم يكن تصدّرها بمثل راحة حكم سنة 2011، بل بصعوبات 2014 في علاقة بالتوازنات الدّاخلية والخارجية، وهو ما أنتج مشكلة حقيقية في الخيار السياسي المتعلّق بالتوافق، ومع مَن التوافق، وإدارة التوافق.

وفي الحقيقة، هنالك مُشكلة لا يتم التصريح بها، ولا أعلم لماذا، وهي تتعلّق بالخيار السياسي نفسه، لأنه إذا كان هناك مشكلة في إدارة الخيار، فهناك مُؤتمر أفرز قيادة وكلفها بإدارة الخيار، وتوجد محطّات للتقييم، وعندما تأتي هذه المحطّات تقيّم القيادة وتُسحب منها الثقة عند الضرورة. هناك أقلية ليست مع التوافق، وهذه حقيقة. اللائحة السياسية في المُؤتمر تم التصويت عليها بنسبة 80 في المئة، وهو ما يعني أن الأغلبية مع التوافق، لكن يوجد أشخاص في الحركة ليسوا مع التوافق.

* رئيس مجلس شورى حركة النهضة، عبد الكريم الهاروني، كان قد أعلن منذ تموز/ يوليو الماضي عن اقتراب مُؤتمرات التجديد الهيكلي داخل حركة النهضة، وإلى اليوم لم تجددوا هياكلكم. هل يعود هذا للتجاذب داخل الحركة؟

- التجديد الهيكلي هو نتيجة طبيعية تعقب المُؤتمرات. وبالفعل هنالك تأخير ونحن نعمل على تلافيه وسننطلق فيه خلال أيام معدودة. فيما يتعلّق بأسباب التأخير، وحتّى أكون أمينا، أقول بأنه يغلُب عليها الجانب التقني.

أزمة نداء تونس

- ما هي قراءتكم للمشهد السياسي في تونس، خاصة مع الحركية التي يشهدها مُؤخّرا؟ هناك جبهات ظهرت وأخرى قد تظهر.. كيف تقرؤون هذه الحركية؟

- في الحقيقة المشهد السياسي لم يكن راكدا طيلة السنتين الماضيتين، عرفنا شيئا من الاستقرار في البداية، لكن دخلنا في أزمة حقيقية في البلاد اسمها أزمة نداء تونس. البلاد عاشت فترة نسبيا طويلة من عدم الاستقرار، سواء فيما يتعلّق بالعمل البرلماني والعمل الحكومي، وصولا لاستقالة الحبيب الصيد. وفي أغلبها تتعلّق بالمشاكل الدّاخلية التي يشهدها هذا الحزب. والحراك الذي نشهده خلال هذه الأيام هو انعكاسات وارتدادات لما وقع خلال السنتين الماضيتين داخل نداء تونس، وأغلب الأحداث والتحرّكات تدور حوله.

حركة النّهضة عموما تعرف حالة من الاستقرار على المُستوى السياسي والهيكلي، وحتى ما أشرت إليه من وجود اختلافات لم تُؤثر على الوجهة العامة للحزب وخياراته الكبرى. وفي المُقابل، وإذا ما استثنينا نداء تونس، لا توجد أحزاب أخرى، مع احترامنا لها، قادرة على تحريك المشهد السياسي جذريا. طرفان فقط بإمكانهما إذا ما تحرّكا بقوّة أن يزلزلا الوضع في البلاد إيجابا أو سلبا، وهما النهضة ونداء تونس.

للأسف، الوضع في نداء تونس حرّك الأوضاع تحريكا لا يمكن أن نفهم وجهته بشكل نهائي. حصلت انشقاقات وفقد المشهد السياسي التوازن السياسي الذي أحدثه نداء تونس سنة 2014، وهو ما يُفسّر كل التشويش الذي نراه اليوم. فقدان التوازن دفع أطراف لرفع الشعارات التي ترفعها كتلة الحرة. وما يقوم به محسن مرزوق فيما يتعلق بإنشاء جبهة جديدة تقوم على نفس فلسفة نداء تونس عندما تأسس سنة 2012، والتي تتلخّص في تجميع الكل ضد النهضة والمُراهنة رُبّما على التصويت المُفيد في انتخابات مُقبلة. وعموما، السبب الرئيسي للحراك في البلاد متعلّق بالأوضاع في نداء تونس. وإذا ما استقرّت أوضاعه الدّاخلية؛ الأرجح أن المشهد سيسير نحو الاستقرار.

* الوضع داخل نداء تونس، إذا ما أضفنا إليه تهميش حركة النّهضة فيما يتعلّق بنصيبها من التسميات في مناصب داخل الدولة من معتمدين وولاة ورؤساء مُؤسّسات... ألا يُبرّر هذا موقف من أسميتهم الرافضين للتوافق؟

- قضينا سنة ونصف تقريبا في ظل حكومة الحبيب الصيد، وكنت عضوا في تنسيقية الأحزاب المُشكّلة للحكومة، وكنت أسمع باستمرار نفس هذا الكلام من نداء تونس، وكان يعتبر أيضا أنه لم ينل نصيبا يتناسب مع حجمه، وهو أحد أسباب تأزيم علاقته مع رئيس الحكومة السابق.

ما كانت تشكو منه النهضة كان يشكو منه الجميع. كان هناك تسميات من خارج الأحزاب، وكان يدور حديث حول أن حزب الإدارة (حزب موظفي الدولة) هو الحزب الخامس في الائتلاف الحاكم، وهذا كان توجه الحبيب الصيد. هذة مشكلة واقعية، لكن كنا دائما نركّز على أن تكون التسميات خاضعة لمعيار الكفاءة والنزاهة، حتى وإن لم يكن من النهضة.

في مرحلة انتقالية قريبة العهد جدا من فترة النّظام القديم وثقافة النظام القديم وتقاليد النظام القديم، مع سطحية التغيير - نسبيا - الذي جاءت به الثورة، يجب أن تتوقّع دائما إنه إذا ما تمت تسمية مسؤول في أحد المناصب ستجد أنه لا يزال يحمل رواسب الثقافة القديمة.

لم نصمت على الفساد

* هذا يحيلني لسؤال آخر، ليس أنصاركم فقط من يلومونكم حول ملف التعيينات، شركاؤكم السابقون أيضا يعتبرون أن حركة النهضة تزكّي أشخاصا تحوم حولهم شكوك وتتعلق بهم شبهات الفساد، سواء في تاريخهم أو حتى في ممارساتهم بعد تعيينهم. كيف تردّون؟

- هذا غير صحيح. نحن كلما توفرت معلومات صادقة ودقيقة حول تعيينات كنا دائما نعترض، واعتراضنا نبلغه بصفة مباشرة لرئيس الحكومة، بما تقتضيه شراكتنا مع الحكومة، وهذا يحدث باستمرار. لا يتم تسليط الضوء على هذه التحركات ولا يتابعها الرأي العام؛ لأنه لا يجب أن يُنتظر منا التشهير بحكومة متعاقدين معها.

* يتم الأخذ بهذه الاعتراضات؟

- بالتأكيد لسنا أوصياء على رئيس الحكومة، ونعرف جيدا موقعنا ودورنا. نبلغ الملاحظات ونأتي بالأدلّة إذا ما توفرت. لم نكن صامتين عن الفساد ولا على الفاسدين مُطلقا، فقط كنا نحتاج توفير أدلة على وجوده، وكلما كانت هناك أدلّة أبلغنا موقفنا.

* ننتقل الآن للحديث حول موضوع الانتخابات البلدية والجهوية؛ التي صار واضحا أنها أصبحت أمام فرضيتين: إما إشراك الأمنيين والعسكريين فيها أو تواصل تعطيلها إلى ما لا نهاية. هناك حديث عن توجّه من حركة النهضة لتغيير موقفها الرافض لتشريك القوات الحاملة للسلاح. هل تُؤكّده؟

- الموضوع بالطبيعة يحتاج لتوافقات واسعة داخل الكتل. حركة النهضة رأيها المبدئي هي أنها تُفضل ألا تشارك القوات الحاملة للسلاح لأسباب سبق وأن قمنا بالإعلان عنها. حتى الآن؛ أغلب الكتل الأخرى داعمة إشراكهم في العملية الانتخابية. وبالنسبة إلينا، رأينا المبدئي هو أن عدم المُشاركة أفضل للبلاد، ولكن عدم إجراء الانتخابات البلدية بعد ست سنوات أيضا كارثة. وبالتالي، يجب أن نتجنب عدم تنظيم الانتخابات البلدية مهما كان الثمن.

* إذا، ماضون في القبول بإشراك الأمنيين والعسكريين في الانتخابات؟

- هذا رهين التوافقات، ولا زلنا بصدد تنظيم حوارات أخيرة مع بقية الكتل اليوم والليلة لمحاولة الإقناع بصوابية عدم تصويت حاملي السلاح. وإذا تواصل الإصرار، بالنسبة إلينا تحدّي عدم إجراء الانتخابات أخطر بكثير.

* ونحن نتحدث عن الانتخابات البلدية، الكثير من السياسيين والإعلاميين يردّدون بأن حركة النهضة هي الوحيدة الجاهزة للانتخابات. هل أنتم فعلا مستعدون؟

- أحيانا التخويف من حركة النهضة لا يعكس حقيقة الأوضاع، وإنما يندرج في محاولات التعبئة ضدّها، والسعي لتجميع بعض الصفوف الأخرى أكثر منه تقييم حقيقي. هذا الكلام يردده حتى شيوخ السياسة ممن اعتقدنا أنهم اعتزلوا العمل السياسي (يقصد أحمد نجيب الشابي) لكنهم عادوا، وكلما عادوا جاؤوا بمثل هذه التصريحات. حركة النهضة ستستعد كغيرها من الأحزاب للانتخابات البلدية متى تم تحديد موعدها، لكن قبل ذلك لا يوجد عمل إعدادي حقيقي لها.

سياسة انتخابية توافقية

* يرى مُراقبون بأن التوافق السياسي بين نداء تونس وحركة النهضة ليس بالقوة التي يمكن أن تتحمّل دخول الحزبين في حملتين انتخابيتين متنافستين، مع ما يمكن أن يفرزه من تصريحات وسياسات. هل توجد نية للدّخول بقوائم مُوحّدة؟

- ستكون لدينا سياسة في الانتخابات البلدية القادمة. التحضير لها لا يعني أن نغفل تفاصيل الوضع العام في البلاد. السياسة لم تحدد بعد، لكن نحن نريد أن نجسّد فكرة التوافق في سلوك انتخابي. هذه الفكرة لا نريد أن نصل لها فقط، بل نريد أن ننطلق منها لصياغة سلوك انتخابي يسهل ويجسد التوافق ولا يعسّره. وفيما يتعلق بالقوائم الموحّدة بالتحديد؛ لا أملك الجواب. لكن الأكيد أننا لن نسلك سلوكا انتخابيا يقوّض فكرة التوافق.

* من يتابع تحرّكات رئيس الحركة راشد الغنوشي، ضمن ما يسميه الدبلوماسية الشعبية، سواء قبل مؤتمر الاستثمار الذي نظمته تونس في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أو زيارته الأخيرة للجزائر، حيث حظي باستقبال رسمي من الدّولة الجزائرية، يستنتج وجود تنسيق بين الغنوشي والباجي قايد السبسي. ما هي أحوال العلاقة بين "الشيخين" (شيوخ السياسة)؟

- العلاقة بين السيد رئيس الجمهورية ورئيس الحركة جيدة جدا، ورئيس الحركة من موقع المسؤولية يقوم بدوره كرجل مسؤول من خارج أجهزة الدّولة، لكنه لا يتجاوز الدّولة. الشيخ راشد في كل تحرّكاته الخارجية التي تهدف لخدمة تونس وصورتها والترويج للتجربة التونسية والانتقال الديمقراطي، كان دائما ينسق مع رئيس الدولة.

* أنهي بانفراد نشرته "عربي21" حول ضغوط يُمارسها النّظام السوري على التونسيين والليبيين المُعتقلين في سجونه، بهدف تصوير مقاطع مُصورة؛ يعلنون فيها أن حركة النّهضة سهّلت عملية تسفيرهم من تونس نحو بؤر التوتر. ما هو تعليقكم؟

- الجزء الثاني من الخبر، وهو فرضية نشر مثل هذه الفيديوهات المُركّبة، لم يحدث بعد، لكن نحن في الحقيقة كنا نتوقّعه منذ زمن.

نعتقد أن مثل هذا الأسلوب هو طريق قصير لن يؤدّي بصاحبه إلى أي مكان؛ لأنه ليس أسهل على جهاز مخابرات أو حتى شخص عادي من تصوير هذه الإدّعاءات. في هذا الموضوع، نحن أول من سيستفيد، وأول من يدعو إلى كشف حقيقة شبكات التسفير، وإن شاء الله من يكرّر مثل هذا الادّعاءات ألا يكون أكبر المصدومين بنتائجها.