قضايا وآراء

حصاد 2016.. خسرت فلسطين ولم تكسب إسرائيل

1300x600
انشغلت الأنظمة العربية في عام 2016 بإجهاض الثورات العربية التي آلت إلى الإسلام السياسي، فقامت بتصنيف حركاته ضمن قائمة الحظر أو المواجهة ما أدى إلى تراجع إمكانية التغيير في الموقف العربي من العدو الإسرائيلي. فقد شكلت الثورات طموحا عربيا نحو الحرية والتغيير كان من شأن تحققه تشكيل فرصة سانحة لفلسطين للتقدم في الأولويات العربية والمواقف الرسمية العربية من إسرائيل.

وقد انعكس الانشغال العربي عن فلسطين بتراجع مكانة الصراع مع الكيان الصهيوني، فتراجع الدعم المقدم عربيا لفلسطين (على ضعفه وضآلته)، ليتجه الموقف الرسمي العربي للتطبيع مع العدو تحت حجة مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة أو حتى تقديم أوراق اعتماد وراثة الحكم لدى بعض الأنظمة للولايات المتحدة عبر إسرائيل.

وأعطى هذا الموقف نظام السيسي شيكا على بياض في محاولته تركيع الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في قطاع غزة عبر الحصار وإغراق الأنفاق بين مصر وغزة بالماء لدفع حماس والمقاومة لإلقاء سلاحها الذي بات يمثل السلاح الأوحد المشهر في وجه إسرائيل في ظل غرق إيران وحزب الله في الوحل السوري وتفكك ما كان يسمى الممانعة العربية.

كما تمادى هذا النظام عندما سحب مشروع قرار إدانة الاستيطان من مجلس الأمن تجاوبا مع مطالب إسرائيلية ليكتشف بعد ذلك أن واشنطن رفعت الغطاء عن إسرائيل بعدم استخدام الفيتو ضد المشروع الذي أعادت تقديمه دول عربية وغير عربية.

جمود وإخفاق إسرائيلي

وفي ظل حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة، استمر جمود عملية التسوية ورفض حل الدولتين رغم عديد المحاولات لإحياء هذه العملية، ومن ضمنها المبادرة الفرنسية التي رفضتها إسرائيل بسبب عدم رغبتها بمؤتمر إقليمي يمارس عليها الضغط.

إلا أن إسرائيل وجدت نفسها أمام معضلة جديدة باعتماد أوروبا للخطة الفرنسية، وتوجه باريس لعقد مؤتمر دولي للقضية منتصف بداية العام المقبل!

ولم تحاول الولايات المتحدة تحريك هذه العملية ولم تنجح في محاولة وقف الاستيطان وذلك بعد أن شرعنت حكومة نتنياهو البؤر الاستيطانية العشوائية ووسعت مستوطنات قائمة. وجاء التحرك الأميركي المتأخر من إدارة أوباما المنصرفة بعدم استخدام الفيتو ضد قرار أممي يدعو لوقف الاستيطان، ليشير إلى عمق الخلافات بين الطرفين حول الموضوع، وهو الأمر الذي قد يتراجع في عهد إدارة ترامب الجديدة ولكن ليس إلى درجة إلغاء التوجه الأميركي بهذا الخصوص بعد أن أكد كيري في خطابه بختام دورة أوباما الرئاسية والانتقال من إدارة ديمقراطية إلى جمهورية، على أهمية وقف الاستيطان لاستئناف مفاوضات السلام المتوقفة.

ويشير التوجه الأوروبي لعقد المؤتمر الدولي لحل القضية الفلسطينية، وتصاعد حدة الانتقادات الأميركية للاستيطان، إلى الفشل الذريع لحكومة نتنياهو في استثمار حالة الانحطاط العربي وتأثيرها على الموقف الدولي من القضية، حيث برزت علامات استفهام كبيرة أمام خطاب سابق لنتنياهو أكد فيه أن هناك "تغييرا هائلا قد حدث في العالم العربي" تجاه إسرائيل وإن دولا عربية باتت ترى في إسرائيل (حليفا) في مواجهة إيران وداعش لا عدوا كما كانت ترى من قبل.

فلا يمكن لإسرائيل أن تستثمر الحالة العربية هذه طالما أن الأجواء الدولية غير مهيأة لها، ولذلك فإن هناك تخوفات إسرائيلية حول التزام الغرب بدعم موقفها الاحتلاليخصوصا وأنه لا يزال يتحسب من انتفاضة فلسطينية شاملة جديدة قد تطيح بمكتسبات إجهاض الربيع العربي، وتفتح الباب من جديد لإشعاع فلسطيني يصل نوره إلى الدول العربية التي قد تنتعش فيه آمال الثورة من جديد على الأنظمة الفاسدة التي تتحالف معها واشنطن في المنطقة.

وفي إطار الإمعان الإسرائيلي في محاولة إخضاع الفلسطينيين، شهد عام 2016 هدم أكثر من ألف منزل ومنشأة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك بزيادة قدرها 58% عن الأعوام السابقة، كما اشتدت حدة الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى.

وقد أفاد مكتب العلاقات العامة والإعلام التابع لدائرة الأوقاف والمقدسات الدينية بالقدس بأن عام 2016 شهد اقتحام 14806 متطرفين لباحات المسجد الأقصى، موضحا أن هذا الرقم هو الأعلى مقارنة بالأعوام السابقة، وواصفا عدد الاقتحامات بأنه سجل رقما قياسيا هذا العام.

فشل فلسطيني داخلي

أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني فقد اعتراه خلل كبير بسبب توجه السلطة الفلسطينية لاستمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال ما أسفر عن المزيد من الاعتقالات والملاحقات للمقاومين وإمداد العدو بمعلومات عنهم تمهيدا لملاحقتهم لاعتقالهم أو قتلهم.

وفيما مثلت انتفاضة الأقصى التي قدمت نحو 240 شهيدا وآلاف المعتقلين حتى الآن وعجز الاحتلال عن وقفها بسبب الطابع الشعبي لها، فقد عملت السلطة على محاولة إجهاضها وامتصاص تداعياتها، وأفشلت الاتفاق على برنامج وطني لدعمها.

وقد أخفق الفلسطينيون في التوصل لمصالحة تنهي انقساما طال أمده، وقد تنازلت حماس عن الحكومة ولم تتنازل عن سلاحها المشرع ضد إسرائيل،  كان سببا رئيسيا في تعطيل المصالحة إضافة لملفات أخرى مثل إخفاق فتح وحماس في الاتفاق على إعادة بناء منظمة التحرير وإدماج حماس في المجلس الوطني الفلسطيني واستيعاب موظفيها السابقين في غزة والبالغ عددهم نحو 70 ألفا.

وأفشلت فتح الانتخابات البلدية التي سبق ودعت لها بعد أن نجحت حماس في فرز مرشحين أقوياء لها في غزة والضفة ونجاحها من خلال المحاكم في استبعاد عدد من مرشحي فتح، الأمر الذي أطلق رصاصة الرحمة على الانتخابات العامة التي كان ينادي بها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وذلك في ظل تخوف فتح واطراف عربية من إعادة إدماج حماس في الحكم في فلسطين.

وفي هذا الإطار، بقيت خلافات فتح بعد المؤتمر السابع للحركة وإن تمكن عباس من تنظيف الحركة من أتباع دحلان على مستوى اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وقام لأول مرة بقطع الرواتب عن أتباع غريمه، فيما استمر الصراع بين الشخصين قائما ضمن إطار التدخلات العربية لفرض خليفة لعباس تقدم تنازلات أعمق لإسرائيل تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية وإنهائها، ويقومبإضعاف حماس وإسقاط سلاحها في غزة وإبعادها عن مركز القيادة السياسية للشعب الفلسطيني.

صراع مستمر

وهكذا، في عام 2016 كما قبله من الأعوام، لم تنجح المصالحة، كما أخفق الفلسطينيون في الاتفاق على برنامج سياسي موحد يضمن دعم الانتفاضة والمقاومة وينظم الخلاف السياسي بين مكونات الشعب الفلسطيني، فكانت النتيجة المزيد من التراجع للقضية الفلسطينية عربيا ودوليا.

أما على الأرض فكان الوضع أفضل، إذ استمر الشعب الفلسطينيفي الانتفاضة سعيا للحرية ونيل الحقوق المغتصبة وبموجات صعودا وهبوطا حسب شدة القبضة الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية.
أما إسرائيل، فلا يزال أمامها مشوار مضني لمحاولة جعل العالم يغض الطرف عن سياساتها الاحتلالية وعيها لطمس هوية الشعب الفلسطينية وقمع أشواقه للاستقلال.

وقد تقدم إدارة ترامب دعما أقوى لتل أبيب في سياسات القمع والتنكيل بالفلسطينيين، ولكن موضوع الاستيطان المرفوض دوليا سيتسبب بمشاكل داخلية وخارجية للرئيس الأميركي الجديدالذي سيضطر للالتزام بالسياسة اللفظية الأميركية الرافضة له.

وبهذا تخسر فلسطين باستمرار خلافات القوى الرئيسية حول المقاومة والانتفاضة والمشروع السياسي والموقف من الاحتلال، فيما تواجه إسرائيل عقبات أمام إتمام مشروعها الاستيطاني، وبهذا تستمر معطيات الصراع في فرض نفسها على الطرفينوعلى الوضعالوطني والإقليمي والدولي.