قضايا وآراء

العالم يجنح نحو اليمين!

1300x600
كلما حدثت هجمات في أوروبا، تخرج أمريكا عبر وزير دفاعها أو رئيس أركانها أو حتى جون كيري، معلنة مقتل الرجل الخارق الغامض الجامد في تنظيم داعش، واللي التنظيم مش حيعرف يعمل بيض بالعجوة من غيره، محاولة تخفيف الضغط عليها من حلفائها الأوروبيين. حاجة كده تذكرك بنور الشريف في فيلم العار، وهو لايص في تخليص البضاعة بعد أما مات الدفاس وطُلبة وأبو دهشوم!

أوروبا تعلم أن أمريكا هي السبب الحقيقي وراء أزمة اللجوء، لأنها منعت سقوط بشار الأسد منذ أربع سنوات بشكل مباشر، عبر تهديد المعارضة بقصفها إذا قصدت دمشق أو الساحل، أو بشكل غير مباشر بالسماح لإيران وحزب الله وروسيا ومليشيات العالم كله بالحرب في سوريا لمنع إسقاط النظام. أما النظام نفسه فيبدو أنه استخف بالخطوط الحمراء للرئيس أوباما ضد استخدام السلاح الكيماوي، أو أن التطمينات القادمة من إسرائيل كانت كافية، أو فهم ضمنا من السكوت على مجازر السيسي ضد مؤيدي الشرعية في مصر، أن بإمكانه استخدام أسلحة دمار شامل أربع مرات دون أن يحدث شيء، إلى أن أعرب بان كي مون عن قلقه سبع مرات، ودخل الحمام ثلاث مرات!

أوباما الذي لم يقطع حتى زيارته لأمريكا الجنوبية، وتصدرت صوره المستفزة لمشاعر الأوربيين وهو يرقص التانجو مع راقصة محترفة (شبه عارية)، لم يبد أنه مكترث بما يجري في أوروبا، التي تعيش أسوأ تفجيرات منذ الحرب العالمية الثانية.

وبينما تقبع أمريكا بعيدا جدا في أقصى الغرب، يحدها محيطان من الشرق والغرب، تواجه أوروبا أزمة اللجوء التي تهدد اقتصادها وثقافتها وأمنها ووحدتها السياسية!

الآن ترغب كثير من دول أوروبا في إيقاف العمل بتأشيرة شنغن الموحدة، وترغب في أن تفتش القادمين إليها كل على حدة، وهذا يعني حرفيا أن الاتحاد الأوروبي لم يعد اتحادا! أما بريطانيا، الدولة الأوروبية الأقوى سياسيا، فقد ذهبت أبعد من ذلك، إلى حد التهديد بالخروج من الاتحاد لأن ّذلك يجعل بريطانيا أكثر أمانا.

على أمريكا مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه أوروبا، وفي المقابل فإن أوروبا عليها أن تدرك أنه كما أن التقارب مع تركيا مهم، ووجود تسوية في مناطق خروج اللاجئين في سوريا وليبيا مهم، فإن عليها أن تمارس ضغوطا أكبر على الولايات المتحدة، كي تأخذ مخاوف الأوربيين في الحسبان.

يمكن لأوروبا أن تهاجم الحلقة الأضعف، أي المسلمين، وتلقي عليهم باللائمة، لكن ذلك سيكلف أوروبا كثيرا جدا! اليمين ليس خيارا مفضلا للمسلمين في أوروبا، لكنه أيضا ليس خيارا جيدا لأوروبا ذاتها! نجاح اليمين في فرنسا وألمانيا وبقية دول القارة يعني فعليا فشل الاتحاد في احتواء الأقليات العرقية والدينية فيه تحت مظلة الدولة الوطنية المدنية الحديثة، وهو أحد أهم نجاحات الغرب واستقراره في المائة عام الماضية.

أما جنوح أوروبا نحو اليمين، وجنوح أمريكا ترامب نحو اليمين المتطرف المعادي للإسلام والمسلمين علنا، وانعدام آمال التداول السلمي للسلطة في مصر بعيدا عن الجيش، والسكوت بعد الانقلاب على التجربة الديمقراطية اليتيمة هناك، على قبضة أمنية بحتة تطلق النار على الناس في الشوارع، مصريين وأوروبيين الآن، ثم يبحث عن مبررات مضحكة، وتحرق بيوت المعارضين مؤخرا، والصمت العالمي الأسوأ في تاريخ المنطقة على المحرقة السورية التي شارك الجميع فيها، كلها عوامل تشير إلى أن العالم كله يجنح نحو اليمين، وأن الحرب في المنطقة ليست في طريقها إلى الانكفاء، بل إلى مزيد من التصعيد!