قضايا وآراء

لماذا لا تريد أمريكا إسقاط نظام الأسد؟

1300x600
بين الحين والآخر، يطل مسؤول أمريكي يكرر ثوابت سياسة البيت الأبيض المتعلقة بـ"الملف السوري"، وهي "لا بقاء للأسد في مستقبل سوريا.. وأن الحرب لا يمكن أن تحسم عسكريا". 

والمتابع للتصريحات الأمريكية يجد أن هذين التصريحين يتكرران بشكل أسبوعي، ويعرف جيدا أن المتربعة على عرش العالم خير من خاض الحروب، وهي على قناعة تامة بأن الحروب لا تحسم إلا عسكريا.

لم يكن البيت الأبيض جادا في إسقاط الأسد الذي قتل نصف مليون سوري، وهجر نصف الشعب في أصقاع الأرض، وجعل البلد خرابا تعشعش فيه الغربان، فلو شاء العمل الجاد بهذا الاتجاه فإن الأسد لم يبقَ بين "عشية وضحاها"، بل وإن صح التعبير بـ"طرفة عين" يغادر كما غادر مبارك عن حكم مصر.

قلائل من يعرفون ما كان يدور في كواليس السياسة وخفايا العلاقات بين نظام الأسد والبيت الأبيض؛ ولهذه الأسباب قدر لنظام الأسد أن يعيش بالرغم من أن كل المنظمات الدولية والحقوقية أجمعت أنه ارتكب مجازر حرب، واستخدم جميع أنواع الأسلحة المحرمة دوليا في قتل شعب أعزل.

لا بد من سرد دلائل تاريخية تسلط الضوء على طبيعة العلاقة التي تناقض كل شعارات نظام الأسد البعثي وجعجعاته الفارغة حول مقاومته لإسرائيل وممانعته لأمريكا ومشاريعها في المنطقة. ويمكن رصد هذه العلاقة في:

في عام 1975 دخل الجيش السوري لبنان، بناء على طلب أمريكي؛ لإعادة ترتيب الوضع اللبناني، ولصياغة النظام السياسي فيه، الذي تُوج لاحقا باتفاق الطائف (عام 1989م) الذي هندسته أمريكا، وأمر بتنفيذه ورعاه حافظ الأسد. ولا ننسى كيف تحالف علانية مع أمريكا في حرب (عاصفة الصحراء 1990-1991م)، فأرسل آلاف الجنود السوريين للقتال معها ضد نظام صدام حسين، رغم أن كلا النظامين بعثي وقومي عروبي.

وفي العام ذاته، أصر حافظ الأسد على وضع جميع أوراق التسوية والمفاوضات مع إسرائيل (مؤتمر مدريد للسلام عام 1991م) بين أيدي واشنطن؛ بهدف زيادة جرعة الرضا، وحتى في الحرب على العراق الثانية عام 2003، أوهم نظام بشار الأسد من يحملون توجها جهاديا بأنه يدعمهم ويسهل دخولهم إلى العراق؛ ليقوموا بواجبهم تجاه هذا البلد المحتل، بينما كان فعليا يقدمهم على طبق من ذهب للقوات الأمريكية، بعد الإسرار عن أماكن تواجدهم وخططهم القتالية. ومن قدر له العودة حيا كانت غياهب السجون في دمشق بانتظاره.

ولعل الشاهد الحديث الذي يعرفه صغار السوريين قبل كبارهم هي قائمة طلبات وزير الخارجية كولن باول، الذي زار دمشق في تشرين الأول عام 2004، وحمل ما يسمى حينها "حقيبة كولن باول"، المتضمنة لائحة المطالب الأمريكية، التي قيل إنها تدخلت في لباس طلاب المدارس.

خدمات نظام البعث الأسدي للإدارات الأمريكية المتعاقبة أهَّله بجدارة لأن يكون "شرطي المنطقة" و"المشاغب" الذي لا يجد من يردعه، حتى إن لجنة (بيكر- هاملتون) الأمريكية فوضته مع حليفه الإيراني بالملف العراقي، بعدما تعسّر تحقيق واشنطن أجندتها هناك، وذلك بحسب ما جاء ضمن توصيات تقرير اللجنة الشهير، الذي حمل عنوان "العراق والطريق إلى الأمام".

وبعد مجزرة الكيميائي التي ارتكبها نظام الأسد في 21 آب عام 2013، وما حمله التهديد الأمريكي "الخجول" بتوجيه ضربات لمواقع عسكرية تابعة لنظام الأسد، سارع الأخير لإيداع صك لدى الأمين العام للأمم المتحدة، يتضمن انضمام سورية إلى اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستعمال الأسلحة الكيميائية، وتدمير تلك الأسلحة، وأعلن أنه سيمتثل لأحكامها ويحترمها بأمانة وإخلاص، ما جعل الدول الكبرى تتحول من مهمة معاقبة مرتكب جريمة استخدام هذا السلاح المحرم إلى صب الجهود والهمم وتشكيل فرق لـ"معرفة" من استخدمها!!!

ويبقى السبب الرئيسي بوقوف البيت الأبيض في وجه محاولات سقوط نظام الأسد حماية الأخير لحدود إسرائيل، وإبقاء الجبهة الشمالية باردة لعقود طويلة، وهذا ما أكده مسؤولون كبار عندما قالوا "إن نظام الأسد خير الأنظمة التي قد تحكم سوريا بالنسبة لإسرائيل".

مخطئ من يظن أن سبب بقاء الأسد وتماديه في المجازر، متعلق بالدعم الروسي والإيراني، أو لا يربط سبب بقائه في الرضا الأمريكي أولا وأخيرا، فلعبة الفيتو الروسي في المحافل الدولية لا تجدي نفعا مع "المارينز الأمريكي"، الذي أطلق عشرات الحروب دون الرجوع لأي قرار دولي، ولعل آخرها الحرب على داعش في ليبيا.

قد نسمع صواريخ كلامية من ساسة البيت الأبيض تجاه سوريا؛ بهدف تخدير الرأي العام، ولكن هذه التصريحات لن تكون مصحوبة بأفعال تخفف من الآلام وتضمد نزيف الجرح السوري، فمصالح الدول وأطماعها لن تكون يوما مبنية على مصير الشعوب.