قضايا وآراء

الإخوان.. تاريخ من النقد المعلن والمراجعات(2)

1300x600
كان حسن البنا كثير الوقوف بين نفسه وربه، يحاسب نفسه على ما قصرت، فقد كان له ورد محاسبة يحاسب فيه نفسه على ما قصرت فيه في جنب الله، بل وحث أفراد جماعة الإخوان على ذلك، ولم يقف به الأمر عند حدود محاسبة نفسه ونقده لها، عند أمر العبادات الفردية التي يؤديها مع نفسه، أو العبادات الجماعية التي يؤديها أمام الناس، بل يشمل ذلك أيضا نقده لحركته ومسيرته العلمية والدعوية بما ذلك مسيرة جماعته.

فكثيرا ما كان يكتب الإمام البنا رحمه الله مقالات يحاسب فيها نفسه وجماعته، ماذا قدمت؟ وفيم نجحت؟ وفيم أخفقت؟ وما المطلوب منها؟ وكل هذه وقفات لمحاسبة النفس، ففي مجلة النذير كتب البنا مقالا بعنوان (كشف الحساب.. ما علينا، ما لنا، ما يجب أن نفعله).

وفتح باب النقد في مجلات الإخوان، وقد اشرنا إلى كتابة الشيخ محمد الحامد الحموي عدة مقالات ينقد فيها كُتَّاب مجلة (الإخوان المسلمون) نصف الشهرية، ثم الأسبوعية فيما بعد، ونشر البنا نقد الحامد، وقدم نقده بهذه التقدمة: (للأخ الشيخ محمد الحامد الحموي نظرات شرعية في بعض ما نشر وينشر في أعداد مجلة الإخوان، أحببنا أن نطالع بها القراء في هذه الصفحة تباعا، تجلية للحقيقة، وعرضا لمختلف النظرات، والحقيقة بنت البحث كما يقولون). 

وكان ممن نقدهم الشيخ الحامد الأستاذ حسن البنا، فقد كتب البنا سلسلة مقالات تحت عنوان (في صميم العقيدة... الله جل جلاله)، فكتب البنا مستشهدا بالكاتب الفرنسي كاميل فلامريون قوله: "إن الشمس تنتقل في خلال اللانهاية السماوية، بحيث إن خط سير الأرض ليس خطا منحنيا مقفلا، ولكن حلزونيا مفتوحا دائما، وأن كرتنا الهائمة على وجهها لم تمر من نقطة واحدة دفعتين منذ وجدت إلى اليوم، وفي الوقت نفسه تدور هذه الكرة على نفسها دورة في كل أربع وعشرين ساعة، بحيث إن ما نسميه (فوق) في ساعة من الساعات يكون (تحت) بعد اثنتي عشرة ساعة، وأننا نجري في هذه الحركة النهارية بمعدل 305 أمتار في الثانية في خط عرض باريز و465 مترا في خط الاستواء".

فكتب الحامد ينقد البنا في استشهاده بهذه العبارة قائلا: "ونحن الإخوان المسلمون دستورنا القرآن الكريم، فلا يسعنا إلا القول بأن السماوات متناهية، وهي سبع شداد، الأولى منها مزينة بالكواكب، كما نص القرآن الكريم". وتقبل حسن البنا نقده، رغم أن الشيخ الحامد بدأ نقده بقوله: (ونحن الإخوان المسلمون)، وهو ينقد مؤسس الإخوان، ولم يرد عليه البنا بأنه هو الإخوان، فكيف لفرد يدعي امتلاك المنهج، في نقاشه لواضع المنهج، ومؤسس الجماعة؟! ولكنه قبول النقد، والاعتراف بالحق.

وظل البنا يفسح صدره لنقد الحامد، حتى وصلت سلسلة نقده لمجلة (الإخوان) والبنا إلى ست مقالات متتابعات، ما حدا بالبنا أن يجعل عنوان هذه الصفحة بـ(صفحة النقد)، وبعد بضع شهور فوجئ قراء مجلة (الإخوان المسلمون) بآخر مقال للشيخ الحامد في (صفحة النقد)، وقد صدرها البنا بهذه التقدمة التوديعية الرائعة، فكتب البنا يقول: 

(كنا نود لو بقي صاحبها (أي صفحة النقد) الفاضل بيننا يسعدنا بروحه الزكية، وينقلنا بسمته الهادئ وآرائه المحافظة إلى عصر السلف الصالح من العلماء العاملين، ولكنه آثر السفر إلى سوريا، وغادر أهلا لا يقلون حبّا له، وإجلالا عن أهله الأقربين، الذين سافر إليهم، جمعنا الله وإياه على خير ما يرضيه).

كما نلحظ خلقا مهما للأسف يغيب في كثير من الأحيان عند النقد، وهو تقدير دوافع الناقد للمنقود، وإحسان الظن به وبنصحه ونقده، فكثير من الناس عندما ينقده أحد يتهم نواياه، إما بأنه حاقد، أو أنه يغار منه على مكانته، أو أنه متشدد متنطع لا يدفعه وراء النقد للأمر إلا ذلك، وأضرب هنا مثالا في نقد أحد الناس لحسن البنا، في أمر فيه فسحة وسعة، ولكنه لم يرد على من نقده بحدة، إلا بأن قدر عاطفه ودافعه، جاء إلى الأستاذ البنا أحد زملائه من خريجي دار العلوم هو الأستاذ (س. سعد)، وهو من أروع الناس وأتقاهم، ولكنه غضب كل الغضب؛ لأن الإخوان قد أنشأت فرقا للجوالة والكشافة (تلبس البنطلون القصير)، قال الأستاذ (س. سعد): يا حسن أفندي، فأجاب: نعم سيدي. 

قال: إني أكرهك. 

فابتسم حسن البنا وقال في هدوء وبشاشة: وإني والله أحبك. 

فقال الرجل: ولكني أكرهك في الله؛ لأنكم تكشفون الركبة في ملابس الجوالة والكشافة. 

وبالبشاشة نفسها والهدوء، أجاب البنا مخلصا: هذا يزيدني حبا فيك، لأنك تكرهنا في الله، وليس لسبب شخصي، فوعده أن يعالج هذا الأمر، رغم أن في صحيح البخاري نصا يبيح كشف الركبة، وأنها ليست بعورة، ولكنه أراد الترحيب بالنقد البناء، وأن يكسب الشخص لا الموقف، وهو ما يغيب عن الكثير إلا ما رحم ربك.

بل رأينا صفحات مجلات الإخوان تمتلئ بنقد أفراد في الإخوان للبنا، ويرد عليهم، ويردون عليه، وكل متمسك برأيه، وهو ما نذكره بالتفصيل في مقالنا القادم إن شاء الله.