قضايا وآراء

أناس يموتون جوعا وهوانا.. وآخرون يزدادون إثما وخذلانا

1300x600
تاريخ الإنسانية حافل بالأحداث والتقلبات التي تدور بها آلة الزمن، فتأخذ البشر من المسرات إلى الأحزان تارة، ومن الأشجان إلى محامل الأمل تارة أخرى، إلى أن تنجو بهم وتأخذهم بعيدا عن مآسيهم على شواطئ من النسيان، وما كان هذا الزمن إلا مرآة تعكس لنا تبدل أحوال الناس في دوائر الحياة ما بين شقاء وهناء، تبدد وتمدد، منهم الغني المانع ومنهم الفقير الجائع، وفيهم من لا يملك من أمر نفسه شيئا غير إرادة تنفس هواء الحياة، ومن استبد به أمره إلى أن يمنع عن من حوله حق الحياة، ووصل الحال بالكثيرين منهم إلى أن يكونوا تجارا للموت ولقتل معاني هذه الإنسانية بأبشع الطرق وبمختلف الوسائل، لا لشيء غير أنه واقع حب النفس البشرية للطغيان على ذاتها وتصدير البغي والفساد على من حولها من الناس، وكأن شعورا ينتابها بألا يكون حجب النور مقتصرا على ذاتها، وإنما يزداد الظلام ليشمل أقرانها في العالم المحيط حتى تتلذذ بأن يكون الجميع سواء عناء ورهقا.

في صفحات تاريخنا العربي والإسلامي المتداخل والمترابط أسطر كُتبت عليها حكايات النعيم للقليل من أبناء هذه الأمة بمِداد من معاناة الكثيرين الذين امتلأت حياتهم آلام، وأنكال وقدموا التضحيات من حقوق ضائعة وأنفس سخية بُذلت لكي يرتقي عليها أقرانهم؛ مستمدين بقائهم وتعاظمهم في هذه الحياة، وقليل من يشكر لهم ويعظم لهم أجرا، فضلا عن كثير يجحد ما يصنعوه وينكر ما قدموه، حتى يبلغ الأمر بنا بالمشاركة في ظلمهم، بدلا من تعويضهم أو تقديم العون لهم ولو بمجرد كلمة تحفظ حقوقهم علينا. وتبقي عبر الأيام ذكرى مآسيهم التي ربما يتلقونها دفاعا عن من نجا منها من أقرانهم من سائر الأمة.

كلما قلبت في صفحات التاريخ العربي الإسلامي الذي تقدم والذي تأخر وفيما نعيشه الآن وجدت أمة من الناس هم الأكثر تلقيا للضربات عن أبناء الأمة، وتحملا للنكبات عن البقية ممن يحييون حولهم ما بين قريب يشاركهم الألم حينا ويزيدهم جرعات من الهوان والخذلان في أحيان كثيرة، وبعيد لا يملك من أمره غير نصرتهم بكلمة لا يبخل عنهم بها، أو تضييعهم بصمت وتخاذل يعكس مقدار الضياع والتردي الذي آل إليه حاله. ولعمرك ما كان للحياة معنى بغير أن يشارك الناس بعضهم البعض في مراثيهم قبل أغانيهم، وفي مصائبهم دون أفراحهم، وهل كان المسلم للمسلم إلا بنيانا مرصوصا يشد بعضه بعضا؟! وهل كان مثلنا (إن كنا مؤمنين حقا) في توادنا وتراحمنا إلا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسائر والحُمى؟!...

هناك؛ في الأرض التي بورك فيها للعالمين وفيما حولها، في فلسطين وسائر بلاد الشام، كان عدوان الصليبيين على أمة الإسلام وعلى العرب، حيث بلغت دماء الناس صدور الخيل في بيت المقدس وحين قدمت تلك البلاد مئات الألآف من الشهداء وبذلت الدماء من أجل الحفاظ على حدود العالم الإسلامي من ناحية الشمال ومن غُزاة الغرب، مئة عام خاضوا خلالها المعارك وقدموا خلالها كل ما يملكون من قوة وعتاد، وضربوا أعظم الأمثلة في البطولة والفداء من حلب شمالا حتى الأردن جنوبا، مانعوا عن مدينة رسول الله وعن سائر مدن المسلمين من جنون الصليبيين وحقدهم على المسلمين آنذاك. ومن غيرهم الآن يقدم التضحية عوضا عن الأمة في القدس والخليل ونابلس وغزة من أطماع اليهود الصهاينة وتربصهم بسائر بلاد المسلمين؟ ومن غيرهم يبذل الغالي والنفيس دفاعاعن الحرية وحق العيش الكريم في دمشق (التي لم يفلح الصليبيون في كل حملاتهم من دخول أسوارها) وما حولها من بلاد سوريا والشام؟

يموتون جوعا من أجل أن يبقوا في ثغورهم مدافعين عن حق الحياة وعن معاني الحرية والكرامة، يُسامون أشد أنواع العذاب والتنكيل ولا يقدمون غير مزيد من الصبر والتحمل حتى يطيلوا أمد الصراع، وكأنهم لا يريدون أن يعم البلاء من حولهم من الناس. أمثال هؤلاء هم أخيار الناس، هم الذين يحملون عن البشرية مصائبها وتوابع نكباتها، هم الذين يبقون في صراع مع الشر حتى لا يتمدد لأقرانهم، ولو ظلوا باقين في محنهم وحدهم، لم يطلبوا أكثر من إنصافهم، لم يرغبوا في شيء غير عونهم في أمر يضطلعون به عن باقي الأمة، نصر للحقيقة ودفع لظلمات الإثم والعُدوان ولو بشطر كلمة....

من منا لم يسمع بما يجري في مضايا في ريف دمشق من حصار وتجويع ومنع للطعام والشراب عن ما لا يقل عن 35 ألفا من السكان، لا من أجل شيء غير إخضاعهم لكلمة لا يريدون النطق بها، ولمشروعات عدوانية تهدف لمحو ما تبقى من سكان سوريا الذين أبوا المهانة ورفضوا النزول على أحكام البٌغاة من بني وطنهم وأعوانهم ممن أتوا من الخارج والذين يحملون راية الحقد والكراهية لكل معاني الحرية والحياة؟! 

مضايا ليست إلا حالة تعكس ما يعيشه السوريون من أكثر من أربعة أعوام من بطش وتنكيل وعدوان من أجل إخضاعهم لما لا يريدون، ثم حصار وتجويع وانتقام لمن صمد وضد من بقي في خطوط المقاومة أو على ثغور الرباط، ولو كان هذا الرباط هو مجرد البقاء في منازلهم وفي بلداتهم دون الهروب منها وإخلائها للمعتدين.

تقول أغلب الروايات الإخبارية والكلمات التي تنتقل عبر مواقع التواصل لأهل المدينة المحاصرين إن حزب الله والنظام السوري هما اللذان يضربان الحصار عليهم، من أجل إخضاعهم ومن معهم من مقاتلين. وقد قالت الأمم المتحدة والصليب الأحمر إن النظام السوري قد وافق مؤخرا على إدخال المساعدات إليهم في غضون أيام (أوتراه الموت يعرف الصبر أياما على أهل مضايا كما لم يعرفه من قبل 23 منهم قضوا جوعا؟!)... وتقول مصادر تابعة لحزب الله إن قوات المعارضة تتخذ من أهل المدينة دروعا بشرية لكسب معاركهم! وقد قام أنصار الحزب مؤخرا بإطلاق وسم (هاشتاغ) على مواقع التواصل الإجتماعي تحت عنوان (متضامن مع حصار مضايا) ونشروا معها صورا لوجبات من الطعام بكافة أشكاله وذلك في سخرية تُرسخ لرواية حصارهم وحزبهم لأهل مضايا.

يقول ناشطون وصحفيون إن مضايا بها 1600 عائلة نزحوا من الزبداني المجاورة، ومن أراد الخروج منهم من الحصار يتم مقايضته على التنازل عن بيته وما يملك في الزبداني، ومن أراد الهرب يجد القناصة في انتظاره أو الألغام المتفجرة التي على الأقل تؤدي لبتر أحد أطرافه، من أصل ستة آلاف لغم زُرعت حول المدينة!

مرت أشهر على أهل مضايا وهم محاصرون، ومقومات الحياة عندهم في تناقص، وبرد الشتاء يزداد قسوة عليهم وهان أمرهم على الناس حتى لم يجدوا مفرا من أكل لحوم القطط واستخدام أوراق الشجر والأعشاب في الطهي من أجل إطعام أبنائهم وكهولهم، وامتلأت مواقع التواصل الإجتماعي بنداءات الاستغاثة للعرب وللمسلمين والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، ولم يجد هؤلاء غير كلمات من التعاطف والتحسر من عامة الناس الذين ليس لهم من الأمر شيء أعظم من ذلك، أو ربما لهم وضنوا به عنهم!

هذه الكلمات التي نكتبها ونقرؤها هنا (ونحن في كامل الحرية ونستمتع بشتى وسائل الرفاهية والراحة) من أجلهم، ومن أجل إظهار ما يُعانونه دفاعا عن الإنسانية وعن أنفسهم، ربما لن تقدم لهم شيئا في ظل ما نعانيه من انشغال حكامنا بالصراعات التي تحفظ لهم ممالكهم وتعينهم على البقاء على عروشهم والتفرد بمقاليد الأمور فيها، وفي ظل سكونهم فيما يظنون أنه حرص على مصالحهم وسط عالم يتحرك من حولهم بسرعة البرق، لن يستفيقوا إلا وقد سلب منهم تلك الممالك فتصبح خاوية على عروشها وقد أدركوا فداحة غيهم وندموا على ما كان من تيه وثبات يرقدون فيه، وقت لا ينفعهم الإدراك شيئا ولا يسترد لهم الندم ظلا ولا مجدا. فلم نجد مثلا جامعة الدول العربية قد اتخذت موقفا ما تضامنا معهم، أو أيا من الحكومات العربية قد عقدت اجتماعات ومؤتمرات تناقش فيها قضيتهم وتتخذ من أجلهم قرارات ولو حتى على سبيل الاستنكار والشجب والإدانة كما يفعلون دائما.

مضايا إنما هي صورة مصغرة للكثير من الحالات التي تعاني في عالمنا الإسلامي والعربي والتي تحمل عنا مصائبنا وتدفع عنا نكبات الحياة كما قلنا، سبقتها دوما وداريا وحمص، ومعها مخيم اليرموك وغير واحدة من المدن والبلدات في سوريا، وعلى التوازي من ناحية الزمن هناك تعز في اليمن وغزة في فلسطين وبلدان نسمع عن معاناتها كل حين، كميانمار وأفريقيا الوسطى وغيرها. إلى متى يظل حالنا هكذا؟ ومتى يجد هؤلاء من يقدم لهم العون ويشاركهم فيما يحل بهم نيابة عن أمتهم وعن المسلمين غيرهم؟!

وفي حين أن أهل مضايا يتلمسون حاجاتهم ويبحثون عن أطعمتهم في مجامع القمامة وعلى أرصفة الطرقات، فإن الكثير من القناطير المقنطرة من الأطعمة والمأكولات تفيض بها موائد الشعوب وأصحاب السعادة من الرؤوساء والحكام ويؤول أمرها إلى أن تٌلقى في البحار فتأكلها الأسماك أو تٌقدم طعاما للحيوانات تأكله، وتتحسر على حال الإنسانية التي وصل ببعض أبنائها الحال ألا يجدوا ما يأكلون فكان طعامهم من لحم القطط، بعد أن أكل بعضهم بعضا ظلما وعدوانا!

يحتاج هؤلاء لشيء من المال دون المليارات التي تنفق على احتفالات الأعياد والمناسبات ووصلات الرقص وبرامج اكتشاف المواهب المنتشرة عبر الفضائيات العربية، أو على الأقل أن يتم منح قضاياهم مساحة من الوقت قد تلفت انتباه ما بقي – إن كان قد بقي شيء - من الضمير العربي على شاشات تلك الفضائيات وبرامجها، بدلا من إلهاء الناس عن قضايا الأمة وتزييف ما تبقى لديهم من وعي بأخبار الذين يشككون في تراث الأمة الثقافي وتاريخها، وبإشعال المزيد من الفتن الكلامية والجدلية حول الطائفية والمذاهب والصراعات السياسية، في وقت لا يعرف الشعوب فيه شيئا عن ملامح المستقبل أو مآلات الواقع المرير الذي نعيش فيه.

إن ما فيه أهل مضايا ومن على شاكلتهم من ذل وهوان؛ يقع إثمه في المقام الأول على من يشاركون في حصارهم وفي العدوان عليهم، وعلى من استطاعوا تقديم العون لهم ولو من خلال كلمة وأبوا إلا خذلانهم والتخلي عنهم... فأنقذوا ما تبقى في مضايا.