قضايا وآراء

مضايا.. مقبرة جماعية للأحياء على مرأى العالم!

1300x600
تعود العالم على خبر العثور على مقبرة جماعية قد لا تتعدى في أكبر الحالات على العشرات أو المئات، لكن أن تتحول مدن بأكملها إلى مقبرة جماعية، مات كبارها قبل الصغار جوعا، عندها تذهب شعارات دعاة حقوق الإنسان مهب الرياح وتندثر الصور المركبة للإنسانية إلى غير رجعة، وهي الصور التي حاولت المنظمات الأممية والمجتمع الدولي بناءها على مدار عقود طويلة.

المفارقة القاسية أننا كنا نشاهد المقابر الجماعية بعد حدوث فعل القتل والجريمة، لكن في سوريا يشاهد العالم على مرأى العيون مدنا تحتضر جوعا ويتحول سكانها إلى هياكل عظمية قبل مفارقة الروح، فمع كثرة صرخات الإغاثة تبقى الآذان صماء والعيون تحاول تجاهل مشاهد الأطفال الذين يتضورون جوعا، ويحلمون برغيف الخبز منذ سبعة شهور.

افتتحت البشرية عام 2016 بالصور المؤلمة القادمة من مدينة مضايا السورية (40 ألف مدني)، ومن قبلها شاهد العالم صورا مشابهة على مدار الأعوام السابقة، من معضمية الشام والزبداني وغوطة دمشق وحمص، دون أي حراك أو ردة فعل تلجم السفاحين على الاستمرار بجرائمهم.

لم تكن مضايا أول خذلان المجتمع الدولي، فهو لم يستطع وقف أي من الجرائم المروعة التي يرتكبها نظام الأسد وحلفاؤه، منذ الأيام الأولى للثورة، ولعل العار الأكبر هو ما صرحت به الأمم المتحدة بعد انتشار صور أهل مضايا على وسائل الإعلام، إذ قالت إنها سترسل مواد غذائية خلال الأيام القادمة بناء على موافقة نظام الأسد.

الأمم المتحدة ذاتها أشرفت على هدنة (الزبداني - كفريا والفوعة)، التي تعتبر مضايا جزءا منها، حيث جرت اتفاقية وقف إطلاق النار وبقي الحصار للانتقام من أهالي المدينة. ورغم كل ما جرى لأهالي المدينة إلا أن المنظمة الدولية بقيت صامتة، رغم أن السوريين قالوا عن هذه الهدنة إنها تهدف إلى التهجير الطائفي الساعي للتغيير الديمغرافي في أجزاء واسعة من سوريا.

على المجتمع الدولي والأمم المتحدة الاعتراف بعجزهما أمام نظام منخرط بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولعدم وجود وسائل وخطط طوارئ لديها لمعالجة وضع إنساني طارئ، فالمنظمة الدولية وتاريخها على محك الشعب السوري، وليس المنظمة وحدها على هذا المحك بل البشرية جمعاء.

ما يجري في مضايا اليوم هو جريمة موصوفة مكتملة العناصر، وترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، التي تفرض أن تتداعى الأمم لمحاسبة مرتكبيها بالسرعة القصوى.

عندما اجتاح جيش الأسد سوريا من أقصاها إلى أقصاها واستباح المدن واحدة تلو الأخرى، كتب على جدران المنازل والساحات العامة عبارة "الجوع أو الركوع"، وجعل من هذا الشعار وسما يشاهده الجميع بعد كل عملية اقتحام. كان هذا في بداية الثورة عام 2011، ومنذ ذلك الوقت سعى الأسد لتنفيذ هذه السياسة. فبعد مضايا، بكل تأكيد ستكون مدينة أخرى كما كانت قبلها حمص ودوما وداريا ومعضمية الشام.

بكل تأكيد لا يوجد شخص في هذا الكون سعيد بمقدار السعادة التي عليها بشار الأسد، فهو يمارس ما يشاء في سوريا دون رادع، ويقتل من أهلها ما يشبع نهمه أكثر من كل الألعاب "البلاي ستيشن" المعروف بحبه لها.

في منطقة الزبداني وحمص، اللعبة واضحة وأكبر من بشار الأسد ونظامه، فهي لعبة أسياده في طهران الساعين لتفريغ أهل السنة من هذه المناطق لجلب سكان آخرين يعلنون الولاء لهم، وتكون منطقة مبنية على أساس المذهب والطائفية.

على أبواب مضايا تجوع الإنسانية وتتعرى، وداخل أسوارها يسجد الجسد جوعا لكن الروح تبقى شامخة، فحصار أهلها هو حصار لجميع البشرية.