قضايا وآراء

الجهاد الإسلامي بعد 20 عاما على استشهاد الشقاقي

1300x600
نشأت حركة الجهاد الإسلامي في الساحة الفلسطينية كـتيار اجتهادي في الرؤية، والعمل للإجابة على أزمة الاسلاميين والوطنين آنذاك. وإن توقف الاجتهاد في نهجها وعملها وديمومة حضورها، يعتبر عملية اغتيال دائمة لها أو تحويلها لصنم تنظيمي عددي.

لقد منح الاجتهاد القداسة للنهج، والتقدير للفكرة، والاحترام للشهيد المؤسس د. فتحي الشقاقي ومن بقي من أصحابه، لكن توقف الاجتهاد حوّل التيار إلى تنظيم كمي، ما شكل حالة انفصام بين الفكرة والفعل، ودفع الحركة إلى الدخول في متاهات الممارسة بعيدا عن الموائمة المطلوبة بين تطور الفكر ومتطلبات العمل، ولذلك أسباب موضوعية يجب العمل على استيعابها وتجاوزها، منها المواجهة المفتوحة والدائمة مع الاحتلال ونتائجها، وعدم استقرار المشروع في وعي كل حملته، وغياب المؤسسة.

استشهاد المؤسس أو أهم المجتهدين، وتفرق الرعيل الأول أمام صدمة النزاع حول آليات العمل التنظيمي، ومحاولات الاحتواء والإضعاف الخارجية، والاعتماد على حليف وحيد بشكل كلي وكامل، دون حسابات تطورات الوعي والتجربة والمستقبل، والتركيز على المواجهة مع الاحتلال.. كل ما سبق شكّل بداية الأزمة في الحركة التي غطى على ظهورها قدرة شباب الحركة على الابداع في المعركة مع الاحتلال.

وظهرت الأزمة بشكل أوضح مع استشهاد المؤسس، وعدم قدرة رفاقه على تجاوز لحظة القرار الخطيرة، والإبداع في مواجهة أهم استهداف للمشروع الفتي، والارتباك أمام جسارة الحلفاء في تحديد قيادة وشكل الحركة مما منحهم مدخل قوي للسيطرة أكثر على الحركة الواعدة.

عدم قدرة القادم على رأس الحركة بملفاتها المبعثرة، ودمها المسفوح، ومغادرة عدد مهم من رفاق المرحلة الأولى، وتوالي الأسئلة التنظيمية حيال التعامل مع سلطة فلسطينية تنشأ لأول مرة على جزء من الأرض الفلسطينية، جميعها أسباب دفعت الأمين العام الثاني على التضحية حسب أولوياته بمعالجة ما سبق وفق خطة وتدرج، لصالح التموضع والاستمرار وتقديم اجابات لحظية دفعته لخطاب متصلب اتجاه الخصوم السياسيين، ومزيد من الاعتماد على الحلفاء.

وحتى اللحظة، بعد قرابة عقدين حافلين بالتطورات الوطنية والعربية والدولية، لم تتمكن الحركة من تطوير المشروع -الفكرة من خلال الحفاظ على منهجية الاجتهاد والبعد عن الغرق في التفاصيل التنظيمية، وتوفير متطلبات المواجهة العسكرية مع الاحتلال، لصالح الممارسة على حساب المنهج. ومن دلالات ذلك وقف فكرة مشروع حزب سياسي للحركة يتعامل مع الواقع الفلسطيني الجديد، والخروج من قواعد الاشتباك مع الاحتلال التي رسمتها "القوى الإسلامية المجاهدة - قسم" نحو قواعد جديدة أرادتها قيادة الحركة من خلال سرايا القدس، حيث ارتكزت الأولى على قاعدة الاشتباك مع الجيش الإسرائيلي وأدواته من أجهزة أمنية ومستوطنين ضمن وعي سياسي متقدم شكل إجابة فلسطينية قوية على وجود الاحتلال.

كل ما سبق جعل الحركة تنظيم بدون أسس تنظيمية، وأبعد الحركة عن حالة الإجماع السياسي على دورها، ورسم لها هوية تنظيمية أكثر وضوحا في الخارطة الفلسطينية والعربية، ما شل قدرتها على التطور كمشروع كبير، وغيّب تطور الفكرة وأضعف جوهر البنية التنظيمية لدرجة لا تتطابق تماما مع الأهداف الأولى وسياق النشأة والدور المنتظر كتيار فلسطيني متجدد؛ يمتلك القدرة على التطور والإجابة على الأسئلة الوطنية والإسلامية المعاصرة.