قضايا وآراء

جدلياتنا التي لا تنتهي

1300x600
لم تكد تمضي بضعة أيام على انطلاق هذه الهبة الجماهيرية في الضفة الغربية والقدس حتى انشغل كثيرون بطرح جدليات قديمة حديثة، تارة حول جدوى العمل الشعبي المنظم ورغبة كثيرين بأن تظل الفصائل بمنأى عن توجيه وتصعيد هذه الهبة، وتارة حول ما يسمى بعسكرة الانتفاضة، وتحذير كثيرين أيضا من هذا الخيار.

ودائما سنجد من يملك سعة من الوقت للطروحات الرغائبية أو من يلجأ لفرض ظواهر ومعطيات غير موجودة أصلا على أرض الواقع، مثل الادعاء بأن هذه انتفاضة بعيدة عن جمهور التنظيمات ودعمها، وأن قوامها شباب غير مسيّس، فيما الواقع على الأرض يقول شيئا آخر. فمع الإقرار بأن جمهور هذه الحالة النضالية لا يقتصر على جمهور الفصائل الفلسطينية وقد انخرط فيها شباب بدوافع ذاتية، إلا أننا لا يجوز أن نغفل أن الحراكات المنظمة من شأنها أن تضمن استمرار وتصعيد الأحداث، وهو ما شاهدناه عمليا حين حملت الحركة الطلابية بمختلف أطيافها جانبا كبيرا من عبء المواجهات الشعبية، ذلك أن النّفَس الشعبي التلقائي وغير الموجه قصير في الغالب ولا يمكنه تشكيل حالة دائمة من الاشتباك اليومي، ومن هنا نرى أن الفصائل المقاومة كانت العمود الفقري لديمومة الانتفاضتين السابقتين، مثلما أنها الآن في قلب هذا الحراك، وهناك فرق كبير بين أن يضخّ التنظيم أنصاره للمشاركة الفاعلة في الفعل الشعبي وبين أن يحاول فرض وصايته على الحراك وتجييره لصالحه، فالأول مطلوب لضمان التصعيد، والثاني مرفوض لأن فيه نزعة احتكار ووصاية لا يملك فصيل حيازتها لنفسه.

أما فيما يخصّ الفعل المسلح، فلا بدّ من تذكير من يرون في عسكرة الانتفاضة وصفة تخريب للفعل الشعبي بأن هذا الفعل المتصاعد منذ أيام انطلق أصلا على وقع عمليتين عسكريتين متتاليتين: الأولى عملية بيت فوريك البطولية التي نفذها القسام في شمال الضفة في الأول من شهر تشرين الأول، والثانية عملية الطعن التي نفذها مهند حلبي في القدس بعدها بيوم.

والأهم من ذلك أنه لو تبنى كل الجمهور الفلسطيني الرأي القائل بضرورة الحفاظ على النمط الشعبي للمواجهة فهذا لن يغيّر شيئا في قناعة القادرين على العمل العسكري، فهم يرون فيه خيارا مجديا وقادرا على تحقيق ردع الاحتلال ومستوطنيه، رغم ضريبته العالية، وهي ضريبة مفهومة في إطار عملية التحرير أو مقاومة الاحتلال.

الفعل الشعبي لا يتناقض مع العمل العسكري، لكل مسار أهميته وميزاته وضروراته، نحن فقط من نملك ترف الهلع والتحذير من مآلات العمل العسكري، رغم أنه لو تمكن من فرض نفسه بقوة على الساحة فسيغيّر كثيرا من المعادلات وملامح المرحلة.

في النهاية، ليست هناك انتفاضة أو ثورة تساير رغبات أحد، بل إن ما يحدد خط مسارها وتطورها هو إرادة ومقدرة القادرين على الفعل، عسكريا كان أم شعبيا. ما يلزم فقط أن نحدد ما نريد؛ الخلاص من الاحتلال وإنجاز التحرير، أم تحسين ظروف حياتنا تحت الاحتلال ومراعاة مزاج العالم الذي لا يعبأ أصلا بالحق الفلسطيني؟ ولعل من اختاروا مسارهم وفهموا دورهم قد أبصروا أهدافهم جيدا فكانت رصاصاتهم وسكاكينهم ملازمة لهذه الانتفاضة منذ بدايتها، حتى غدت سكين المقاوم أيقونتها ورمزها الأجمل والأكثر إرباكا لأمن المحتل.