مقالات مختارة

عالم آخر.. النجف والعرب

1300x600
كتب سرمد الطائي: المراقبون العرب لم يكونوا يصدقون طوال سنوات، أن في وسع النجف وممثلي الاعتدال الشيعي العراقي، اتخاذ موقف مستقل عن التصورات السياسية المعتمدة من قبل النظام السياسي الإيراني.

أما الآن فقد بدأوا يصدقون ذلك جزئيا حين لاحظوا مؤشرات مهمة على تصادم الرؤيتين بين العقلانية العراقية، والاندفاع الذي تمثله بعض الأجنحة في إيران. غير أن المراقبين العرب بدأوا يرتكبون خطأ اخر، إذ راحوا يتساءلون عن موعد "المعركة الفاصلة" بين النجف وطهران! وعن الطرف الذي سينتصر في النهاية. وكأن منطقتنا محكومة بمعادلة "يا قاتل، يا مقتول".

إن العقل السائد في منطقتنا ينتظر نهايات حاسمة، بينما التقدم في فنون الإدارة راح يطرح علينا سيناريوهات "التعايش" بين الأطراف المتصارعة، ووصولها إلى صيغة لإدارة الخلاف. وهناك فرصة اليوم
لظهور حوار كبير بين النجف وطهران، يضع حدا لاندفاعات كثيرة أوصلتنا إلى ما نحن فيه. 

لا النجف يمكن أن تعتبر طهران عدوا، ولا طهران قادرة على تجاهل أهمية النجف لمجمل الوضع الإقليمي والدولي. لكنه تدافع بين تصورين سيأخذ وقتا طويلا، ويتطلب اختبارا لشجاعة الطرفين، ولن يسهل عليناا تخمين نتائجه بعيدة المدى. غير أن نتائجه الواضحة هي إدراك واشنطن وطهران في وقت واحد، بأن أقسى درجات الضعف التي تمر بها السياسة العراقية، لا تعني أن في وسع بضعة مجانين مغمورين، مدعومين من الشرق أو من الغرب، أن يتحكموا بمصير البلاد. فزمان الانقلاب على الشرعية ولى، والحلول العتيقة المتمثلة بتغييرات سريعة لم تعد أمرا مجديا.

وقد استخدمت لتوي تعبير "إدراك واشنطن وطهران" لهذه الحقيقة. وكنت أعني أن العرب لم يستوعبوا ما يكفي ما تريد النجف فعله بالشكل المطلوب حتى الآن. ولذلك فانهم يطرحون اسئلة خاطئة. وبدل السؤال عن: من سينتصر، طهران أم النجف؟ كان لابد للعرب أن يسألوا: إذا كانت النجف تمثل لحظة عقلانية سياسية، وإذا كان نهجها مفيدا في البدء بتهدئة الصراع الطائفي المتصاعد، ومع عجز الجميع عن دفع الفاتورة الغالية جدا للدم والانهيارات، فماذا يمكن للعرب أن يقدموا لمساعدة هذه العقلانية العراقية التي تواجه صعوبات فوق العادة؟

لا أحسب أن العرب قادرون على صوغ سؤال جاد كهذا والتعامل معه في صدارة أولوياتهم، لكنهم في لحظة ما ينبغي أن يولوا اهتماما ويتدبروا بعمق في تحديات مشتركة بينهم وبين ما تمثله النجف من تصور سياسي مؤمن بالتسويات. وسننتظر وقتا طويلا حتى تلك اللحظة، لأن العرب لم يفهموا النجف حتى الآن، لأنهم لم يتقربوا اليها بما يكفي بعد، ولم يحاولوا إزالة الحواجز بالمستوى المطلوب. ولا يزال معظم ما يقولونه عن شيعة العراق، مشوشا كثير الأخطاء ومحاطا بالمبالغات. وهذا التشويش يخلق ثقوبا في عقولنا تسيل منها الدماء والخسارات.

(عن صحيفة المدى العراقية- 20 أيلول/ سبتمبر 2015)