قضايا وآراء

الثورة وحرب الفرولة

1300x600
على كافة المستويات والأصعدة فإن أي سلوك إنساني هادف يتبلور مغزاه الذي يرمي إليه في لفظ دلالي خاص، وباختلاف صور السلوك الإنساني تختلف الألفاظ الدلالية المعبرة عنها -في الصياغة والاصطلاح- من سلوك إلى آخر.. ورغم اختلاف الألفاظ في المباني فإن جميع المعاني تتفق -من حيث المبدأ- في المضمون والجوهر.

فمثلا، يصطلح علم التكتيكِ العسكري على تسمية الهدف النهائي للتحرك القتالي باسم "المجهود الرئيسي للمعركة" تمييزا له عما سواه من أهداف لا يتيح تحقيقها إحراز الكسب الاستراتيجي المبتغى وفقا للخطة المرسومة أو يعيق الانشغال بها عن تركيز الجهود للوصول إلى ذلك الكسب بما قد يعرض القوات برمتها للخطر وسائر العمليات للفشل، ولعل استخدام اصطلاح "المجهود الرئيسي" على النحو المتقدم يمتاز بكناية دلالية بعيدة الأثر تنبثق من الربط في المعنى بين كلمتي "الهدف" و"المجهود" بإنزال كل منهما منزلة الترادف من الأخرى إشارة إلى التلازم الضروري بينهما في أرض الواقع.

وفي إطار محاولة وضع قاعدة تنظيمية لترتيب الأولويات في مجال الأعمال من أجل حسن تسييرها وأدائها على الوجه الأمثل فقد قسم علماء الإدارة الأهداف إلى أربعة أقسامٍ: هامة عاجلة، وهامة غير عاجلة، وغير هامة عاجلة، وغير هامة غير عاجلة..

وأعطوا القسم الأول (الأهداف الهامة العاجلة) الصدارة في الاهتمام  والأسبقية في الإنجاز عما عداها من أهداف، ولا شك أن الانحراف عن ذلك النهج وإن حقق شيئا من النفع فإن مضاره أشد، وفي ضوء ذلك المعنى صاغ علماء أصول الفقه القاعدة الأصولية القائلة إن "دفع المفاسد مقدم على جلب المنافع"، وصاغ -كذلك- علماء الاقتصاد والتجارة قاعدتهم القائلة إن "منع الخسائر مقدم على كسب الأرباح".

لقد اتسمت تحركاتنا الثورية أعقاب الانقلاب العسكري وحتى اللحظة الراهنة بالعشوائية والتخبط وافتقاد التخطيط والتنسيق، وقد صنع ذلك حالة من الترهل الثوري أهدرت -بالإضافة إلى الوقت والجهد والمال-  الكثير من الفرص كان بالإمكان استغلالها للقفز منها إلى تحقيق تقدم أكبر نحو الهدف المرجو، ومما لا شك فيه أن حالة الافتقار الكلي إلى استراتيجية ترسم ترتيب الأولويات في الزمان والمكان وتحدد أهداف مسار العمل الثوري بشكل ممنهج مدروس وصولا إلى تحقق الاستفادة المثلى من الموارد والإمكانات البشرية والمادية المتاحة على الأرض في الوقت المناسب - قد ضاعف من حدة حالة الترهل الثوري إلى أقصى حدودها.

إننا -في الواقع- كلما اقترب منا الخطر: إما أن يدفن البعض منا رؤوسهم -كالنعام- في الرمال كي لا يرون الخطر المحدق، وإما أن يسير البعض فى الاتجاه المعاكس ليجدوا أنفسهم قد عادوا إلى نقطة الصفر أو إلى ما تحت الصفر، وربما أدى اختلال البوصلة السياسية لدى البعض إلى دخولهم معسكرالاعداء للاحتماء به ظنا منهم أن الأعداء هم أصدقاؤهم.

كلما لوح الانقلاب بإعدام الرئيس و أنصاره أو سرب معلومات أو بدت منه الدلائل على اقتراب ذلك تثور المشاعر وتغلى الدماء في الرؤوس، ثم لا تلبث نار الأمس أن تغدو رمادا تذروه الرياح ويتحول لفحها إلى برد وسلام حين تظهر طائفة الحكماء الثوريين يدفعون بالثورة إلى ثلاجة الموتى، كل منهم يسوق لنفسه بما يرضى أمريكا وإسرائيل لخلافة مرسي والمرشد، فمن سترضى عنه أمريكا وإسرائيل ليتسلم مفاتيح النيل؟

لم أقرأ في تراث الشعوب -قط- أن الثورات تدار بأساليب الميكيافيلية السياسية، الثورات تحكمها قوانينها ونظمها الخاصة وفق شرعيتها الخاصة، والقاعدة أنه: لا سياسة في الثورات ولا ثورات في السياسة؛ ذلك أن السياسة إن تدخلت في مسار الثورة عرقلته والثورة إن تناولت منهاج السياسة أفسدته، فكلاهما ضدان لا يجتمعان -قط- إلا في مصر، إن الثورة بمثابة التدخل الجراحي -كحل لا بديل عنه- لاستئصال مرض عضال خطير لا يحتمل التسويف والتأخير، والثائر بمثابة الجراح الذى يجب أن يتسم بالحزم والحسم فى اتخاذ القرار قبل أن يفيق المريض من التخدير ولا زال بطنه مفتوحا.

لقد أشهر الوقت سيفه على رقبة الرئيس منتظرا ساعة الصفر، فإن لم نقطع اليد التي تحمل ذلك السيف قطعت هي رقبة الرئيس، ورغم أن الجميع يشهد ذلك الوضع المأساوي بعينيه إلا أن طائفة الحكماء مازالت تجلب التطمينات الأمريكية كل زيارة لأمريكا  لتطرحها في السوق الثورى المصري -مجانا- يوم الثلاثاء من كل أسبوع، ولا أدري هل يسوقونها فقط أم يتعاطونها أيضا؟

على كل إن كانت نتائجها مضمونة ولا تسبب النعاس والإدمان فليبعثوا لي منها بالقليل، وقبل ذلك عليهم أن يخبروني إن كانت محرمة في الشرع كالخمر ولحم الخنزير أم أن تعاطيها حلال لا شبهة فيه، أيها الملأ الثوري أفتوني.
    
لقد بلغ التشوش بالكثيرين إلى الدرجة التي لم يعودوا معها قادرين على التمييز بين الصواب والخطأ، فأحيانا يبادرون -من تلقاء أنفسهم- إلى بذل المزيد من الجهد لتحقيق أهداف فرعية لا تتناسب البتة مع الجهد المبذول في سبيل إنجازها ولا توصِل بهم إلا إلى وهم وسراب كاستصدار قرار أممي بإدانة اعتقال الأطفال في الوقت الذى بدأ فيه الإنقلاب ذبح الرهائن التي يحتجزها في معتقلاته، فهل يثمن أو يغنى مثل ذلك القرار من جوع وفقا لاستراتيجية ترتيب الأولويات التي تجعل من إنقاذ رهائن الانقلاب وعلى رأسهم الرئيس مرسي الهدف الأسمى للحراك الثورى خلال الفترة القادمة؟

وأحيانا أخرى فإنهم بكامل إرادتهم يتنازلون عن وعيهم ويسلمون عقولهم لغيرهم لبرمجتها بما يثقل كاهل تفكيرهم دون فائدة ترجى من أجل إضاعة المزيد من الوقت، فمثلا قرار البرلمان النمساوى بإدانة ممارسات الانقلاب المناهضة لحقوق الإنسان هل -من الناحية العملية- من الممكن لمثل ذلك القرار أن يوقف عشماوي عن اختلاب رقاب الأبرياء؟

لقد سبق استصدار ذلك القرار قيام  البرلمان النمساوي -بناء على وساطة أحد المصريين المقيمين في النمسا- بتوجيه الدعوة إلى عدد من أعضاء برلمان الثورة لاستعراض صور الانتهاكات التي يقترفها نظام السيسي، فلماذا تأخرت الاستجابة لمساعي الوسيط التي بدأها -بالقطع- مبكرا إلى ما بعد خراب مالطه؟

الحكاية وما فيها أن الحزب الحاكم في النمسا -بالتنسيق مع باقي حكومات أوروبا- أراد أن يضرب عدة عصافير بحجر واحد، فمن ناحية، أراد بالوقوف إلى جانب عدالة القضية المصرية أن يجمّل وجه بلاده بل وجه أوروبا بأسرها أمام المجتمع الدولي بالظهور في موقف المدافع عن الحق، ومن ناحية ثانية فإنه بأداء ذلك المشهد الدرامي المؤثر يستطيع بسهولة أن يخطب ود الجاليات الإسلامية التي تشكل نسبة مؤثرة في التركيبة السكانية لبلاده ليضمن تأييدها المطلق له في الانتخابات القادمة، لكن الأخطر والأهم من ذلك كله هو أنه استهدف -بعنتريته تلك- تهدئة الموقف في مصر وتسكين الحراك الثوري إلى أجل غير مسمى من أجل إضاعة مزيد من الوقت لصالح الانقلاب، الرهان الذى ربحه علينا السياسي النمساوي يذكرني بصاحب نادي القمار حين يمكن زبائنه الجدد من الكسب في أول دورٍ يلعبونه ، ثم -بعد ذلك- يعوض تلك الخسارة أضعافا مضاعفة، بتلك الحيلة سيندفع المصريون في ذلك الوقت الحرج لتكرار تلك التجربة مع باقي برلمانات دول العالم، لكن -بالطبع- سيكون حراكهم القادم فى ذلك الاتجاه حراكا بلا جدوى وخسارة لما بقى من وقت لدينا، بالطبع فإن مثل تلك التحركات لا بأس بها على سبيل التسلية ولكن بشرط ألا تكون هي الطرح الوحيد المتاح أمامنا بل يجب أن تسير بالتوازى فى طريق مجهودنا الرئيسي وهدفنا الأسمى فى تلك المرحلة وألا تعوقنا عن تحقيقه.

وعلى صعيد آخر فوجئنا جميعا بالمجلس الثوري -دون الرجوع إلى باقي أعضائه - يتقدم إلى الأمين العام للأمم المتحدة بطلب يدعوه فيه إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية على غرار لجنة التحقيق الدولية فى مقتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري، وبغض النظر عن أن الاستجابة لمثل ذلك الطلب تستوجب -وفقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة- أن يكون موضوع التحقيق أمرا يهدد السلم والأمن الدوليين مما يدخل في إطلاقات مجلس الأمن، وحتى إن سلمنا جدلا -في أحسن الأحوال- أن الطلب وضع محل نظرٍ ونقاشٍ في جدول أعمال المجلس فإن الدول صاحبة الفيتو ستحول دون الاستجابة له.

وبغض النظر -أيضا- عن أنه لا وجه للشبه أو القياس بين حادثتى الاغتيال آنفتى الذكر للتقدم بالطلب المشار إليه؛ بسبب خصوصية الوضع الإقليمي للبنان الذي جعله مسرحا للصراع بين قوى إقليمية متعددة الهوية والمصالح كسوريا وإيران وإسرائيل ودول الخليج ونظرا لتركيبتة السكانية شديدة التعقيد والتي تضم المسلمين من سنة وشيعة جنبا إلى جنب مع المسيحيين، ذلك الوضع الإقليمي والسكاني الذى يتسم بأبعاد شديدة الخصوصية لا يمكن سحبه على دولة كمصر للاستفادة من مركز قانوني خاص استفاده اللبنانيون بموجبه من قبل.

بغض النظر عن ذلك كله فما علاقة الكشف عن القاتل الحقيقي للنائب العام بأحكام الإعدام التي يلوح الانقلاب بتنفيذها من وقت إلى آخر، إننا في لغة القانون ننعت مثل ذلك الدفاع الذى ارتكن إليه المجلس الثورى بوصف "الدفاع غير المنتج في الدعوى"، أي الدفاع الذى لا يمكن بحالي من الأحوال أن يغير وجه الرأي في الدعوى، فإنه حتى بافتراض أن مجلس الأمن شكل لجنة لتقصي الحقائق وأن تلك اللجنة أثبتت براءة الإخوان من دم النائب العام فهل ذلك سيوقف تنفيد أحكام الإعدام التي جهزت المشانق بالفعل لتنفيذها؟

إننا ننساق للرد على اتهام مرسل لا يستند إلى دليل يرتكن إليه، ذلك الاتهام أطلقه رجل أخرق ليبرر به رغبته الملحة في الإسراع بتنفيذ أحكام معيبة صدرت بإعدام متهمين أبرياء في قضايا أخرى، أولى بمن أطلق ذلك الاتهام أن يسوق -هو- الدليل عليه ، فعليه وحده -وفقا لقاعدة "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"- يقع عبء الإثبات، إن مجرد النزول إلى منطق رجل يهذى لمسايرته في تفكيره المختل عند التعامل مع الكيانات الدولية المعنية بمثل تلك الأمور يفقدنا الكثير من مصداقيتنا وثقلنا أمامها.

إذا كنا -بعد- لم نفرق لدى تعاملنا مع المحاكم الدولية بينها وبين محكمة جنح الأزبكية، وإذا كان الأمر مازال يختلط علينا بين الأمين العام للامم المتحدة وبين مأمور قسم روض الفرج، وإذا كانت تصرفاتنا القانونية لا تعدو أن تكون مجرد شكاوى في مقدور أقل "عرضحالجى"  يفترش الأرض أمام محاكم مصر أن يرسل بالآلاف منها، وإذا كنا نفتقد الهدف والرؤية ونسير بعشوائية دون ترتيب لأولويات العمل الثوري التي يجب إنجازها أولا وعلى سبيل الانفراد أو بالتزامن مع أهداف أصغر كالتي ضربت بها المثل سلفا، فإنني أقول لكم: ما لم تبادروا إلى التغيير الجذري وبأسرع وقت ممكن فلتتقبلوا العزاء في مرسي وفي الثورة وفي مصر بأسرها من تلك اللحظة، فالعشوائية لا تصنع نظاما ولا تنتج ثورة ولا تحرر أرضا، عشوائيتكم التي أصبحت أقوى من الرصاص الذى يخترق صدور الثوار كل يوم جعلت زحفنا الثوري المقدس أشبه بحرب الفراولة.

* المستشار عماد أبو هاشم: رئيس محكمة المنصورة الابتدائية.