قضايا وآراء

الإعلام المصري ودروس التحكم في الغضب

1300x600
أقترح على "مجدي الجلاد" رئيس تحرير جريدة "الوطن" الداعمة للانقلاب في مصر، إعطاء دروس تنمية بشرية عن قوة التحمل وضبط النفس والتحكم في الغضب، والتسامي الروحاني عن الإساءات. ذلك أنها ليست المرة الأولي التي تتعرض فيها جريدته للمصادرة وإتلاف نسخها بناء على أوامر عليا، بعد نشر الجريدة ملفا عن الجهات التي تعتبرها أقوى من "السيسي". فقد سبق وأن سحبت آلاف النسخ من الجريدة قبل أكثر من عام، عندما تحدثت عن الذمة المالية للسيسي قبل ترشحه للرئاسة، وأعلنت أن ثروته تبلغ 30 مليون جنيه.

وفي مارس الماضي، صودرت الجريدة أيضا، بعد نشرها تقريرا عن أهم الجهات السيادية المتهربة من الضرائب، والتي بلغ حجم الأموال التي ترفض دفعها ثمانية مليارات جنيه. 

في كل مرة تمنع الصحيفة من التوزيع، ويؤمر بوقف طباعتها لحين تغيير الموضوعات المطلوب حذفها.
وفي كل مرة من هذه المرات أيضا، لم ينبس "الجلاد" أو أي من الصحفيين الكبار في جريدته ببنت شفة، وصمتوا تماما ولم يعلقوا بحرف واحد، والتزموا بالتعليمات بصورة كاملة، وتدخلوا لتعديل المطلوب وإعادة إصدار الجريدة مرة أخرى. 

المضحك أن مضمون ملف الجريدة الذي تم الاعتراض عليه هذه المرة لم يكن يهدف بحال من الأحوال إلى الهجوم علي السيسي أو انتقاده، مثلما يفعل بعض الإعلاميين حاليا، بل إن العكس تماما هو الصحيح. فالأستاذ مجدي كان يحاول إقناعنا في هذا الملف بأن هناك جهات في الدولة أقوى من السيسي، وأنه لا يستطيع فعل شيء حيالها لإصلاحها. أي أن الجلاد يريد أن يصدر حكاية "الدولة العميقة" وأنها تعمل ضد السيسي مثلما تسببت في إفشال مرسي والانقلاب عليه، رغم أن هذه الدولة العميقة المزعومة كان يرأسها السيسي نفسه، وهي التي أوصلته إلى مقعد الرئاسة. ويريد "الجلاد" الآن إقناعنا بأن الجهات التي تتحكم في الجيش والشرطة والقضاء والإعلام والأجهزة السيادية هي التي تقف عائقا أمامه الآن.

لكن محاولة تصدير هذه المزاعم الطريفة ترق للسادة الذين يخدمهم الجلاد، ورأوا فيها إساءة للسيسي وإيحاء بضعفه، فصادروا العدد حتى لا يقال إن هناك من هو أقوى من السيسي. أساء "الجلاد" للسيسي إذن من حيث أراد تحسين صورته وتجميلها، وكان كالدبة التي قتلت صاحبها.

وقد خرج علينا "الجلاد" بعد مصادرة جريدته في برنامجه التلفزيوني وكأن شيئا لم يكن، بل حاول تبرير الملف وتقديمه باعتباره محاولة لمساعدة السيسي وليس انتقاده – تعرفون بالطبع أن انتقاد الذات السيسية جريمة كبرى لا بد من التملص منها وإنكارها، وأن شخصا مثل الجلاد لن ينتقد السيسي بحال، بل هو مجرد سوء تفاهم بينه وبين من يقومون بتشغيله. وقام أيضا بتحليل خطاب السيسي الأخير وحاول جاهدا استخراج مكامن الروعة والعبقرية فيه.

منع إصدار الجريدة لم تكن الإساءة الوحيدة التي وجهتها السلطة للجلاد وجريدته، فقد حاصرت قوات من الشرطة مقر الجريدة قبل نحو عام، واعتدت على الصحفيين والإداريين، ومنعت دخول وخروج أي شخص من المبنى، ليستغيث الجلاد بوزير الداخلية ومدير أمن الجيزة من غضب ضباطهما، وتعود المياه إلى مجاريها و"الصلح خير".

من المؤكد أن إدارة الغضب والحكمة وقوة التسامح التي حلت علي مجدي الجلاد لم تكن بالقديمة بأي حال من الأحوال، والدليل على ذلك هو كم الغضب والسخط والشراسة التي كان يبديها بلا رحمة في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، فقط عندما تم التحقيق مع رئيس تحرير جريدة "الدستور" إسلام عفيفي، ووجدنا في ذلك الوقت العنوان الرئيسي لصحيفة الوطن "يوم أسود في تاريخ الصحافة". واتخذ قرارا مع زملائه رؤساء تحرير الصحف بحجب صحيفته عن الصدور احتجاجا على الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي. ويشير صمت "الجلاد" تجاه ما حدث مع جريدته إلى احتمالين: إما أنه لا يعتبر ما حدث من الأيام السوداء للصحافة، أو أنه تعلم كيفية التحكم في المشاعر السلبية وكبح جماح الغضب –بالصدفة البحتة طبعا - بعد رحيل مرسي.

قوة التسامح والتسامي الصوفي لم تقتصر على مجدي الجلاد وجريدته فحسب، بل رأيناها كذلك مع كتاب وصحفيين من الذائبين عشقا في السيسي، ومع ذلك منعت مقالاتهم أو صودرت صحفهم أو منعوا من الكتابة رغم تأييدهم الصريح للانقلاب والمجازر بحق معارضيه. ورغم ذلك، فقد وجدناهم متفهمين للغاية من هذه المضايقات والانتهاكات بحقهم، ويرونها ضريبة لا بد منها من دفعها من أجل الوطن في معركته ضد الإرهابيين و"الأشرار" أعداء الوطن. وكما هو معروف، فإنه لا صوت يعلو فوق صوت هذه المعركة.

من هؤلاء الكتاب، الأستاذ "أنور الهواري" رئيس تحرير جريدة "المصري اليوم" الأسبق، الذي أعلن في مقال له في مارس الماضي في نفس الصحيفة أن إحدى مقالاته منعت من النشر، ورغم ذلك، فقد قال في الفقرة الأولى للمقال التالي الذي سمح بنشره: لم أزعل أن مقالة الأمس حُجبت عن النشر، بالعكس: أقدر المسؤولية الضخمة المُلقاة على الأعزاء الذين بيدهم قرار النشر في هذه الأيام، أقدرها من موقع مهني، وأحترمها من واقع إنساني. منتهى الحكمة يا أستاذ أنور!

المسؤولون عن قرار النشر بالمصري اليوم من المؤكد أن لديهم طاقة التسامح الموجودة عند الزملاء في "الوطن" والأستاذ "أنور الهواري"، والدليل على ذلك تقبلهم لسحب نسخ جريدتهم في أكتوبر من العام الماضي بصدر رحب، بسبب حوار مع اللواء "رفعت جبريل" مدير المخابرات الأسبق، بدعوى احتوائه على ما يمس الأمن القومي. ولا بد أن الأستاذ أنور تعلم منهم هذه الحكمة وطبقها على نفسه.

أما الدكتور "أسامة الغزالي حرب" رئيس مجلس أمناء حزب "المصريين الأحرار" الداعم للانقلاب، فقد تعرض هو الآخر لموقف مشابه جدا لما تعرض له "الجلاد" من حيث أراد التخديم علي السيسي، ولكن بطريقة كوميدية. فقد منع رئيس تحرير جريدة "الأهرام" مقالا له، بدعوى عدم اتفاقه مع توجهات السيسي في ما يخص العلاقات مع دولة السودان.

ظهر "الغزالي حرب" في برنامج تلفزيوني ليروي كواليس منع مقاله ويتحدث عن مضمونه، وإذا بنا نكتشف أن المقال الممنوع كان عبارة عن نداء إلى السيسي يدعوه إلى عدم المشاركة في حفل تنصيب الرئيس السوداني "عمر البشير"، لأن السيسي لا يجب أن يشارك في تنصيب ديكتاتور جاء بانتخابات غير شرعية –هكذا بالنص- بينما جاء السيسي بانتخابات شرعية! والمطلوب منا بعد ذلك أن نعلن التضامن مع هذا الكاتب بسبب مقال كهذا.

ومؤخرا ألقت السلطات القبض على الصحفي "إبراهيم عارف" رئيس تحرير جريدة "البيان"، وتحفظت على عدد الجريدة الأخير، كما أحيل إلى محاكمة جنائية عاجلة، بتهمة نشر أخبار كاذبة من شأنها تكدير الأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة، وأنه قام مع محررة بالجريدة باستغلال خبر اغتيال ثلاثة قضاة بالعريش لتضخيم الأحداث وصياغة خبر عن اغتيال ستة قضاة بدلا من ثلاثة. كل ذلك رغم أن هذا الصحفي مؤيد للانقلاب ومؤيد للسيسي، لكن ذلك أيضا لم يشفع له، ولم يتسن التأكد من موقفه الحالي، هل مازال مؤيدا ومحبا للجنرال ونظامه، أم تراجع عن هذا التأييد؟

فيما مضى كنا نتضامن مع منع الكتاب أو حجب مقالاتهم أو مصادرة صحفهم، لكن ماذا نفعل الآن وأصحاب تلك الحالات أنفسهم لم يشتكوا أو يبدوا تبرما من ذلك؟ بل إن أغلب حالات المصادرة والمنع تلك لم تكن تحتوي في مضمونها على أي انتقاد أو هجوم على السلطة الحاكمة، بل العكس هو الصحيح في كثير من الأحيان. وطبعا لا تسأل عن موقف نقابة الصحفيين، فقد ماتت وشبعت موتا.
ربما يجب أن نكتفي بتقديم العزاء لهؤلاء الكتاب والإعلاميين، لأنهم يجدون جفاء من السلطة التي يخدمونها بإخلاص وتفان، مع خالص الأمنيات بتغير المعاملة إلى الأفضل، وأن يدرك السادة مدى تفانيهم في تقديم فروض الولاء والطاعة ويقدروها حق قدرها.