قضايا وآراء

معالم الخذلان في مقال الدكتور غزلان

1300x600
سأكون شاكرا لقارئ يأتيني بجملة جديدة مفيدة في مقال السيد الدكتور محمود غزلان، الذي تم نشره على الموقع الإخواني "نافذة مصر" تحت عنوان:

"بمناسبة مرور سبعة وثمانين عاما على تأسيس الجماعة دعوتنا باقية وثورتنا مستمرة" والمتضمن 1569 كلمة، بحيث تكون جملة لم يطل بها من قبل على هذه الأمة المنكوبة من خلال مواعظه وتوجيهاته، التي كان يصدّرها للخلائق في صورة مقالات له أو أحاديث أو بيانات، والتي كانت تقطر كلماتها عنصرية واستعلاء، ولا تعرف التلطف في القول إلا مع الجلادين وأرباب السلطة الذين يفهمون جيدا معناها ومغزاها، وأنها ليست إلا تخديرا ومناورة للوصول إلى كراسي السلطة.

مقال السيد الدكتور محمود غزلان ليس موجهاً لأحد في الحركة الإسلامية، ولا لأحد في جماعة الإخوان المسلمين أصحاب الفهم الحصري والقصري لصحيح الإسلام كما يرى السيد غزلان، مما يمكن أن تطالعه فيما قال في ذات المقال:

" وجماعة الإخوان المسلمين تحمل الإسلام بوسطيته، وتمثل الاعتدال الأمثل بين المذاهب الإسلامية، فهي أكبر الجماعات الإسلامية وأكثرها انتشارا في العالم، كما أنها تتميز بالانفتاح والاستنارة التي تجعل مشروعها الذي تسعى لتطبيقه يمثل تقدما حضاريا ينافس بل يتفوق على الحضارة الغربية.

ومرجع ذلك أنها "اعتنقت الإسلام الصحيح"، وتمسكت بمبادئه، وانتهجت منهجه، متأسية برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه تمثل ثوابت الإسلام الذي تكفل الله بحفظه."

السيد غزلان اعتنق الإسلام الصحيح الذي لم يدع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يوماً أنه وصل إليه، بل كان يقول لمن مدحه:

"والله، إني إلى الآن أجدّد إسلامي كلّ وقت، وما أسلمت إسلامًا جيّدًا"

"وكتب إلى ابن القيم في آخر عمرِه قاعدة في التفسير، وعلى ظهرِها أبيات من نظمِه قال فيها:
 أنا الفقير إلى ربّ البـريّات *** أنا المسكين في مجموع حـالاتي

 أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي *** والخير إن يأتنا من عنده يأتـي

دعك من ابن تيمية لأن أحدث غلام في جماعة الإخوان المسلمين ما إن يحمل البيعة للمرشد ويدين بالولاء لمكتب الإرشاد، حتى يصير في نظر السيد غزلان وشُعبه وأُسره ومكاتبه الإدارية أعلم الناس بالإسلام الصحيح، الذي يتلقاه على يد السيد غزلان.

ورضي الله عن محدث الأمة الفاروق عمر الذي قال لكاتبه الذي كتب:

"هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب"

فقال له:

 "لا، امحه واكتب: هذا ما رأى عمر بن الخطاب، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر والله ورسوله منه بريء"

ودعك من الآلاف؛ الذين تفيض أرواحهم مقبلين غير مدبرين في ميادين العزة والشرف، يبذلون أرواحهم، ويسطرون بدمائهم في مقاومة الغزاة والدفاع عن عرض وأرض ومقدرات الأمة أسمى آيات الرجولة والتضحية والبذل، والجود بالنفس الذي هو أسمى غاية الجود. هؤلاء وغيرهم من ملايين الأمة التي انتفضت لتدافع عن الإخوان بما تمليه وشيجة الإيمان وآصرة الأخوة، ولم يسلموهم لعدوهم الذي أراد أن يستأصل شأفتهم، هؤلاء لم يعتنقوا الإسلام الصحيح الذي يعتنقه السيد غزلان.

في أقل من شهر؛ يستمع المراقبون والمتابعون على الأصعدة والجهات كافة إلى تصريحات من رئيس الإخوان بالخارج، يعلن فيها عن مراجعات لكل شيء في الجماعة، بداية بالفكر وانتهاء بالوسائل وكل شيء في الجماعة.

ثم يخرج الدكتور غزلان بعدها ليعلن أن:

"من آمن بدعوة الإخوان فلا بد أن يلتزم بثوابت الإسلام العامة، وأن يزيد على ذلك الالتزام بثوابت الإخوان، ولا يجوز له أن ينكرها أو يخرج عليها."

خرج الدكتور جمال حشمت في حوار لجريدة الشرق القطرية ذكر فيه:

( إنهم يقبلون بعودة الرئيس محمد مرسي مع انتخابات رئاسية مبكرة ).

فخرج المستشار وليد شرابي ليرد عليه عبر صفحته الرسمية على الفيسبوك بعدة تساؤلات، قرر في آخرها أن رأي السيد حشمت رئيس البرلمان المصري في الخارج وعضو المجلس الثوري:
" لا يمثل المجلس الثوري المصري في شيء"!

المتحدث الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين، خرج على العالم بعد تنفيذ بعض أحكام الإعدام ببيان جاء فيه:

"لا صوت يعلو فوق صوت دماء الشهداء التي سالت ظلمًا وفجورًا من قتلة لا يجدي معهم سوى القصاص، لا يجدي معهم سوى ثورة تجتز الرؤوس من فوق أجساد عفنة."!

"تقدموا في ثورة لا تبقي ولا تذر ظالمًا على أرض مصر، تقدموا وثوروا واثبتوا، أو تكفنوا بأكفانكم أو نرتدي ثوب المذلة والهوان."

"والله لن يمر إعدام الشباب الطاهر البريء، ولن تمر دماؤهم، ولن تسكن ثورة حتى تبيد كل الظالمين."
انتهى موجز بيان الناطق الرسمي للجماعة.

الذي اعتبرناه من وجهة نظرنا يأتي في سياق حمى الثرثرة وانفلات الأعصاب أمام الضربات الموجهة من سلطة الانقلاب الباطشة بالجماعة دون سقف أو حدود.

ثم لم نلبث قليلا حتى خرج السيد محمود غزلان بمقاله سالف الذكر، الذي لا تنظر إليه الجهات الموجه إليها ذلك المقال، إلا أنه من قبيل توزيع الأدوار بين القادة القدامى والأفراد والشباب الجدد.

كتب الناشط الإخواني عمرو فراج المدير لشبكة رصد التي يتابعها  أكثر من ثمانية ملايين متابع على الفيس بوك، كلاما على حسابه على الفيسبوك على إثر مقالة الدكتور غزلان، ثم عاد وأزاله ومحاه بعد ساعات واعتذر عنه، وليسطر محله كلاماً يثير شفقتك على ما آل إليه حال هؤلاء الناس وما يفعلونه بأنفسهم قبل غيرهم.

ما ذكرناه من أمثلة حدثت في أقل من شهر مثال للإسلام الصحيح ولعلم الأخلاق السياسي عند السيد غزلان.

كان يسع جماعة الإخوان المسلمين إذا كان بيان المتحدث الرسمي لها قد صدر في لحظة غضب يتفهمها الجميع بمن فيهم سلطة الانقلاب، أن تصدر بياناً تلغي به السابق وتعتذر فيه بوضوح عنه، وتقرر به ما قاله السيد غزلان، ويسبق هذا تفعيل لذلك الكلام على أرض الواقع وينتهي الأمر.

ونحن هنا لا نوجه أو نقرر للإخوان ما يفعلون، لكننا ندافع عن فهمنا لديننا، الذي نطمع في سعة رحمة الله أن يتجاوز عما به من خطأ وقصور، والذي لم يزدنا فيه جهل الإخوان علينا إلا حلما ورفقا بهم، آملين ألا يحرمنا الله وإياهم وصالح المسلمين منزلة الفائزين:

" وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48)" الحجر.