قضايا وآراء

مراجعات الإخوان.. لماذا ومتى وكيف؟!

1300x600
نادى كثير من المخلصين جماعة الإخوان بضرورة إجراء مراجعة داخلية، وهي دعوة ربما أجلها البعض بعلة المحنة التي تعيشها الجماعة، وهي علة لا تصلح دنيويا، ولا تستقيم دينيا، وهو ما سأفصله في مقال منفصل إن شاء الله.
 
إن الراصد للحركات الإسلامية وفي القلب منها الإخوان، يجد الحاجة ملحة لإجراء مراجعة على كل المستويات، سواء على مستوى: الأفكار، والمواقف، والعلاقات، والمشاريع، والقيادات والأفراد، وكيفية محاسبة كل منهما، هل الجماعة تعمل بشكل مؤسسي، أم تحتاج إلى إعادة هيكلة لتكون أكثر مؤسسية، وهل هناك خطة واضحة موضوعة تجيب عن أسئلة: أين نحن؟ وماذا نستهدف؟ وما الوسائل التي تحقق الهدف؟ وهل قيادات الجماعة عن الفترة السابقة على استعداد لتقديم كشف حساب عما سبق، فيم نجحوا؟ وفيم أخفقوا؟ ولماذا؟ وهل مستعدون لطرح أنفسهم من جديد لنيل ثقة الأفراد، أو سحب الثقة منهم؟ فيقينا من كان سببا في مشكلة لن يكون جزءا من الحل، كل ما ذكرت يحتاج إلى سلسلة مقالات لعل الله يوفق بتناولها جميعا، بكل وضوح، واضعا نصب عيني قوله تعالى: (إن اريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) هود: 88.

فعلى مستوى أفكار الجماعة، تحتاج الجماعة أن تحسم أمرها، هل هي جماعة إصلاحية، أم ثورية، فإذا كانت الجماعة قد اختارت الخيار الثوري، فعليها أن تغير أدبياتها للتوافق مع هذا الخيار، فأدبيات الإخوان لا تمت للثورة بصلة، هل يعقل أن جماعة تواجه انقلابا مدعوما إقليميا ودوليا، تواجهه بأدبيات أفضل ما يقال عنها أنها أدبيات محنة، لمن يريد الثبات والصبر عليها، وليس من يريد أن ينهي المحنة، ويحولها إلى منحة، هل يعقل أن حسن البنا يضع لائحة عام 1939 سماها (لائحة المنهاج الثقافي)، وضع فيها كتبا لمن يحق له أن يكون من دعاة الإخوان، قرر فيها ثلاثة كتب في علم الاجتماع للعالم الفرنسي جوستاف لوبون، وهي: (روح الاجتماع) و(روح الثورات) و(سيكولوجية الجماهير). ليصنع بها عقلية متحررة مستنيرة علميا، تستطيع أن تواكب بها الحياة، وهي كتب أزعم أن كثيرا من أفراد الجماعة لا يسمعون بها، فضلا عن قياداتها إلا ما رحم ربي. 

أفهم أن مناهج الإخوان يكون فيها قسط ديني وتربوي، لكن ينبغي أن يكون فيها قسط يواكب المرحلة التي يعيشونها، فهناك كتاب حدثني عنه أحد الإخوة يقول: وكأن السيسي يمشي على خطواته خطوة خطوة، والكتاب من قسمين، فحوى القسم الأول: كيف تسقط ثورة؟ والقسم الثاني منه: كيف تسقط انقلابا؟ وقد ترجم ملخصه بعض الإخوة، فكيف لا يقرر كتاب مثل هذا في مناهج الجماعة؟! وكتب أخرى عن كيفية مواجهة القمع والاستبداد بكل وسيلة ممكنة مشروعة.

كما على الجماعة أن تحدد هل لا تزال جماعة دعوية والسياسة جزء منها، أم أنها الآن أصبحت كيانا سياسيا الدعوة جزء منه، لأنها تحولت بعد الثورة إلى كيان سياسي أكثر منه دعوي، ولست أعيب عليها ذلك، ولكنها بالأساس لم تقم وتؤسس على هذا، ولم يهيأ أفرادها لذلك بوضوح، كما أن أدبيات الإخوان داخل محاضنها التربوية لا تحسم ذلك أيضا بوضوح، وللخروج من هذا الأمر كنت -ولا زلت- أرى أن تعلن الجماعة ترك الأمر السياسي تماما لحزبها (الحرية والعدالة)، يمارس السياسة بكل تفاصيلها الجزئية، ويظل أداء السياسة للجماعة من باب الاهتمام والنضال الوطني، ويترك تفاصيل العمل الحزبي السياسي بكل ما فيه وما عليه، لكيان سياسي منفصل وهو الحزب، وذلك بإعادة ظهوره وعمله في كل تحركها السياسي. 

فالملاحظ أن تحالف دعم الشرعية مثلا، نرى الموجودين فيه دخلوه ككيانات حزبية، وليس كجماعات دعوية، فحزب الوسط، والوطن، والأصالة، وجميع أحزاب التحالف، تتعامل بصفتها الحزبية، وليس بصفتها الدعوية، وهي صفة سياسية مطلوبة، عدا الإخوان التي تتعامل بصفتها الجماعية الدعوية، وهو خطأ في التوجه، وخطأ في التعامل.

هاتان نقطتان مررت عليهما مرور الكرام، ولإكمال بقية النقاط حديث آخر، في مقالات أخرى إن شاء الله.