مقالات مختارة

أطماع العالم و«إسقاط» شعب سوريا

1300x600
المحصلة أن يلتقي الجميع، بأدوارهم ونياتهم المتناقضة، على ضرب الحلقة الأضعف في المعادلة، أي الشعب الأرقام فظيعة، مرعبة، لكنها لا تعني شيئاً اذا نحّينا جانباً أن كل جزء فيها يرمز إلى وجه واسم، إلى إنسان كان هنا ولم يعد، أو يشير إلى بيت ومدرسة ومستشفى ومتحف ومسجد، أو يقدم حصيلة عمليات تعذيب في السجون.

المأساة السورية أنهت عامها الرابع، ولا تبدو مستهلّة عامها الأخير. وما دامت الذكرى حلّت فقد دفعت المنظمات الإنسانية والحقوقية إلى التذكير بالأرقام المروّعة لعدد الضحايا مع التنويه بالأطفال، غير أنها أطلقت أيضاً صرخة لتنبه العالم بأنه «مسؤول» عن إحدى أكبر المآسي التي شهدت خلال العام 2014 أسوأ مراحلها من دون أي ضوء في نهاية النفق. ما لم تقله هذه المنظمات إن العالم توقف عن العدّ، فالأرقام التي ظهّرتها متواضعة ولا تعكس الحقيقة، بل هي مجرد فكرة عما يُعتَبَر «غير مقبول» لكن العالم برهن أنه يقبله أو يطلب المزيد بدليل أنه لا يحرّك ساكناً لإنهاء هذه المحنة. فمنذ نهاية عام 2013 اعتُمد رقم الـ 200 ألف قتيل كأنه حد أقصى «معقول»، وورد في تقارير أخيرة أن الجرحى والمصابين نصف مليون، أما الواقع كما يراه الميدانيون فيقترب بلا مبالغة الى الضعف. وقدّرت خسائر الدمار الهائل في عموم المناطق بنحو ثلاثين مليار دولار، لكن دراسات جدية بيّنت أنها معطوفة على انهيار الاقتصاد وانعدام الإنتاج تجاوزت الضعف. والأكثر هولاء أن النظام السوري دفع إلى دول الجوار بشعب اضافي نازح لا يملك شيئاً ويحتاج إلى كل شيء، من الطعام إلى الرعاية الصحية إلى تنشئة الأطفال، وإذ أبدى العالم التعاطف والاهتمام أولاً فإن إطالة الأزمة أدت الى إجحاف متزايد.

كانت في بدايتها ثورة شعبية أظهرت السلمية والعفوية، قبل أن تتوغّل في القدرية و«يا الله ما لنا غيرك يالله»، مع إصرار النظام على سفك الدماء. وأصبحت «حرباً أهلية»، أو «مواجهة بين الشعب والسلطة»، كما يفضل المعارضون تسميتها، لمجرد أنها ليست «بين الأهل»، بل بين شعب ونظام حكم ذهب إلى أقصى العنف ليؤكد أنه يحتقر شعبه، تلك الثورة لم تكن على الدولة، بل على هذا النظام، بل كانت تميّز بينهما، كما ميّز أخيراً «جون برينان» مدير «سي. آي. إي»، ولو النظام ميّز أيضاً بينه وبين الدولة لما بلغت الأزمة هذا المستوى الخطير من التخريب واستحالة التعايش مستقبلاً بين فئات الشعب. فالطغمة الحاكمة صادرت الدولة وجعلتها على شاكلتها، فضلت القتل على سماع الاحتجاجات، واستعداء الشعب على التصالح معه، بل رغبت في وجود «مؤامرة خارجية» لتبرر جرائمها واستيراد «حلفاء/ أعداء» يؤازرونها في القتل والتدمير، وصولاً الى استيراد مجموعات الإرهاب وتوظيفها في إفشال ثورة الشعب وإفسادها.

ولدى هذا النظام حالاً آمال متعاظمة في أن يستعيد السيطرة والحكم، كما لو أن شيئاً لم يكن، لأن العالم الذي فشل في ردع «النظام/ الدولة» عن مواصلة قتل الشعب، يريد الآن أن ينجح في القضاء على الإرهاب، ويرى أنه مضطر للتعاون مع الطغمة إياها التي صنعت تنظيم «داعش» ووحشيته وهمجيته. فتكون المحصلة أن يلتقي الجميع، بأدوارهم ونياتهم المتناقضة، على ضرب الحلقة الأضعف في المعادلة، أي الشعب. وما يعزز حظوظ النظام ليس الأمر الواقع على الأرض فحسب، بل تسليم أمره وقضيته للحليف الإيراني كي يساوم عليهما في صفقات «الاتفاق النووي»، بعدما كان سلّمهما في مرحلة سابقة للحليف الروسي الذي استخدمهما في مواجهته مع الولايات المتحدة. يندر أن يوجد نظام سياسي لا يقيم اعتباراً لبلده، فلا هو ملزم بالدفاع عن دولته وحماية شعبه وتطوير مقوّات اقتصاده وصون تاريخه، وإنما هو ملزم بضمان بقائه في السلطة، فقط لا غير.

لابدّ أن يكون الحل في سوريا سياسياً، وغالبية من يردّدون ذلك يومياً ساهموا في تأجيج العبث العسكري البشع في الأزمة، حتى غدت الإشارة الى «الحل السياسي» كأنها «كلمة السرّ» للنظام وحلفائه كي يصعّدوا ضغوطهم العسكرية، فيما يزيد أنصار ذلك «الحل» من تهاونهم في مساعدة الشعب على الصمود والبقاء. كثير من الانتهاك للمبادئ الإنسانية والتمجيد للإجرام، كثير من معاكسة حركة التاريخ، وكثير من التغوّل في الأطماع وجشع المصالح دولياً واقليمياً. أدّت وتؤدّي إلى الإسقاط للشعب السوري لمجرد أنه رفع صوته دفاعاً عن حريته وكرامته وحقوقه.



(نقلا عن صحيفة الاتحاد الاماراتية)