مقالات مختارة

حرب العرب والأكراد.. وحرب الإيرانيين والأتراك

1300x600
كتب إبراهيم قرة غل: يجب علينا أن نفكر ملياً قبل التكلم عن "داعش"، التي انسحبت مؤخراً من "كوباني" بعد مقاومة طويلة، بالرغم من أن قوتها تزداد في سوريا والعراق، وتستمر في استهداف الأكراد بشكل خاص في كل جبهة. 

وتشير المواجهات التي شهدتها "كركوك" بين "داعش" والأكراد، إلى أن الحرب بينهما سوف تستمر وتتسع رقعتها بشكل مؤكد.

وفي حين أن هذا التنظيم يظهر نفسه على أنه عربي سني، ويستهدف التنظيمات الشيعية، فمن هم الذين يحرضونه على الأكراد السنة؟

بدأنا نرى أن "داعش" التي تتبنى الحرب الطائفية أصبحت أيضاً تخوض معاركها على أساس عرقي في مناطق الصراع.

يبدو أن هناك طرفاً معيناً يدفع باتجاه تأجيج المعركة أو الخلاف بين العرب والأكراد. وفي حين أنه يكون من الأولى لإيران توقيف "داعش"، فإننا نرى البعض يدفع الأكراد ضد هذا التنظيم، وكأن الطريق الذي فتحته "داعش" يراد أن يتم إغلاقه عن طريق الأكراد. وهنا نطرح سؤالاً مهماً: هل هناك من يدفع "داعش" ضد الأكراد؟ أم أن الأكراد دُفعوا إلى الجبهة من أجل إيقاف خطر "داعش"؟

شهدنا خلافاً بين العرب والأكراد بعد احتلال العراق؛ ففي حين أن الجماعات العربية السنية شكلت فصائل مقاومة مشتركة ضد الاحتلال، نرى أن إدارة شمال العراق أصبحت عدواً لهم. لكن هذه الأزمة بقيت محصورة في العراق، ولم تنتشر. أما اليوم فنحن نشهد نزاعاً جديداً بين العرب والأكراد قد انتقل إلى سوريا مع انتشار "داعش"، إضافة إلى النزاع الذي كان موجوداً بين العرب والفرس على النفوذ في المنطقة.

أكثر الجمل المخيفة: "الإسلام سيحارب بعضه من الداخل!"

إن أكثر الجمل التي أخافتني في السنوات العشرين الأخيرة هي أن "الإسلام سيحارب بعضه من الداخل!". 

قدم بعض الذين يحيكون المؤامرات لهذه المنطقة هذه العبارة؛ ليبرروا بها تصرفاتهم، ويعيقوا معارضيهم السياسيين.

 مع الأسف، فإن المشاكل السياسية في المنطقة والظلم الذي وقع فيها جعل هذه المقولة حقيقة، وانقسمت المنطقة بأسرها بحسب الهوية المذهبية والعرقية، وتحاربت التنظيمات على هذا الأساس بشكل غير متوقع.
 
هناك من يؤجج المسلمين ضد بعضهم البعض

استمرت تلك المقولة لسنوات طويلة في منطقة الشرق الأوسط كركيزة أساسية في الصراع العربي الإيراني، ولطالما تمت تصفية حسابات بين القوى والتنظيمات على أساس الخلاف السني الشيعي. وسنرى استمراراً لهذا الخلاف في مناطق أخرى كما شهدناه في لبنان والعراق، وانتقل إلى سوريا ومؤخراً اليمن.

عملية السلام تتحدى هذا المشروع

من هنا نستطيع القول إن عملية السلام بين الأكراد وتركيا لا تخص تركيا وحدها فحسب؛ وهناك أمثلة عديدة على ذلك في المنطقة. تحاول تركيا أن تفشل كل المساعي الرامية إلى تخريب عملية السلام مع الأكراد؛ لكي لا تترك لهم ذريعة في افتعال المشاكل من داخل تركيا.

وسوف تثبت لنا الأيام أن عملية السلام هذه هي إحدى وسائل تركيا لمنع تقسيم المنطقة وفق الحسابات الدنيئة.

 لكنني على ثقة بأننا لا نمتلك في المنطقة طاقماً سياسياً على دراية كاملة بهذا الأمر. 

ولذلك، فإني أرى أن من الطبيعي أن نشهد في السنوات القادمة تحول السلام بين الأكراد والإيرانيين إلى حالة مواجهة مباشرة. ولو دققتم جيداً بمجريات الأمور في المنطقة، فإنكم تجدون أن التحضيرات لهذه المواجهة بين الأكراد والإيرانيين قد بدأت من الآن من قِيَل الذين يديرون صراعاتهم على أساس عرقي.

يريدون حربًا بين تركيا وإيران

من أهم الركائز في "خطة الصراع" في المنطقة هي المواجهة بين تركيا وإيران؛ حيث إنه تم تمرير العديد من المشاريع من خلال تأجيج الخلاف بين تركيا وإيران، اللتين تتنافسان على المنطقة نفسها، وتم استعمال مشاكل النظامين لهذا الهدف.

كانت ستتم إضافة المواجهة التركية الإيرانية، والكردية الإيرانية، إلى المواجهة العربية الإيرانية، وبهذا تسود المنطقة حالة فوضى عارمة بكل ما للكلمة من معنى. وكنا سنشهد حالة انقسام، وتشكل دويلات صغيرة لن تتحد ربما بعد مئة سنة قادمة. 

المعادلة الوحيدة هي النظام السلجوقي

دعونا نتفق على هذه النقطة: إن كل كيان سياسي أو قوى محلية لا بد من أن ترتبط بأحد هذه العناصر العرقية الأربعة في المنطقة. 

لا يمكن لأي كيان سياسي أن يصمد من غير ارتباطه بالعرب، أو الأتراك، أو الأكراد، أو الإيرانيين. كانت الدول أو الحركات السياسية في هذه المنطقة منذ ألف عام وحتى يومنا هذا مرتبطة بأحد هذه العناصر على الأقل وربما أكثر. 

وأفضل من استطاع أن يوحد هذه المنطقة بتنوعها العرقي هم السلاجقة، ونظامهم السياسي المميز.

تعتبر خطة الصراع أخطر تحدٍ تواجهه المنطقة في القرن الحادي والعشرين، من خلال تأجيج الصراعات بين هذه العناصر الأربعة. وفي الحقيقة، فإن هذه الخطة طبقت أيضاً في القرن العشرين؛ وخاصة في تركيا من خلال تعميق الخلافات أكثر مع العرب، وإدخال بعض العبارات المعادية لهم على ثقافتنا عنوة. لم نفلح في الفترة الماضية في تخطي هذه العقبة، ولم نستطع إنشاء اتحاد قوي بين هذه العناصر الأربعة.

بعد الحرب الباردة، زادت العلاقة بين هذه العناصر الأربعة، وأزيلت بعض العوائق، وتحسن التواصل فيما بينهم، بالرغم من أن المنطقة لم تكن على جاهزية كاملة للمضي نحو الاتحاد. 

وفي هذه الفترة تماماً بدأ سيناريو جديد، ودخلت المنطقة في خلافات جديدة على أسس مذهبية وعرقية، وأنشئت التنظيمات والأحزاب لتصفية الحسابات، من أجل تقطيع أواصر العلاقات بين عناصر المنطقة.

واليوم نشاهد محاولات لفتح حرب أكبر مما كانت عليه؛ يريدون أن يفتح كل عنصر منهم حرباً مع باقي العناصر على هذا الأساس القومي. وهكذا فسوف  يتمكنون من تقسيم المنطقة من جديد حسب أهوائهم.

لا نعرف ما الذي سيحدث بعد 10 سنين، لكنه لا بد من أن نعمل جاهدين عكس هذا التيار، لمنع المنطقة من الانزلاق في هذا الطريق الوعر! لا بد أن نحارب كل محاولات تأجيج الحرب العرقية... في البداية بالاستمرار بعملية السلام الداخلي.

 لقد نصبوا هذا الفخ للجميع دون استثناء، يحاربون به بلادنا وتاريخنا!

(عن صحيفة "يني شفق" التركية- ترجمة "عربي21")