مقالات مختارة

تونس: هل من مخاطر لـ «العنف اللفظي»؟

1300x600
كتب عبد الوهاب بدرخان: لم تحتدم المعركة الرئاسية بعد في تونس، لكن الدورة الثانية الحاسمة أواخر هذا الشهر استبقت بمعركة تشنج كلامي أشعلتها تصريحات المرشحين الباقيين في السباق، رئيس حزب «نداء تونس» الباجي قائد السبسي ورئيس حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية» منصف المرزوقي.

وتميّزت الأيام الأخيرة بوقفات احتجاج في العديد من المدن والمناطق، خصوصاً في جنوب شرقي البلاد (صفاقس ومدنين وتطاوين) ووسطها الجنوبي (القصرين وفريانة)، ولتحديد المواقع هنا أهمية خاصة لأن التقارير التي حلّلت اتجاهات التصويت في انتخابات 23 نوفمبر أفادت بأن الجنوب والوسط مالا إلى المرزوقي، في حين أن ثقل الجسم الناخب لقائد السبسي تركّز في الشمال والساحل.

الجهوية بلون سياسي ليست مستهجنة، فللجهات أو المناطق أهواؤها ومطالبها وقربها أو بعدها من المرشحين. لكن الألوان السياسية في هذه الحقبة العربية القاتمة باتت معبّرة عن الانقسامات التي ضربت المجتمعات في غمار تحوّلاتها. وفي تونس، حيث كانت انطلاقة «الربيع العربي»، تقلّبت التجربة بين هبّات ساخنة وباردة، وشهدت صعود تيار الإسلام السياسي إلى أعلى هرم السلطة بتصدّره المشهد (بعد انتخابات 2011)، ثم اضطراره للخروج من الحكم عشية انتخابات الشهر الماضي، التي تراجعت فيها حركة «النهضة» إلى المرتبة الثانية ولم يحرز حلفاؤها السابقون في «الترويكا» نتائج تتيح لها المناورة، فخريطة البرلمان المنتخب أبرزت قوى جديدة أو قديمة عائدة، وأصبحت واجهة البرلمان لـ«نداء تونس» وتصدر مرشحه انتخابات الرئاسة.

كانت نسبة الأصوات التي حصل عليها السبسي (39,1%) قريبة مما حصده حزبه في الانتخابات التشريعية (39,46%)، بينما نال المرزوقي 33,43%، ما يساوي تقريباً مجموع ما حصّله حزبه (1,8%) وحركة «النهضة» (31,7%) في التشريعية، علماً بأن «النهضة» لم تتقدّم بمرشح للرئاسيات وأعلنت أنها تركت لأنصارها «حرية الاختيار». غير أن مجريات التصويت وانتشار المندوبين «النهضويين»، ونتيجة الفرز أظهرت أن «الحركة» هي التي أحلّت المرزوقي ثانياً في مواجهة السبسي. وما كان من الأخير إلا أن أعلن أن منافسه «مرشح الإسلاميين والسلفيين الجهاديين»، وزاد أن تونس ستنقسم في الدورة الثانية إلى شقّين: «الإسلاميون من ناحية، وكل الديمقراطيين وغير الإسلاميين من ناحية أخرى».

وبذلك اندلعت الحرب الكلامية، إذ ردّ المرزوقي بأن فوز السبسي سيقود البلاد إلى مرحلة عدم استقرار، وقبل ذلك كان وصف «نداء تونس» بـ«الطاغوت» الذي سيعيد الدكتاتورية. لكن الفيسبوكيين والمغرّدين ذهبوا بعيداً في جرعات متبادلة من الشتم والإهانة والعنف اللفظي، وزاد من وطأتها أن «أبطالها» من الشباب، وفاقم خطورتها أنها تضمّنت تحريضاً مكشوفاً على الكراهية. فالتصنيف «الإسلامي» يوازي «الإرهابي» بلغة هذه الأيام، وإذا أُسقط على جهة (جنوب ووسط) يصبح تشهيراً بها. لذا هبّت الاحتجاجات والشعارات من قبيل «لا جنوب ولا شمال، أولاد تونس الكل أحرار»، و«اتهام الخصوم بالإرهاب إرهاب»، و«حرية الاختيار حق دستوري»، و«لا أحد يحق له احتكار الديمقراطية والوطنية».. لذا رأى السبسي أن يصحح موقفه في أول لقاء انتخابي لأنصاره، فقال إن «شعب تونس واحد، ولا فرق بين شمال وجنوب».

لكن هذا لا ينفي الواقع الذي عكسه الاقتراع، أياً تكن التسميات والتصنيفات، وبمعزل عن قربها أو بعدها عن الإرهاب ومصطلحاته، إلى حدّ أن «الانسجام» الذي يتسم به المجتمع التونسي، وساعد كثيراً في تخطي العقبات في المرحلة الانتقالية، يبدو الآن مهدداً بتظهير انقسام جهوي لتغليف انقسام سياسي وأيديولوجي.

وفيما كان الرئيس الفرنسي يحيي «التجربة التونسية» في قمة الدول الفرانكوفونية في دكار نموذجاً «لاحترام قواعد الديمقراطية واحترام القوانين الدستورية وتطلعات الشعوب إلى انتخابات حرة»، كان الوسط السياسي التونسي يبدي مخاوف حقيقية على «الوحدة الوطنية» ويدعو إلى درء «الفتنة» في أجواء إشاعات شتى.

أياً كان السيناريو الذي سيخرج من صناديق الانتخابات الرئاسية، يفترض أن يفضي المشهد المقبل إلى صيغة مشاركة، كان الحزبان الأكبران أكدا حرصهما عليها، لكنهما لم يجدا وسيلة لتوضيحها قبل الانتخابات. ولعل إعادة تنشيط الهيئة الرباعية للحوار الوطني والتفاهم على إبقائها في المرحلة المقبلة، من آليات تنفيس الاحتقان التي يحرص هذا الفريق أو ذاك على إذكائها وسيلةً لاستمراره السياسي.



(صحيفة الاتحاد الإماراتية)