مقالات مختارة

نيران المنطقة ستحرق الجميع

1300x600
كتب مطاع صفدي:
تظل مشكلة حكم العالم العربي هاجساً أولياً محركاً لمختلف المتغيرات العنفية التي تجتاح المشرق بخاصة. فهذه المنطقة هي البقعة البركانية المولّدة هذه الأيام لبعض أهم مفاتيح الصراع الجيوسياسي الدولي، المحدد بالخارطة الأوسع للتنافس المستقبلي، حول سؤال: من سيحكم عالم الغد سياسياً واقتصادياً، وليس عسكرياً فحسب.

فالتفجير المتمادي لأقاليم المشرق لا يخدم سكانها وشعوبها بقدر ما هو التعبير الرمزي المبكر إلى حد ما عن قوة التاريخ الكوني الذي يوظف الطوارئ اليومية لحساب معادلاته كما يرسمها له قادة سريون، ليسوا هم حتماً من كبار المفكرين أو الساسة العظام، لكنها من صنع التحولات الذاتية شبه الصامتة لمصائر إنسانية فاعلة من ما وراء مدعي التخطيط الكلي لمسيرة الحضارة. هذه الحضارة التي قد يتسع أو يضيق تعريفها بحسب الناطقين بتعابيرها، وما يوظفونه خلالها من مصالح مستقبلهم كوعود تخصهم وحدهم من دون بقية العائلات الإنسانية، كأنما لم تعد لها علاقة بتلك الحضارة.

أحادية الحضارة تعني شعوبها الأوروبية كتصنيف لامتيازاتهم المسبقة على بقية المعمورة. وهذه الأحادية ليست مجرد تسمية نظرية لأحوال التفوق والتميز فقط، بل هي ذات مفاعيل تتخذ وظيفة المرجعية الشمولية المسكوت عنها، ومع ذلك فهي التي تبرز جدواها تحديداً، خلال الصراعات السياسية الكيانية ما بين الغرب والعالم الخارجي. فإن إشغال هذه السياسة بواسطة البؤرة الرئيسية للحروب، كما هي متجولة في أنحاء العالم الثالث والعربي منه تحديداً، يعيد ويكرر أولوية هذه المرجعية باعتبارها هي جوهر الكينونة المتفوقة لمالكي الحضارة أو لمحتكري هذه الملكية برضى أعضائها أو قسراً عنهم جميعاً.

فالشر المستطير أو المحض قد لا يعترف بقيادة معينة له. لكنه كان هو الرفيق الدائم والمصاحب لفتوحات الغرب. وفي نهاية الطريق الطويل لهذه العلاقة تحطّ رحلةُ الشر المحض رحالَها في موطن براكين الشرق الأوسط. ههنا لا تواجه حضارة التفوق مجرد منافسين عابرين بالتاريخ، بل هم المتجذرون به، حتى درجة التوحد بينهما أحياناً، كأن عالم المشرق هو الموكول إليه بمهمات الحسم الكبرى في تكوين التاريخ بما يصنعه من تكوين لذاته ضداً على تعديات الدخلاء الطارئين عليه.

هذا الجحيم الهائل المسيطر على المشرق ليس من مجريات الأحداث العادية، ولا حتى من تلك الحدثيات الكونية الكبرى التي غيرت دائماً من وجهة الإنسانية الضائعة في دياجير الظلام الكوني من حولها. لم تعد أهوال ذلك الجحيم تطابق أسماءها الاصطلاحية. فالحروب والمقتلات والفظائع ومعجزات القهر البدائي وكوارثه غير المألوفة، لم تعد قابلة للتحليل ولا حتى لأبسط أشكال التصنيف الموضوعي. إنه الجحيم الذي يخترع نيرانه بأحطابه الخاصة. إنه الجحيم الذي لا تعرفه حتى الكتب المقدسة المعتادة على تذكير البشرية الخاطئة بتهديداته الرهيبة المنتظرة. فهذا الجحيم قطع كل صلة بفلسفات التديّن والأخلاق والسياسة، إنه صنيعة أحقاده الأزلية التي لاتزال تتصارع مع أوثانه المتيّبسة منذ بداية الدهور.

يتبرأ بعض الرأي العام هنا في الغرب، من كل إدانة إزاء ما يفعله قادته من تسعير أوار جهنم الشرق الأوسطي، كأنما آثامه هي المتكلفة وحدها بمعاقبة جلاديه وضحاياهم في وقت واحد.. فلماذا كل هذه المجازر إن كان الغرب كما يعتقد أدعياء عظمته، أنه هو الممسك دائماً بدفة السفن مهما بلغ عصف الأعاصير. لكن لا أحد من فلاسفة الحقوق الإنسانية يطالب زبانية جهنم بالتوقف عن إحراق كتل الشعوب المستضعفة هنا في أفرانه اللعينة. فلماذا هذا التسامح العجيب بين المجتمعات الغربية وساسته المخضرمين منذ الاستعمار القديم إلى اللحظة الراهنة من اختراع صيغة الجحيم الإقليمي الكلي كبديل عن الاستعمار البشري العسكري والتجاري. فما تحققه هذه الصيغة الجنونية ليس هو انتقال من حروب واقتتالات شعبوية متسلسلة من فظائع بعضها البعض فحسب، بل يصير تفجيراً مضطرداً لشرور أخرى أفظع؛ فكلّ حدث جديد هو بمثابة تحوّل أخطر واقع في مفاصل البنية الجهنمية ذاتها للكارثة المستدامة.

لقد فقدت صراعات المنطقة العربية معانيها العادية وليس الثورية فقط، والناس في بلادنا الذين اعتادوا كراهيةَ العنف مهما كانت مبرارته، وجدوا أنفسهم أخيراً أسرى صنوف العنف المعروفة وغير المسبوقة في وقت واحد. فلم يعودوا يكترثون بحصائل الكوارث، كأنها أمست من حقائق الوجود تلك التي لا أحد مسؤول عنها، سوى أنها مفروضة على الجميع بدون تمييز في هذا الجميع ما بين مجرم أو مخطط أو شاهد أو مراقب. فحين يحتدم أوار جهنم يصبح كل حي جزءاً من وقوده، ومن رماده في المحصلة. وقد يقال في معرض تأويل لظاهرة جهنم، إن الغاية القصوى التي اخْـتُرعت من أجلها هذه الظاهرة، ليست تدشيناً لسياسات المؤامرة ومناهجها المتنوعة، وإن كانت جهنم سوف تتفوق أحداثها على مجمل التاريخ السري للمؤامرة.

ذلك أن دفع أمم حضارة كبرى، كحضارة العرب والاسلام الغابرة، إلى إعمال الاقتتال كأعلى منتوج لهمجية البطش الجماعي، بديلاً عن دعم ثقافة السلم الأهلي، ذلك هو سر الانتقام الأخفَى لوَرَثة الاستعمار الغابر، من أجيال الحرية الجديدة التي انتدبت نهضة العرب المعاصرة نفسها لتكون رائدتَها ليس عالمثالثياً فقط، بل عالمياً إنسانياً حقيقياً باسمه وشعاراته. أليست جهنم الحمراء التي نجحت حتى الآن نسبياً في عصفها الناري لتحرق المواسم الأولى للربيع العربي. فما كان يخيف حقاً حراس المشروع الثقافي للغرب هو أن يولد الربيع عربياً ليصبح ربيعاً عالمياً. لذلك صدر قرار الغرب بتفجير الربيع أهوالاً نيرانية كيما تبيد أخضره قبل يابسه.

ما لا يقدر المشروع الثقافي للغرب على تحمله هو أن تنبثق الديمقراطية الحقيقية ولو لمرة واحدة، وأن تتولَّى انبثاقَها شعوبٌ (أخرى) نائية أو حتى دانية وقريبة. فكيف يمكن لأي فكر كوني أن يبشر باستعادة الثقة بمولد عدالة ما، بعد أن أصبحت جهنم وحدها هي محرك المتغيرات الشمولية، كيف يمكنها لأن تسترجع شريعة الحرية مرفقة بانتظام الأمن والسلام لإنسانية لا يزال سيادها الأقوياء هم حرّاسها وزبانيتها، وربما لن يكونوا قريباً من وقودها الأخيرة.

كأن التاريخ قد فارق نهائياً ثقافة التطور حسب إيقاع التراكم الإيجابي لحصائل التجارب السياسية الجماعية. فقد اهترأت وسائل التغيير من إرث هذا المبدأ، لم تتبقَّ إلا صيغة المحارق العظمى التي تُدفع إليها الشعوب دفعاً جنونياً، بحيث تبُوء مذاهبُ العقلانيات بالخيبات والهامشية على قارعة الطرق الموبوءة بأجيال من وحوش جديدة منحدرة من صلب هذه الإنسانية الهوجاء نفسها، والمتعامية عن شرورها باختيارها.

هل أصبحت (جهنم الحمراء) رائدة التغيير الشرق أوسطي. هذه هي معجزة الولادة المستحيلة لديمقراطية لم تعد تبشّر إلا بتعميم حتمية الاقتتالات الذاتية، لتُولد الشعوب بعدها متساوية في مصير الرماد المظلم، وما بعده من رماد ورماد.
(القدس العربي 10/11/2014)