مقالات مختارة

بوتين زعيما أوحد للثورة المضادة عالميا وعربيا

1300x600
كتب مطاع صفدي: إنها الأمة المحرومة من وسائل الدفاع عن نفسها، ذلك هو المصير العاري من كل اعتذار الذي يجعل من أمة الثلاثمئة أو الأربعمئة مليون من البشر مكشوفة الصدر والظهر أمام كل عاصفة عابرة أو غادرة تضربها. 

فالذلّ الذي ما زالت تنحدر في هاويته لم يعد يعني لها (هذه الأمة) أنها أكثر من كونه واقعا قاهرا لا سبيل إلى مقاومته بالطرق المألوفة العقلانية أو أشباهها. هذا الوضع ليس استسلاما بعْدُ وإن كانت له دلائله ماثلة للعيان. وقد يقال أن هناك طرقاً كثيرة لتجنّبه، للتطهر من وبائه قبل تمدده نحو كل نفس، فهل هذا يعني أن الذات العامة ما زالت محصنة ضد الاستسلام، ليس اعتمادا على قوى احتياطية سوف تستخدمها في لحظتها المناسبة، بل لأن الذات الجماهيرية ما اعتادت أن تعترف بأية هزيمة تحيق بها، وإن كانت واقعية إلى أبعد الحدود؛ أن هذه الذات ألفت من عمق تاريخها التعايش مع أشرّ الشرور التي نزلت على رأسها، فلن تكون أحوال العرب الراهنة والمستمرة أقل ضررا بالناس من سابقاتها. 

لكن حدث أخيرا أن تمّ تجريد هذه الذات العامة من جميع أدوار الدفاع الذاتي، غير أنها لم تخسر حتى الآن ما تبقى من عمومية وجودها، أي من قدرتها على كشف مصادر ومكامن حيوية كانت مجهولة، ولكن فظاعات الأحداث الشريرة المتوالية قد أيقظتها من سباتها لتكتشف هذه الذات العامة أنها خسرت أسلحة نهضتها الحديثة. فقدت أحزابها جملة وتفصيلاً، ضاع أقدسْها تحت طغيان سُفهاتها.

خسرت الذات العامة الكثيرين مما اعتبروا أنفسهم من عناصر الطلائع. خسرت الذات العامة مجمل تجاربها الموصوفة بالمؤسسات الثورية. مَشَتْ على حطام من أفكار العدالة والمساواة والحرية. حتى أنها تمّت تعرية الذات العامة من كل فضائلها تلك كما لو كانت مجرد أقنعة لنضالاتها الحضارية السابقة. هذا معناه بكل بساطة أنه لا يمكن قتل الذات العامة. فقد تتلقى عوامل العطالة والبطالة الوجودية، لكنها ستجعل ـ هذه العوامل ـ مجرد أسهم خشبية تتكسّر نِصالُها بعضها على بعض. 

هذا مع الاعتراف بأن أعداءنا لم يستهلكوا كل قواهم دفعة واحدة، وهم لايزالون يفتكون بمواسم (الربيع) الصاعدة ما بين واحات وأنهار المشرق وموانئ الغرب. 

بل لعل عرب المشرق يعلنون على الملأ أنه من غزارة المصائب النازلة في حقهم لم يعودوا يميزون أعداءهم من أصدقائهم. فالأكثرية من صنف الأعداء قد يقابلها أكثرية أخرى من صنف الأصدقاء. لكن الأحداث لا تترك صنفا يتغلب على الآخر. وإن حدث ذلك فلن يكون إلا عرضا عابرا. وقد كان أن استثمرت روسيا هذا الوضع، فأقبلت على مبادرة تضع الجميع مرة واحدة أسرى للعجز الفوري الذي يشل ضحاياه حتى عن بروز ردود الفعل ضد الهمجية (السوفييتية) المنبعثة مجددا وهي ملتحفة بأكفان هزائمها السياسية والكيانية السابقة. إنها لن تكون كعودة المسيح (المنبعث) من قبره، فالميت لن يخيف انبعاثُه أحدا من عالَم الأحياء الحقيقيين، بينما يظل الميت ميتاً وإن تظاهر بقوى من ماضيه لم تعد من خصائصه أبدا. 

أما الغرب التقليدي من شيوخ أوروبا ومعهم ملوك الجشع الأمريكي للنفوذ والسيطرة بأكثر من الجشع المعتاد تجاه الدولار هؤلاء القوم الذين يعتبرون أن العالم كله بات من ممتلكاتهم بشرا وحجرا، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. هؤلاء لا يكادون يعترفون أن بوتين استطاع أن يهز مقعدا من مقاعد عروشهم، سواء عندما فاجأ الغرب كله مع استرداده لشبه جزيرة القرم، أو حين تجرأ على إعلان استعماره الجديد لسوريا. ولربما كانت أسباب اللامبالاة السياسية الغربية هذه ليست ناجمة من عدم التقدير الجدي لقيمة أشباه هذه الأفعال العبثية فحسب، بل لأن بوتين إنما يتصرف كأنه خارج الزمن. فهو ذاهب إلى الميادين المغلقة ليفتح أبوابها على معارك الزمن البائد. إنه الذاهب وحده إلى جهنم، المطفأة نيرانها الكونية منذ أكثر من نصف قرن وأكثر؛ فإشعال كومة من الحطب هنا أو هناك لن يضيف حقائق جديدة إلى الجحيم الأكبر بحرائق أخرى. 

ليس من عقل دبلوماسي يمكنه أن يوافق على التدخل الروسي المفاجئ إذ تراه كل عين مجردة عن الدوافع الأنانية، أن هذا التدخل لن يأتي بالحل إلى أية عقدة من عقد الأزمة السورية المستعصية. بل سيكون التدخل تطفلا غريبا مستهترا بأبسط قواعد الإغاثة الإنسانية، ومعها الإطاحة بأبسط قواعد القانون الدولي حول سيادة واستقلال الأوطان. 

غير أن اللامبالاة بالمفاجأة البوتينية لا يفسرها الراسخون في قراءات الماورائيات الدبلوماسية، أنها تعبير عن عدم الجرأة في استئناف صراع جدي جديد مع هذا القائد المهووس باستعادة أمجاد الماضي السوفييتي. ولكن الغرب عامة فإن قاداته بانتظار التحرك الأمريكي، في الوقت الذي لا يكف فكر الغرب عن تعلق شعوبه بثقافته المشروعية، المنظمة لمواقف الدول بعضها من بعض، وخاصة بالنسبة للعمل السياسي بل الدفاعي السلطوي كذلك. 

أوباما يريد للسياسة الروسية أن تتابع طريق الغرق أكثر في وحول التخبط العقيم في المستنقع السوري الكبير. يريد لموسكو أن تمعن تورطا أعمى في متاهات التناقض بين الأفعال والأقوال، أن تخسر حتى الحدود الدنيا من مسوّغات الحقيقة فيما تنتويه من أهدافها الظاهرة والباطنة، يريد المثقف الغربي أن يؤمّن بوتين كل العناصر المؤسسة لنموذج الديكتاتورية الأحدث.

كيف يحقق بل يتجاوز ببساطة أمثلة الاستبداد التقليدية من فاشية ونازية، وكيف يضيف إليها تعديلات متنوعة تعكس مستجدات العصر في الظروف والمفاهيم وطرق الممارسة. يريد العقل الواعي المحايد أن يعيد إلى مركزية الحضارة اهتمامها الأول في كشف أصول الاستبداد العميقة والمحجوبة، التي قد تغطي حقائقها وسائل الإعلام الإلكترونية المستحدثة؛ ذلك أن العالم لم يتقدم كثيرا عما وصل إليه إبان انهيار معسكرات الاشتراكيات الزائفة، فإن سقوط امبراطوريتها الكبرى، الذي هو الاتحاد السوفييتي لم يحرر التاريخ كليا من نزعات التسلط المنتشرة تحت جلود الأمم منذ البدء.

هاهي التجربة البوتينية تبرز إلى مقدمات المسارح الحديثة وكأنها تعلن أن هيكل الوجود الإنساني مبني من جماجم الأطفال. أن الشر المحض لايزال قابضا على أسرار استمراريته. وكان مفتاحها السحري قد نجحت تجاربه الجديدة أن يفجّر نوع الجحيم الأرضي الأعمق، أن تقع أرهب الفظاعات، أن تستولي الفظاعة وحدها على ما كان يسمى بالسياسة والإيديولوجيا والكفاح والعدالة إلخ.. أن تنقلب المذهبية إلى أوحش وحوش الغابة الإنسانية، أن تصبح مذابح سوريا والعراق، قصصا خيالية كأنها تكتب واقعا آخر سواها، أسطوريا أبعد من كل مخيال شيطاني. 

التجربة الأسدية فتحت الطريق انطلاقا من الاستبداد القطري إلى خط الاستبداد العالمي. فهل لن يتحرك هذا العالم الكئيب أخيرا ضد البؤرة الكبرى للطاعون الأسود، عندما لن يتبقى من الإنسانية إلا شعوب الطاعون، إن الموبوئين وحدهم الذين لن يجدوا آخرين يقبلون بدفنهم.. لن يجدوا من يحفر لهم قبورهم الخاصة ماداموا جميعا أسْرى يعيشون في قبر واحد كبير يتسع للجميع، وقد يصيرون قريباً إلى جثث مكدسة بعذها فوق بعض إلى ما لا نهاية.. لن تكون إلا مجرد نفايات لحضارة العنف المجنون الذي التهم لحمه الخاص، بعد أن لم يَبْقِ على شيء من لحوم أصحابها المنتحرين بغرورهم الحيواني. 

هل يهنئ تاريخ (الشر المحض) نفسَه بعد أن تمكّن من إعادة إنشاء ناد جامع لعُتاة المستبدين في الأرض. هل دشن بوتين افتتاح هذا النادي منذ أن قرر لدولته أن تؤدي دور الحماية (المجانية) لأفظع بقايا جبابرة الاستبداد الشرقي. هذه الحماية التي يرى فيها الجميع أنها قريبا لن تتمكن حتى من حماية نفسها. ناقلو الطاعون لن ينجوا من عدواه طويلا. فَلْيهنأ بوتين بمنصبه المكتسب بجهده البطولي أن يكون زعيماً لنادي بقايا المستبدين، فقد يجعله ذاك يعتقد أنه يحقق جوهر النظام القيصري منذ عمالقته الأوائل. وذلك بعد أن حرر هو الهمجية الراهنة من أقنعتها السياسية بإبراز النموذج السوري، كيما يغدو مثالاً تحتذى فظاعاته لقفل ثوراتها قبل تفجرها أمر السعي إلى اغتيالها بشرذمة عناصرها أولاً. وكأن آخرها وأعنفها قناع الإمبراطورية السوفييتية. نعم بوتين هو القيصر الجديد الحقيقي.

 أما أجداده الماضون فقد أمسوا أمواتا منسيين مجددا، مع مغامرة سليلها دون أية أسطورة سياسوية أو أيديولوجية، سوى أن الطاعون هو أفعاله فحسب. والفعل البوتيني يريد أن يكون بتنفيذه المشروع من بابه إلى محرابه.. ها هو اليوم بانتظار أجوبة العالم على هذا التحدي المستحيل، لكنه مع ذلك القابل للاستخدام على الطريقة البوتينية عينها.

(عن صحيفة القدس العربي، تشرين الأول/ أكتوبر 2015)