كتاب عربي 21

في الغلو التكفيري المعاصر: من الحازمي إلى "داعش" عبر تونس

1300x600
قصة تشكل "داعش" هي بلا شك قصة ذات أبعاد جيوسياسية تخضع لخصوصيات إقليم "الهلال الخصيب" خاصة في سياق العشائر العربية السنية المنتشرة بين نظامين متشيعين إلى حد ما إلى طهران بين وسط وشمال العراق وشرق سوريا. 

لكنها أيضا قصة عقائدية ليست جديدة ولكنها تحتاج بعض التركيز نظرا للثقل الخاص وأحيانا الحاسم للمكون العقدي في أفعال ودوافع المنتسبين للتيار "السلفي الجهادي". وهذا العامل العقدي قوي ومؤثر إلى حد يكون فيه عابرا للخصوصيات الإقليمية، ويستقطب الناشطين على أساس أممي.

أحد محطات تشكل الغلو التكفيري المعاصر الذي استقر عنوانه السياسي والحركي في "داعش" كانت تونس. للمفارقة بعد يومين من الانتخابات الأولى الحرة النزيهة في تاريخ البلاد أعلنت بعض المنتديات الموالية للتيار يوم 25 أكتوبر 2011 عن "الدورة العلمية الأولى" في تونس للشيخ السعودي أحمد الحازمي. استقر الأمر أن تكون الزيارة في شهر ديسمبر 2011.

الشيخ أحمد بن عمر الحازمي ليس مسنا هو من الجيل الذي تكون في جامعة أم القرى في مكة في الثمانينيات على يدي أحد أهم أئمة التيار السلفي عموما الشيخ محمد علي آدم الأثيوبي. بيد أنه برز بشكل مطرد بصفته المرجعية "العلمية" الأكثر دقة وعمقا وأهلية للتيار "السلفي الجهادي". 

وشكلت زيارته إلى تونس تحديدا في شتاء 2011 محطة فارقة في دوره في تشكيل هوية آخر المراحل للتيار السلفي التكفيري المغالي ليس على مستوى نظري فحسب بل أيضا على مستوى حركي وعملي انتهى بعد عامين في نموذج "داعش". كان الساعي إلى الدعوة مجموعة ناشطة في إطار ما يسمى "لجنة مساجد حي الخضراء" التي تمركز نشاطها خاصة في العاصمة تونس. يقودها أنذاك شباب من هذا الحي الشعبي انتموا فيما بعد إلى "أنصار الشريعة" وسبق أن كان بعضهم من أنصار التيار وسافر إلى العراق قبل الثورة. وعرف عن بعضهم غلوا مميزا حتى في أنظار بعض المنتسبين إلى التيار في تونس.

المسألة الساسية التي انبنت عليها محاضرات الحازمي في هذه الزيارة أو في زيارتين أخريين لاحقتين طيلة سنة 2013 هي مسألة "نواقض الاسلام". ولكن النقطة الأساسية التي أثارت جدلا خاصا هي تفاعله مع ما سمي بـ"الفتوى التونسية في عدم العذر بالجهل". ليس من الواضح من هو مصدر الفتوى في تونس لكنها تقر بشكل حاسم أن ليس هناك إمكانية لـ"عذر بالجهل" بما يعني أن كل من يتركب "الشرك" على سبيل الذكر لا حصر "كافر"، لكن الأهم أن حتى من لا يقر نظريا بهذا المبدأ أي من يرفض مبدأ "عدم العذر بالجهل" هو أيضا "كافر". 

وهذا يعني أن كل من لا يتفق مع هذا الرأي حتى لو كان وفق هذه المقاييس هو نفسه "غير مشرك" فإنه بمجرد الاختلاف مع هذا التقدير أو الرأي يصبح "كافرا". وهو ما يفتح الباب على مصراعيه إلى استشراء التكفير بشكل إطلاقي. عندما تم عرض هذه المسألة على الحازمي فصل فيها بشكل واضح ودعم "الفتوى التونسية" وأضفى عليها "شرعية علمية" كبيرة نظرا لموقعه ضمن المرجعيات المشرقية.

ربما أبرز تلخيص للأثر المباشر لزيارة الحازمي إلى تونس والدور الذي لعبه في تشكيل عقيدة التيار "السلفي الجهادي" في تونس ومن ثمة تعبئة العناصر التونسية التي انتقلت إلى سوريا وأصبحت ذات ثقل فيما بعد في إطار "جبهة النصرة" ثم في "داعش" هو الذي قام به الشيخ المصري طارق عبد الحليم وهو من بين أبرز منظري التيار السلفي في مصر. 

يقول عبد الحليم في رد على الحازمي في نص من خمسة أجزاء نشره في مارس 2014: "ونود أن نقرر هنا أن الأمر في هذا الخلاف كان من الممكن أن يبقى في الحيز الأكاديميّ، لكن المشكلة أنّ قد بلغنا أن الكثير من الإخوة من عوام المسلمين، خاصة في تونس، قد تأثّروا بكلام الشيخ. ثمّ إنه قد ذهب منهم إلى جبهة الجهاد في الشام عددٌ، فدافعوا ونافحوا عن هذا النظر وتعَصّبوا له، سواءً في الدولة أو في النصرة أو غيرهما، مما أدّى إلى حدوث تطرفٍ مقيتٍ، وتكفير بتعميم وتعيين، ممن ليس له قدرة على النظر ابتداءً، إلا اعتماداً على قول الشيخ فيها، أو اعتبار بعض الأقوال نقلاً دون التمكن من آلة النظر. وأدى إلى الطامة الكبرى التي سنذكرها بعدُ من إطلاقه القول بأن العوام يمكنهم أن يكفِّروا من ثبت كفره "عندهم أو عنده!". وقد أدى ذلك كما قلنا إلى تكفيرات متبادلة بين الفصائل، وإلى قتل أنفسٍ حرّم الله قتلها إلا بالحق. وما أرى إلا أنّ بعضا من وزر ذلك التكفير وتلك الدماء يقع على من أعطى هؤلاء السمّ الزعاف ليكون شفاءً ودواءً في رأيه، فإذا بهم يستخدمونه حراباً وسهاماً ضد إخوة لهم في الدين، وضد عوامٍ لا يحل دمهم إلا بالحق. وقد رأينا وسمعنا عن "شرعيين" يحكمون بردة على فصائل، من كل الأطراف".

إن من اللافت أن موقف الحازمي الذي نزل بكل ثقله في ترسيخ مبدأ التكفير المطلق والدفع بصراعات دورية تعكس مأزق التيار "السلفي الجهادي" الذي سيدخل في حلقة لن تنته إلا بنهايته من مسلسل طويل من الصراع الداخلي يميز كل التيارات الراديكالية المسلحة والمؤدلجة في آن واحد، من اللافت أنه نفسه يتعرض إلى النقد والتشكيك من داخل حزام أنصاره. 

آخر النصوص المحيلة على ذلك تغريدة على فايسبوك نشرت يوم 8 أوت الجاري على صفحة أحد رموز التيار في تونس والناشط الآن في سوريا والداعم لـ"داعش" بلال الشواشي، والتي حملت توقيع الشيخ قيس المهدي الدمشقي والذي غمز من قناة عدم حرص الشيخ الحازمي على حسم موقفه فيما يخص السلطات السعودية. 

وختم قيس المهدي، الذي مر أيضا بتونس بين سنتي 2011 و2013، نصه بما يلي: "أيها الشيخ: نرجو منك عدم السكوت، لأن سكوت العالم عن الحاكم يقع في الردة أمر خطير!! وخاصة لو كان العالم مثلك متخصصاً في ذلك!!فأنت الذي درست في تونس وغيرها، الولاء والبراء، ونواقض الإيمان وغير ذلك وعرف عنك الشدة في ذلك!!".

هذا الغلو التكفيري تشكل تدريجيا في جامعة أم القرى في العربية السعودية وفي سياق السلفية التقليدية التي تؤكد على طاعة ولي الأمر وتدرج بشكل ما ليطوف مجالات بعيدة من تونس إلى العراق. وهو التعبير الأبرز على أن استفادة التيارات المغالية من الحريات في تونس (تم ذلك بالمناسبة وحتى لا نغرق تحليلنا هذا في التجاذب السياسي في إطار الحكومة السابقة على "الترويكا" إذ أن تنصيب الأخيرة لم يتم إلا في ديسمبر 2011 وتم أيضا خلال حكومة "الترويكا") خاصة في مجال التأسيس النموذجي للديمقراطية ممثلة في تونس يتم على أساس استئصال هذه التجربة بناء على أكثر نماذج التكفير المغالية في الوقت الراهن. ولا يمكن المبالغة إن قلنا أن هذا النوع من التكفير يرتقي إلى مرتبة تماثل العمل المسلح وينتف على أن يكون فكرا مجردا عن الواقع. فهو تكفير صانع للتقتيل وعابر للحدود.