قضايا وآراء

قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان

1300x600
ليس الجدوى تصنيف الحركة الوطنية الفلسطينية بدْعًا في التاريخ عندما نقول أنها خلصت بعد ستين سنة من النضال ـ الشاق جدا ـ  إلى حالة من ثنائية المشروع، الطاغية على مكونات المشهد الفلسطيني ومفرداته، وهي ظاهرة وإن كانت الأكثر صراحة وتعبيرا على ضرورة ماسة لمراجعة ذاتية  إزاء البناء الفلسطيني ـ الموصول بخلفيته العربية والإسلامية ـ من قاعدته  لأعلى هرمه، وإن كانت كذلك إلا أنها من وجه آخر تعبر عن منسوب عالٍ وتدافع داخلي يملك من القوة المحركة القادرة على  خلق معطيات جديدة على أرض الواقع لو أاستُغلت هذه الطاقة الاستغلال الأمثل، ولو انطلقنا من كون كل منها حاصل تجربة قبلية سعى معتنقوها لتطويرها والنهوض بها، ومن ثم فالقابلية والاستعداد للتطويروالنظر لديهم حاضرة باستمرار.
 
إن هذا الاستعداد وهذه القابلية هما ميزانا التجانس في ديناميكية  حركة النضال، لأن هذا التجانس على ذاك التنوع هو الضامن للتطوير والتحسين مادامت الغاية هي الوصول للأفضل الجامع الموصل للهدف النهائي، والعكس يؤدي إلى أسوإ العكس طبعا.

فعدم الاستعداد وغياب القابلية وطغيان الأنا يضفيان على المسار النضالي حالة من الاستقطاب والفوضى  يكرسان الظاهرة الاستدمارية ويطيلان في عمرها، عندها لن يكون الإجتماع هو الأفضل فحسب ولو لم يكن على الأفضل، بل سيكون فيصلا أيضا، باعتبار أن حالة الفوضى النضالية تلك، تستهلك طاقات الجميع وقدراته ما يؤدي إلى تآكل ذاتي لمقومات القضية مشروع الحل.
 
وللأسف الشديد هذا ما آل  إليه مسار النضال الفلسطيني وبغض النظر عن العوامل الذاتية وغير الذاتية، مشروعان متقابلان يلتهمان من طاقات الإنسان الفلسطيني  الذي هو محور مشروع كل من أيهما.

في هذه الحالة و على أيٍّ انحازت الصوابية والأفضلية، فإن محور المشروع والقضية هو الحَكم  باعتباره الدافع والرافع لقاطرة قطار التحرير، وهو المجموع الفلسطيني.
 
ليست هذه هي المرة الأولى ـ  العصف المأكول ـ التي التف فيها كل الشعب الفلسطيني حول مقاومته، فكلما  فعل المقاوم حضر الكل، يقابله كلما جلس المساوم أو "المفاوض" غاب الجُل، هذه هي  عملية سبر الآراء السائدة في مسير النضال الفلسطيني في العشرية الأخيرة على الأقل، ومع هذا لم  تكن بتلك القوة القادرة على إرغام الجميع على الحضور والتحدث بلغة واحدة  متناغمة، مستقلة عن كل ذي مؤثر آخر، حتى  عصفت رياح معركة العصف المأكول ليقف الجميع على صعيد واحد طوعا أوكرها.
 
لقد بات المجموع الفلسطيني يترنم قصيد الحرية على إيقاع واحد، تؤديه آلات البندقية والصاروخ، الأبابيل والغول، الكل يساهم بما في ذلك المفاوض، ولم تكتف المقاومة بذلك بل أذَّنت في الناس فحضر جمع غفير من كل فج عميق، ينصتون ويومئون منبهرين، ليؤدوا تحية إجلال وإكبار لسمفونيات العزة والكرامة والحرية والفداء.
 
ليس ذلك وحسب، بل إن الثوابت والحقوق توزعت على مفاصل الملحمة مضيئة بذلك هذا الاحتفاء الثوري التحرري، فالمقدسات والأسرى والأرض والهوية والشهداء كلها معاني حاضرة.
 
المُستشف للحظة يدرك تماما أننا بصدد  إعلان حقيقي عن انطلاق عملية التحرير، علاماته الثلاث، إجماع بالداخل وفضح للعدو بالخارج وحضور للثوابت، أليس هذا استفتاءً شفافا؟  ألم تكن هذه الملحمة فصلا للخطاب؟

لقد قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان.