كتاب عربي 21

رفع الدعم .. قصة موت معلن

1300x600
يونيو 1967
الانسحاب هو الحل ..
- يسأل السادات (...) ماذا قررت؟
- الانسحاب!
- وما هي خطة الانسحاب؟
- قلت لهم ينسحبوا ..
- قلت لهم ينسحبوا؟!! .. سيتراجعوا في فوضى عارمة
- وما شأنك أنت .. كيف تسمح لنفسك أن تتدخل؟!!!
***
يوليو 2014
أخبرونا أنهم ألغوا الدعم، رفعوه، رفعوه أم رفعونا؟، لا يهم، المهم أن القرار صدر وانتهى الأمر!
- رفع الدعم هو الحل ..
- وما هي خطة رفع الدعم؟ ..
- قلت لهم يرفعوه ...
- قلت لهم؟!!!

***
ما الذي يعنيه رفع الدعم؟ 
مزيد من الفقر المدقع للفقراء، مزيد من الثراء الفاحش للأغنياء، مزيد من الذل، مزيد من الشماتة فيمن انتخبوا السيسي ليكون عدوا لهم .. ؟!!!
الواقع أن رفع الدعم بهذه الطريقة المهينة يعني ما هو أكثر، وأفدح، وأفضح من ذلك بكثير .. يعني نهايتنا جميعا في نظر أنفسنا وفي نظر من يحكموننا، يعني ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على على الناس ... وعلى أنفسنا
رفع الدعم .. يعني موت الجميع
علنا
***
يناير 77
السادات يرفع الدعم عن السلع الأساسية، عبد المنعم القيسوني رئيس الوزراء يعلن القرار في مجلس الشعب، تشتعل الدنيا، وتشهد البلاد ثورة حقيقية، جرى تسميتها بانتفاضة 18 و19يناير، وقال عنها إعلام السادات: انتفاضة الحرامية، تراجع العسكر خوفا من "الحرامية"، وعاد الدعم ... 
ذلك لأن الشارع لم يكن "هفية" .. كنا رجالا ووقفنا وقفة رجال ..
أجبرنا السادات على ما أردناه ..
أجبرناه على أن يحترم نفسه ويقيم للشارع قيمة ووزنا ..

***
يونيو 2014
السيسي يلغي الدعم، محلب يعلن، إعلام الرقاصة يطبل، الرئيس يتحدث إلى الشعب مخبرا إياهم بأن هذا القرار في مصلحتهم التي يعلمها الرئيس أكثر منهم طبعا، سنرفع الدعم .. تحملوا .. انتهى.
***
يونيو 2014
محلب: أخذت قرار رفع الدعم وقلبي يتقطع ..
محلب: من يرفع الأسعار ربنا لن يبارك له، فنحن شعب يسير ببركة ربنا
محلب: رفع الدعم عن الوقود يصب في مصلحة الغلابة
ملحوظة: محلب هذا رئيس وزراء "مصر" ... مصر!

***
 السفير حسام قاويش، المتحدث باسم مجلس الوزراء: الفقراء في مصر لا يملكون سيارات لذلك لن يتأثروا بزيادة أسعار البنزين والسولار

لا تدخل قبل أن تقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث
لا تخرج قبل أن تقول: غفرانك ... ثلاثا
***
حمدين صباحي: قبل رفع الدعم كان يجب إصدار قوانين نظام الأجور الموحَّدة وإعانة البطالة حتى لا يعاقب الفقير مرتين

يا سلام .. ؟!!

صحيح .. الأدب فضلوه عن الدعم.
ملحوظة: حمدين صباحي مرشح رئاسي سابق، ويساري سابق، ومناضل سابق، وسيد سابق مؤلف فقه السنة .. وأنا وأنت والحبايب.
***
هل نعلن موت الشارع، هل نعلن موت اليسار، هل نعلن موت الشامتين من الإسلاميين في فقر الناس وذلهم، هل نعلن موت الكتلة الثورية المصابة بالسكتة الدماغية، هل نعلن موت المنطق؟
الأيام القليلة الماضية منذ أن أصدر السيسي فرمانه العسكري برفع الدعم، وتحميل فقراء مصر فاتورة فشله، وجفاف أفكاره، وأفكار من أتوا به، هذه الأيام البائسة تشهد بأننا جميعا جزء من أحداث قصة موت معلن ..

الشارع يغلي، لكنه ساكت!
الثوار ساكتون !!
الإخوان شامتون!!!
اليسار وصفحات نشطائه على مواقع التواصل الاجتماعي يصدر خطابا يفطس من الضحك، شر البلية، كلام ساكت، ظاهره الرفض وباطنه التبرير والتدليس، والأنكى أنهم يوجهون انتقاداتهم لمحلب، الموظف بدرجة رئيس حكومة لدى المعتمد العسكري، وكأن السيسي سافر إعارة إلى السعودية ..
الطريقة العشوائية، الغوغائية، الهمجية، غير المحترمة، التي اتخذ بها قرار رفع الدعم لا تدل إلا إلى احتقار الجنرال للمصريين، منتهى الاستخفاف، منتهى الاستهتار، منتهى الاستهانة، وكأن الناس تحصيل حاصل في معادلة قرارات الرئيس/ الإله، قررنا تجويعكم، قضاء السيسي، ولا راد لقضائه، لم يخش السيسي تكرار سيناريو 77، لم يعمل حسابا لأحد، يتحرك وكأن أحدا لن يحاسبه، ذلك لأن أحدا فعلا لن يحاسبه.

***

الحلول كثيرة، وتجارب رفع الدعم في دول كثيرة غيرنا، تحترم مواطنيها كانت أولى بالدراسة والاستفادة منها، إلا أن السيسي لم يأت كي يدرس ويصدع دماغه بهمومنا، السيسي جاء للقضاء على الثورة، وحماية مصالح الطبقة الحاكمة، وهذا كل ما في الأمر.

تصريحات رئيس الوزراء لا تدل إلا إلى مزيد من احتقار المصريين، واستغبائهم، تصورات السادة أصحاب المعالي عن الشعب المصري لا تتجاوز كونهم غنما يساق، سنقول لهم إن الله لن يبارك لمن يرفع الأسعار، وأننا مشمولون بالبركة، وسيصدقوننا، سنقول لهم إن رفع الدعم لن يؤثر عليهم، وسيصدقوننا، سنقول لهم إن الثلج يحرق الجلد، فيما ترطبه نار الفرن البلدي وسيصدقوننا، رفع أسعار البنزين لن تؤثر على الفقراء لأنهم لا يملكون سيارات، هل رأيت سفالة وانحطاطا، في خطابات لمسئولين أكثر من ذلك .. ؟

***

في بلاد أقل تاريخا وحضارة وأهمية من مصر، يحتاج رفع الدعم إلى فتح حوار مجتمعي، ومشاورات بين السلطة ومنظمات المجتمع المدني، وتحسين في الخدمات، وتسهيلات ائتمانية تفتح الباب أمام المشروعات الصغيرة، وخطط واضحة، وأفق زمني محدد، وتكتلات اقتصادية ناجزة، وبرامج اجتماعية فعالة وإعانات مشروطة بإرسال أبناء الفقراء إلى المدارس، وتحويل مسارهم من العبودية المقنعة إلى صدارة المشهد.

والأهم أن هذا كله يحدث في إطار من الصدق والشفافية وتبصير الناس بحجم مشاكلهم، وتفاصيلها، وبأفق تجاوزها، وحشدهم خلف هدف واضح، أما أن ترفع الدعم وتطلب التقشف من شعب لا يعرف شيئا عن ميزانية جيشه ورواتب أعضاء المجلس العسكري، وامتيازاتهم، ولا يعرف لماذا يتقشف أصلا، وما هي مشكلاته التي لا حل لها، ومن هو العدو الذي نحاربه، وما هي حجم المؤامرة الكونية علينا؟، لا يعرف شيئا على الإطلاق، نظرا لخطورة معرفة الشعب بحقوقه على الأمن القومي، أن تطلب من هؤلاء التقشف فيما أنت ورجالك ترفلون في عزهم فذلك أشبه بموقف "رينو" الخائن قائد الصليبيين في معركة حطين الذي كان يطلب من جنوده أن يتحملوا العطش، وأن يحاربوا وهم عطشى على وشك الهلاك، فيما يشرب هو وحده، وحين سأله أحدهم في ذلك، قال: جنودي أقوى من العطش، أما أنا فمن واجبي أن أشرب كي أقودهم إلى النصر .. 
اشرب إذن .. وحدك.