مقابلات

مفكر ودبلوماسي فلسطيني لـ "عربي21": سلطات الاحتلال فشلت.. والمقاومة لم تنهزم

المعركة الحالية ليست عسكرية تكتيكية فقط ولكن لديها مرجعيات ثقافية أيديولوجية استعمارية غربية.. (عربي21)
نوه المفكر والديبلوماسي الفلسطيني ورئيس الجالية الفلسطينية بتونس، وأحد رفاق ياسر عرفات سابقا سيف الدين الدرين في حديث لـ "عربي21" بـ "خطوة إبرام اتفاق بين قيادات المقاومة الفلسطينية وحكومة الاحتلال، يشمل "تبادلا للأسرى وهدنة بـ 4 أيام قابلة للتجديد، رغم خذلان أغلب الحكومات العربية لها، مثلما خذلتنا بعد احتلال إسرائيل لبيروت في 1982 رغم صمودنا طوال 3 اشهر  ".

ونوه الدرين بالمظاهرات الضخمة المساندة لفلسطين عالميا وفي الدول الأوروبية وأمريكا، رغم انتقاده لقادة العالم ولزعماء الـ 57 دولة عربية وإسلامية، الذين لم يفرضوا على تل أبيب "وقفا شاملا ونهائيا لإطلاق النار". لكنه وصف اتفاق الهدنة بـ 4 أيام قابلة للتجديد، بكونه "انتصارا سياسيا وديبلوماسيا دوليا لقيادات حركة المقاومة الإسلامية حماس وشركائها في الكفاح الوطني"، التي قال؛ إن "سلطات الاحتلال وقوات الحلف الأطلسي التي تجمعت قرب فلسطين، فشلت وسوف تفشل في القضاء عليها، رغم تجنيد حاملات الطائرات العملاقة، واستخدام خطة إبادة جماعية وقصف غير مسبوقين، مما تسبب في سقوط عشرات آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين والمشردين".


                                  سيف الدين الدرين يتحدث للزميل كمال بن يونس

واعتبر الدرين أن "حصيلة 45 يوما من صمود الشعب الفلسطيني والمقاومة في الحرب غير المتكافئة بين قوات المقاومة وحاضنتها الشعبية من جهة، وقوات الاحتلال وحلفائها الأمريكان والأوروبيين من جهة ثانية، كانت "انتصارا نسبيا للمقاومة، وفشلا في تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية والأمنية لقوات الاحتلال. ويمكن أن نعد دون مبالغة، أن "قوات إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها، وأن المقاومة لم تخسر الحرب على المدى المتوسط والبعيد، رغم حجم الخسائر والدمار ووحشية القصف، الذي ألحق ضررا كبيرا جدا بصورة كل القيادات الصهيونية والحكومات الغربية التي تدعمها، وبمصداقيتها".

الخلفية الدينية لمشروع "إسرائيل الكبرى"

س ـ لكن، لماذا تجاوزت حدة التقتيل للمدنيين والأطفال والنساء والمرضى الفلسطينيين كل التوقعات في هذه الحرب الجديدة؟

 ـ تعقيبا على هذا السؤال، قال الدرين؛ إن "شراسة القمع متوقعة منذ مدة، بعد تزايد تأثير "أقصى اليمين الديني المتطرف على حكومة الاحتلال وقياداته العسكرية والأمنية والسياسية وجيشه، إلى درجة اعتراف التقارير الرسمية الإسرائيلية بكون ما لا يقل عن 40 بالمائة من عساكر إسرائيل، أصبحوا متدينين متطرفين ويتبنون قراءات عنصرية واستئصالية ضد العرب وضد الشعب الفلسطيني، وتبنوا مرجعيات يهودية متطرفة، بينها "التلمود" والتأويلات المعادية للمسيحيين والمسلمين و"غير اليهود"، ولكل حاملي الديانات والثقافات المغايرة، وهي تأويلات متطرفة وقع ترويجها بعد كتابات وقع تدوينها بعد قرون طويلة من وفاة النبي موسى وتدوين النسخ الأولى من التوراة".

واستدل الدرين بتبرير سلسلة الحرب الحالية والاعتداءات الإسرائيلية خلال العقود الثلاثة الماضية على قطاع غزة والضفة والقدس، من قبل بنيامين نتنياهو وعدد كبير من الساسة الصهاينة، بمقولات سياسية دينية، تدعو إلى طرد كل الفلسطينيين والعرب المسيحيين والمسلمين من قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وكذلك من أراضي 1948، وهي المقولات الاستعمارية نغسها التي بدأ الترويج لها ما بين الحربين العالميتين.

وذكّر الدرين بتبني الدول الاستعمارية الغربية منذ قرون لـ "خطاب ديني سياسي يهودي متطرف وإقصائي"، روجت له حكومة بريطانيا منذ أوائل القرن 17، ثم الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت أواخر القرن 18 بعد احتلاله مصر وسواحل فلسطين، ثم من قبل قيادات الامبراطوريات الاستعمارية أواخر القرن 19 ومطلع القرن 20؛ ضمن استراتيجية كانت تريد "التخلص من الأقليات اليهودية المتطرفة في أوروبا والغرب، وتصدير الأزمة إلى العالم العربي الإسلامي، بعد تقسيمه عشية الحرب العالمية الأولى وبعدها، مع رفع شعار "تسوية المسألة اليهودية".

رمزية القدس وبيت لحم والخليل

وربط سيف الدين الدرين بين مخططات التهجير القسري والاستيطان والحروب على غزة والضفة والقدس، بـ "تأسيس الامبراطوريات الاستعمارية البريطانية والفرنسية ثم الأمريكية لدولة يهودية، "اختاروا لها" أكثر المواقع في العالم قداسة بالنسبة للمسيحيين والمسلمين والعرب؛ أي فلسطين، وتحديدا القدس وبيت لحم والخليل، حيث كنيستا المهد والقيامة والمسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي والمسجد العمري، وعدد كبير من الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية والأرثودوكسية".

ويستدل الدرين بكون القيادات الفلسطينية والعربية وبعض الساسة في المنطقة، جربوا "مسار التسويات السياسية مع تل أبيب بعد اتفاق أوسلو 1993، لكن اليمين المتطرف الديني والسياسي الإسرائيلي اغتال إسحاق رابين وأجهض المسار السياسي، ودفع المنطقة مجددا نحو مسارات التهجير الجماعي والقسري والحروب، واضطهاد الوطنين وأسر آلالاف من الشباب والأطفال والنساء، مع محاولة اختزال "الحوار" مع القيادات الفلسطينية والعربية في "التنسيق الأمني".

أغلبية "متدينة" ومتطرفة

س ـ لكن، أليس مفيدا لكل الأطراف تبني مواقف "علمانية حداثية" و"التحرر من الخطاب الديني والشعارات الدينية المتطرفة، سواء أكانت يهودية أم إسلامية أم مسيحية"؟ وألم تتسبب الصفة الإسلامية لحركتي حماس والجهاد في تعبئة صناع القرار الدولي ضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة؟


 ـ عقّب الدرين قائلا: "ناقشنا هذه الأفكار طوال عقود في منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الرئيس ياسر عرفات، وفي الدائرة السياسية للمنظمة برئاسة فاروق القدومي أبو اللطف ورفاقه.

لكن أدبيات غالبية كبار الساسة والضباط الإسرائيليين، تؤكد احتكامهم للتلمود وللقراءات المتطرفة التورات وللأدبيات التي تدعو إلى الهيمنة على العالم، وخاصة على المنطقة العربية "من النهر إلى البحر؛ أي من النيل إلى الفرات، ومن مياه البحر المتوسط إلى الصحراء العربية".

ويمكن في هذا السياق، إعادة قراءة الخطاب الديني المتطرف لعدد من "الحاخامات" وقيادات الحكومات والأحزاب الدينية، التي تتحكم في الكنيست وفي "اللوبي الصهيوني العالمي" و"اليمين الديني المتطرف الدولي"، من أرييل شارون إلى نتنياهو، ومن إيهود باراك وتسيبي ليفني وإيهود أولمرت وبين غانس، أغلبهم يبرر تقتيل مزيد من الفلسطينيين واغتصاب أراضيهم وديارهم وموجات التهجير الجماعي والقسري لملايين الفلسطينيين والعرب طوال القرن الماضي، ويدعو إلى "مزيد من الترحيل والتهجير الجماعي من قطاع غزة نحو مصر، ومن الضفة الغربية والقدس ومناطق 1948 نحو الأردن وسوريا ولبنان".

وأضاف: "لقد حارب اليمين اليهودي المتطرف كل العلمانيين الفلسطينيين  واليسار الفلسطيني الاشتراكي والقومي العربي، مثلما يحارب اليوم المقاومة الوطنية الفلسطينية الإسلامية. الأهم بالنسبة للوبيات الصهيونية وحلفائها في أمريكا وأوروبا وفي العالم، تركيز "بؤرة توتر دائمة" و"مستوطنات سرطانية" و"كيان غريب" في قلب الوطن العربي والعالم الإسلامي، يهدف لمزيد من استنزاف طاقاته وقدراته، ومنعه من النهضة والتقدم والنمو وتحقيق وحدته المنشودة شعبيا، التي ستضمن له تصدر المشهد دوليا وإقليميا.

ومن يتابع الخطاب الفكري السياسي للقيادات العسكرية والأمنية والسياسية في إسرائيل، يكتشف أنها تابعة كليا لتعاليم آلاف الحاخامات وآرائهم، التي تزايد احتكامها لخطاب إقصائي "تلمودي" و"فتاوى تلمودية متطرفة، يعود بعضها إلى ما قبل ميلاد المسيح بأكثر من ألفي عام، وبعضها الآخر إلى القرن الخامس قبل الميلاد.

وهذا الخلط بين السياسي البرغماتي الحديث ومرجعيات "كبار الأحبار اليهود"، يكرس مزيدا من الإقصاء للحقوق الوطنية للعرب المسيحيين والمسلمين في فلسطين، بكل مكوناتها الثقافية والترابية والجغرافية. وفي هذا السياق، نفهم تعمد بنيامين نتنياهو تحدي العالم وقادة الدول العربية والإسلامية خاصة، في خطبه في مقر الأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر الماضي، عندما عرض خارطة للمنطقة وصف فيها كامل فلسطين بـ "إسرائيل"، وألغى خارطة الضفة الغربية وقطاع غزة. كما تحدث عن "غلق الملف الفلسطيني نهائيا، عبر استكمال مسار التطبيع الاقتصادي والأمني والسياحي مع أغلب الدول العربية".

ولا يمكن الحديث عن سلام وانفراج، مادام سياسيون بارزون في الغرب وفي الإدارة الأمريكية، من بايدن وبلينكن إلى ترامب ورفاقهم الجمهوريين والديمقراطيين يعدون أنفسهم "صهاينة"، ويعدون "إسرائيل أكبر قاعدة، وأكبر حليف لهم في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

فرصة السلام.. وحل الدولتين؟

س ـ ألا يمكن توقع "استئناف مسار سلام جديد" تدعمه  الدول العربية والإسلامية يؤدي إلى "حل الدولتين،" مثلما وقع بعد حرب الخليج 1991 والحروب السابقة على غزة والضفة والقدس؟

  ـ استبعد الدرين هذا السيناريو حاليا، رغم تنويهه بالملايين الذين تظاهروا مساندة لفلسطين والسلام في بريطانيا وأمريكا والعالم الغربي وأفريقيا وآسيا والعالم الإسلامي.

واستبعد هذا السيناريو "في ظل تمادي الدعم الأمريكي والغربي لحكومات الاحتلال عسكريا وأمنيا وسياسيا وماليا، في ظل صمت عربي حينا، وموافقة مقنعة على قمع المقاومة الوطنية الفلسطينية حينا آخر".

واستحضر الدرين حرب 1982، عندما حوصرت المقاومة الوطنية الفلسطينية واللبنانية، واكتفت أغلب الحكومات العربية بإثارة "قضايا إنسانية مثل توفير الماء والأكل والبنزين والدواء"، عوض استخدام "الورقات العربية الناجعة لوقف العدوان ودعم المقاومة، وبينها السماح بتنظيم مظاهرات شعبية معارضة للحرب، على غرار ما وقع في أغلب دول العالم".

واعتبر الدرين أن "لا معنى للحديث عن سلام وتسويات في ظل ترويج حكومات الاحتلال المتعاقبة وحلفاؤها الغربية لـ "أساطير تلمودية" و"قيم متطرفة واستعمارية، منافية لقيم التسامح والتعايش بين الأديان والحضارات والثقافات، التي تبنتها الحضارات العربية الإسلامية التي أدمجت اليهود طوال قرون، واستضافتهم لما طردتهم الدول الأوروبية".

واستطرد قائلا؛ "إن المعركة الحالية ليست عسكرية تكتيكية فقط، ولكن لديها مرجعيات ثقافية أيديولوجية استعمارية غربية، تسعى مجددا إلى تجنب عودة ملايين اليهود إلى مواطنهم الأصلية في أوروبا وأمريكا والعالم، ولو كان الثمن الانخراط في أجندات لوبيات اقتصادية ومالية وسياسية استعمارية جديدة، توظف أساطير تلمودية وأفكارا غريبة عن ثقافات العالم المعاصر بكل مكوناته الثقافية والحضارية والدينية والاجتماعية".