قضايا وآراء

ماليزيا "السياسية" تنافس "الاقتصادية"

1300x600
خطفت ماليزيا الأنظار من قبل بتجربتها التنموية الرائدة وأدائها الاقتصادي المميز، خصوصا خلال فترة الأزمة الاقتصادية العالمية نهاية التسعينات والتي نجت منها بأداء متفرد لحكومتها برئاسة مهاتير محمد، وأصبحت بموجبها إحدى النمور الآسيوية. واليوم تخطف ماليزيا الأنظار مجددا بتجربتها السياسية المميزة أيضا، والتي كان أحدث محطاتها الانتخابات البرلمانية التي أوصلت زعيم المعارضة العائد من الحبس (أنور إبراهيم) للحكم، وأفقدت -ويا للمفارقة- رائد نهضتها مهاتير محمد مقعده البرلماني الذي احتفظ به على مدى عقود سابقة.

كانت مفاجأة الانتخابات المبكرة الأخيرة التي دعا لها حزب أمنو الحاكم نفسه -مطمئنا إلى شعبيته- هي تصدر تحالف الأمل المعارض بقيادة أنور إبراهيم، وهو التحالف الذي ضم حزب عدالة الشعب ورئيسه أنور إبراهيم (حزب ليبرالي محافظ -كان رئيسه أنور إبراهيم لفترة طويلة رئيسا لجمعية الشباب المسلم في ماليزيا وكذا جمعية الشباب المسلم في بريطانيا إبان دراسته- لكن الحزب يضم تشكيلة من القوميات المختلفة في ماليزيا)، وحزب العمل الديمقراطي الممثل للأقلية الصينية، وحزب أمانة الممثل لجماعة الإخوان المسلمين، متقدما على تحالف الحزب الحاكم التاريخي (امنو) بقيادة إسماعيل صبري، آخر رئيس للوزراء قبل الانتخابات، وتحالف العقد الديمقراطي برئاسة رئيس الوزراء الأسبق محيي الدين ياسين وشريكه عبد الهادي أوانج، رئيس الحزب الإسلامي، وهو أكبر الأحزاب الإسلامية في ماليزيا، مع بعض الأحزاب الأخرى.

كما كانت المفاجأة الأخرى هي هزيمة مهاتير محمد رائد نهضة ماليزيا الحديثة ومعه جميع مرشحي حزبه، فيما يبدو أنه كان تصويتا عقابيا من الناخبين ضد مهاتير الذي لامس من العمر مائة عام، والذي انقلب على رفيق دربه أنور إبراهيم مرات عديدة؛ كان آخرها رفض تسليمه رئاسة الحكومة في العام 2019 وفاء لتعهد معلن في 2017، وبهذا وضع مهاتير نهاية بيده لمشواره السياسي والاقتصادي الحافل.
المفاجأة الأخرى هي هزيمة مهاتير محمد رائد نهضة ماليزيا الحديثة ومعه جميع مرشحي حزبه، فيما يبدو أنه كان تصويتا عقابيا من الناخبين ضد مهاتير الذي لامس من العمر مائة عام، والذي انقلب على رفيق دربه أنور إبراهيم مرات عديدة؛ كان آخرها رفض تسليمه رئاسة الحكومة في العام 2019 وفاء لتعهد معلن في 2017

الانتخابات النيابية الأخيرة بكل مفاجآتها فتحت الباب للتعرف على النموذج السياسي الماليزي الذي توارى كثيرا خلف النموذج الاقتصادي المتميز، فماليزيا يحكمها نظام ملكي دستوري موروث عن الاحتلال الإنجليزي، وهي الملكية الدستورية الوحيدة تقريبا في العالم الإسلامي، حيث السلطات الحقيقية بيد رئيس الوزراء الذي يأتي من حزب الأغلبية البرلمانية، بينما يتمتع الملك بسلطات محدودة تمثل في غالبها سيادة البلاد؛ مثل رئاسته العليا للمؤسسة العسكرية، وحقه في تعيين السفراء بالتشاور مع وزارة الخارجية، وبطبيعة الحال حل الحكومة والبرلمان عند الضرورة (حين تفقد الحكومة أغلبيتها البرلمانية) والدعوة لانتخابات جديدة، ومن ثم منح خطاب التكليف بتشكيل حكومة جديدة للحزب الفائز بغالبية المقاعد.

ونظرا لعدم حصول أي حزب على أغلبية برلمانية خلال السنوات القليلة الماضية، فقد منح ذلك الملك سلطة اختيار من يشاء من بين رؤساء الكتل الفائزة لتشكيل الحكومة، وإن اختار صاحب الأكثرية البرلمانية في الانتخابات الأخيرة أنور إبراهيم، والذي قدم للملك ما يثبت حصوله على دعم برلماني من خارج تحالفه تخطى به العتبة القانونية 112 نائبا من بين 222 نائبا هم أعضاء البرلمان. وقد بدأ إبراهيم مفاوضات تشكيل الحكومة بالفعل لكن الملك طلب مشاركة كل التحالفات الفائزة، وصولا إلى حكومة وطنية شاملة، وهذا يعني أن تحالف العقد الوطني الذي رفض التعاون مع أنور إبراهيم قد يقبل المشاركة بعد مطالبة الملك، وسيتضح ذلك منتصف الأسبوع في الغالب.

الملكية الدستورية في ماليزيا تشبه الملكية البريطانية، ولا تشبه أبدا الملكيات العربية المطلقة أو شبه المطلقة في السعودية والأردن والمغرب، وإمارات الخليج الأخرى، والتي لا تقبل تعددية سياسية أو انتخابات برلمانية شفافة، باستثناء الكويت صاحبة أقدم برلمان خليجي، وباستثناء هوامش ديمقراطية وصلاحيات محدودة للحكومات في المغرب والأردن. وبذلك تقدم الملكية الماليزية نموذجا ملهما للشعوب التي تحكمها الأنظمة الملكية والمشيخية في عالمنا العربي، بعيدا عن الحديث عن نماذج الملكيات الدستورية في أوروبا والتي يدعي الحكام أنها نماذج بعيدة عن ثقافة وتطور شعوبنا!

النظام الملكي الماليزي ذو طبيعة خاصة أيضا، فليس هناك عائلة مالكة هي التي تحكم طول الوقت، ولكن هناك تسعة سلاطين يحكمون تسع ولايات، يتناوبون المُلك فيما بينهم وفق نظام معتمد منهم لمدة دورتين متتاليتين، ما لم يحدث عارض يمنع الاستمرار لدورتين.

وماليزيا هي دول اتحادية مكونة من 14 ولاية (تسع فقط يحكمها سلاطين، وباقي الولايات يحكمها ولاة عاديون) وتتمتع كل ولاية بحكم فيدرالي، ولها برلمانها المحلي وحكومتها المحلية. وعلى المستوى الوطني هناك برلمان من غرفتين؛ الأولى هي مجلس الشعب وينتحب أعضاؤه الـ222 بشكل مباشر لمدة خمس سنوات، ومجلس الشيوخ وعدد أعضائه 70 عضوا؛ ينتخب 30 فقط منهم لمدة ثلاث سنوات ويعين الملك الأربعين الباقين. والدين الرسمي للبلاد وفقا للدستور هو الإسلام، ويمثل المسلمون الملايو نسبة ثلثي السكان تقريبا أما الثلث الباقي فيمثل الصينيين البوذيين، والهندوس، والمسيحيين.

يبدو النظام الملكي الذي يحكم ماليزيا منذ الاستقلال مستقرا حتى الآن، ويحدد الدستور صلاحيات الملك والسلاطين، وقد حاول مهاتير محمد في أوج قوته أن يسن تشريعات تحد من سلطات الملك والسلاطين، خاصة فيما يتعلق بحل البرلمان وتكليف الحكومة، لكنه لم يتمكن لافتقاده لأغلبية برلمانية كافية لتمرير تلك التعديلات.
الانتخابات النيابية الأخيرة بكل مفاجآتها فتحت الباب للتعرف على النموذج السياسي الماليزي الذي توارى كثيرا خلف النموذج الاقتصادي المتميز، فماليزيا يحكمها نظام ملكي دستوري موروث عن الاحتلال الإنجليزي، وهي الملكية الدستورية الوحيدة تقريبا في العالم الإسلامي

وفي ماليزيا حاليا 69 حزبا سياسيا، وقد تولت المنظمة الوطنية للملايو المتحدين (أمنو) الحكم منذ الاستقلال حتى العام 2017، حين أطاح بها تحالف مهاتير محمد وأنور إبراهيم لأول مرة، غير أنها عادت للحكم لاحقا بعد الخلاف بين مهاتير وأنور في العام 2019، ورغم أنها هي التي طلبت من الملك إجراء انتخابات نيابية مبكرة مراهنة على شعبيتها، إلا أنها جاءت في الترتيب الثالث في الانتخابات الأخيرة بثلاثين مقعدا فقط.

تضمن الملكية الدستورية في ماليزيا تطور الحالة الديمقراطية، وعدم وجود فراغ سلطة مهما حدث من أزمات سياسية تقتضي تغيير الحكومة، وقد تم بالفعل تغيير الحكومة أربع مرات خلال أربع سنوات في ظل الملك عبد الله الحالي (حكومة مهاتير محمد، حكومة محيي الدين ياسين، حكومة إسماعيل صبري، وأخيرا حكومة أنور إبراهيم). ورغم أن البعض قد يعتبر ذلك نوعا من عدم الاستقرار السياسي، إلا أن المتابع للدول الديمقراطية الراسخة سيجد هذا المظهر مكررا، ولا يتسبب في توقف العمل أو الإنتاج.. إلخ، فهو جزء من طبيعة بعض الدول الديمقراطية، وقد تعايشت معه شعوب تلك الدول. ومع ذلك يمكن من خلال تعديل تشريعي وضع نظام انتخابي جديد يحول دون تشتيت الأصوات، ويبرز مشهدا حزبيا جديدا.

في كل الأحوال برزت ماليزيا كنموذج للتطور السياسي القابل للتطبيق في دول عربية وإسلامية أخرى، خروجا من حالات الانسداد السياسي المزمن فيها.

twitter.com/kotbelaraby