تقارير

المخيمات أصل الحكاية.. وأولها تل الزعتر

بقي المخيم أصل الحكاية، وبقي "الزعتريون" وأبناؤهم يحملون راية التكافل والتضامن والتقارب

في الذكرى الـ46 لاستشهاد مخيم تل الزعتر في 12 آب (أغسطس)، تحضرني كلمات عن مخيمنا الذي عشنا معه مسيرة اللجوء للمرة الثانية بعد اللجوء الأول عام 1948.

هو المخيم المثالي، بكل ما تعني الكلمة من معنى، هو البؤس والعزيمة، اليأس والأمل، الظلم ورفضه، الفقر والثورة عليه، تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة..

هو غروب الفقراء واللاجئين في بيوتهم ليلاً، وهو شروق العمال الخارجين صباحاً إلى المصانع القريبة. هو قصة الكادحين، المضغوطين هنا في أعمالهم الصغيرة، وعيونهم على العودة إلى فلسطين. قصة العاملين أعمالاً يومية، وعيونهم على الأعمال الكبيرة بعد العودة.. قصة الذين لم يحاولوا بناء المخيم (بقي الزينكو هو الغالب).. كانوا موقنين بالعودة القريبة.

لم يخطئ من أسماه "مخيم الفقراء"، فقد كان في الأصل تجمعاً للعمال، وربما تم اختياره في هذا المكان لهذا السبب (ثمة نظرية تؤكد أن أماكن المخيمات اختيرت بعناية لتأدية خدمة اقتصادية بحتة)، إذ يقع المخيم في منطقة صناعية ما زالت قائمة حتى يومنا هذا.

هو بدء تشكيل الخلايا الثورية، ومجموعات الفدائيين التي كانت وجهتها فلسطين فقط. لم يسعَ يوماً أن يتدخل بالشؤون الداخلية، رغم أنه كان ضحية الصراعات الداخلية، فكان شهداء بوسطة عين الرمانة في 13 نيسان 1975، المعتمد كتاريخ بدء الحرب الأهلية في لبنان، كانوا من فتيان وشباب تل الزعتر.

قرأت في كتاب "طريق تل الزعتر"، شهادة والدتي، وما كانت تحكيه لنا في طفولتنا عن بدايات العمل الثوري لفلسطين، فتقول "في نيسان 1969، أي قبل انتفاضة المخيم بشهور كنت أخبئ ثياب الفدائيين في بيتي، حين كان المكتب الثاني (المخابرات) والدرك (الشرطة) يحكمون المخيم، فكنت أنجّد الفرشات والوسائد، وأحشوها بالبدلات العسكرية"، وما زلت أذكر جارنا أبا الشهداء المناضل أبا نبيل أبو الهيجا، الذي كان صديقاً لأهلي ويخبئ ثيابه العسكرية عندهم.

ولأن المخيم أصل الحكايات، وأهله وقود الثورات، قدم مخيم تل الزعتر الكثير من الشهداء على طريق فلسطين، قبل حصاره وسقوطه، فكان هذا أحد أهم أسباب استهدافه. بل إن صديقاً يسارياً أخبرني أن اجتماعات اتحاد العمال قبل أحداث معامل غندور (التي مهدت للحرب اللبنانية) كانت تُعقد في مخيم تل الزعتر.

المخيم أصل الحكاية، وأبناء المخيم لم يستسلموا، قادوا المقاومة في الاجتياح عام 1982، وعلّموا المخيمات الصمودَ في "حرب المخيمات" وكل التجارب اللاحقة.

المخيم أصل الحكاية، نشر أبناءَه في أنحاء العالم، وشكّلوا نماذج مشرفة تُحتذى، فلم تلِنْ عزيمتهم ولم تضعف إرادتهم، وبقوا على العهد لا يتراجعون عن حق العودة والتحرير.

 

لأن المخيم أصل الحكايات، وأهله وقود الثورات، قدم مخيم تل الزعتر الكثير من الشهداء على طريق فلسطين، قبل حصاره وسقوطه، فكان هذا أحد أهم أسباب استهدافه. بل إن صديقاً يسارياً أخبرني أن اجتماعات اتحاد العمال قبل أحداث معامل غندور (التي مهدت للحرب اللبنانية) كان تُعقد في مخيم تل الزعتر.

 



بقي المخيم أصل الحكاية، وبقي "الزعتريون" وأبناؤهم يحملون راية التكافل والتضامن والتقارب، يتعاونون وتجمعهم أواصر المخيم والحصار والمجزرة.

بقي المخيم أصل الحكاية والهوية، وبقي رمزاً للنكبة وشاهداً عليها حتى العودة. 

كتبتُ حتى الآن نحو 15 مقالةً عن المخيم وتجربته، وسجلت مثلها فيديوهات ومقابلات، وما زال لدي الكثير لأقوله.

وكلما زرته، أو كتبت عنه، أصاب بحالة العطش الشديد، العطش القادم من الذاكرة، ذاكرة الطفل الذي كنتُه وعشته في ذلك اليوم الطويل من أيام آب (أغسطس) 1976. فأي عشق أو ذاكرة تفعل فعلها بالعاشق إلى هذا الحد؟!

وكلما زرته، أكاد أخلع نعليّ كي لا أطأ على تراب تضمخ بدماء الشهداء، أو ضم جثامينهم المنتشرة في أرجاء المخيم وزواياه.

أنظر فوقي، أتخيل آلاف الأرواح تحتشد في السماء، وتحجب الشمس عن المخيم وتنثر العطر الذي عشعش في ذاكرتنا عن مفقودينا.

أمشي في حواريه التي سُوِّيت بالأرض، أتكلم بصوت منخفض من الرهبة في حضرة الذاكرة والشهداء والدمار. أتلفّت يميناً ويساراً لعلّي ألتقي بعض ذاكرتي أو أجلوها، أدقق النظر في الأرض بحثاً عن تفاصيل تحيي ما سكن وخفت من لهيب الذاكرة.

أزوره دوماً، لتبقى ذاكرتي حية، وأسلم أمانتها إلى من يحافظ عليها.. فذاكرتنا في المخيم (أصل الحكاية) سلاحنا على طريق العودة والتحرير.

* كاتب وشاعر فلسطيني