كتب

"خنساء في سجن النساء".. رواية تؤرخ لمسيرة إسلاميي تونس

في أدب السجون.. إسلاميو تونس في مواجهة سياسات الاستئصال- (عربي21)

الكتاب الثاني لعز الدين جميل بعد "أسوار وأقمار".. الكتاب الأول روايته عن نفسه.. والكتاب الثاني روايته عن المرأة النهضاوية وعن الأسرة النهضاوية. لست أديبا ولا ناقدا لأعلق من تلك الزوايا على الرواية، لا أعلم بالضبط حجم تدخل قلم عزالدين جميل في نحت الرواية وإن كان حدسي يوصلني إلى بعض التمييز بين الوقائع كما هي والحبك الذي يلجأ إليه الكاتب أحيانا لشحن روايته بما يدعم أو يعمق أو يزين، لكنني أتوقع أنه يأخذ من وقائع أخرى لبناء صورة متكاملة عما حصل.

قد تكون الرواية أفضل عمل كشف جرائم النظام التونسي السابق ـ الذي يعمل من بقي من أعوانه للعودة مجددا، وقد استطاعوا الإفلات من العقاب، ودون حتى أن يعتذروا عن جرائمهم. لكن كشف وجه البطولة والشرف والسمو والرفعة للإسلاميات والإسلاميين فيها أكبر وأهم.

من أي طينة هؤلاء النهضاويات.. والنهضاويين؟ كيف استطاعوا الصمود أمام تلك الوحشية التي تحول فيها تونسيون إلى وحوش ضارية.. وارتكبوا في أخواتهم وإخوانهم التونسيين كل تلك الفظاعات من التعذيب الجسدي الوحشي إلى التحرش والاغتصاب إلى التعذيب النفسي والتدمير الممنهج للأسر واغتصاب الطفولة ماديا ومعنويا؟ فظاعات لا يغني في شيء تلخيصها وقد برع الكاتب في تصويرها وتتبعها على سطح الأرض وفي أعماق الأنفس.

من أي طينة هؤلاء النهضاويات.. والنهضاويين؟ كيف لم تخرج من بينهم الموجات التكفيرية والجهادية كما حصل في سجون عبد الناصر والأسد والقذافي وعسكر الجزائر؟ 

أليس ملفتا للانتباه أنه أمام كل تلك الفظاعات استمسكت الحركة بنهجها السلمي وحافظت على نقاوة صفها وتخلصت بسرعة من كل ردات الفعل الطبيعية التي حدثت من القلة؟

أليس ملفتا للانتباه أن التيار الجهادي لم يكن انشقاقا عن النهضة كما حصل في غيرها من البلدان وإنما نشأ كرد فعل قصووي مجتمعي عن فظاعات ما ارتكب في حق النهضاويين والبلاد عامة؟

يعج الكتاب بأسماء جلاوزة التعذيب الذين مارسوا كل الموبقات والفواحش والجرائم.. ولكنني قابلت الكثير من النهضاويين الذين حدثوني عن لقاءاتهم مع هؤلاء وشرب القهوة والشاي معهم بل وحتى مساعدة بعضهم ماديا.

كان طبيعيا أن لا يذهب كل ذلك الصمود سدى.. وأن يكون خميرة الثورة.. لا بل إنه خميرة النهوض الجديد ـ حتى وإن بدا أن الثورة المضادة أتت عليه.. لا يمكن لكل ذلك الصمود وتلك الطهورية وذلك الإباء والنقاء أن يذهب سدى "وما كان الله ليضيع إيمانكم" ..

لذلك أقول للنهضاويين داخل الحزب وخارجه.. الذين ابتعدوا مغاضبين والذين خرجوا يبحثون عن أطر أفضل.. الذين طلقوا التنظيم والتحزب والذين اختاروا مجالات العمل البعيدة عن السياسة.. ليس لكم ما تخجلون منه وما تأسفون عليه... إن كنتم أخطأتم ـ وقد أخطأتم ـ فالأخطاء في التاريخ الإنساني هي مقدمات البناء.. وإن كان تطاول بكم السير فالمطالب النفيسة تتعب الأجسام.. كنتم حريصين منذ انبعاثكم على نهضة حضارية وليس على مكاسب حزبية، وتلك النهضة تحتاج من التراكم والزمن والأجيال الكثير.. وقد رضيتم أن تكونوا جيلا من أجيال التحرير والتحرر.

كان قدركم أن تخوضوا أشرف ثلاث معارك في هذا الوطن العزيز، وهي معارك الهوية والحرية والديمقراطية، وكفى بذلك شرفا وتحققا لمعنى الاستخلاف عن الله في بلدكم تونس.

ما زلتم تقودون ركب الجهاد النبيل في هذا الوطن العزيز.. وطبيعي أن تزلزلوا "زلزالا شديدا".. وأن يظهر فيكم ما يظهر في النفس الأمارة واللوامة.. لكن معدنكم أصفى من أن يصدأ أو يلوث.. بل إنه يتطهر ويزداد صفاء ولمعانا بالصهر..

لو لم تكونوا تتقدمون ما كانت المعارك شرسة معكم.. في معركة الهوية نالكم الأذى وفي معركة الحرية كان الأذى أشد وفي معركة الديمقراطية يزداد اشتدادا.. لأنكم تتقدمون.. ولو كانت أخطاؤكم أكبر من إنجازاتكم ما احتاجوا لكل تلك "الأسلحة" ضدكم.
 
بدأتم بالإصلاح وفي عز معركة النظام معكم دعوتم للمصالحة وما زلتم تدعون لذلك.. لخير الوطن والمواطن.

بدأتم بالاسلام هاديا ومرجعا فلا تبغوا عنه سبيلا.. ولا ترهبنكم مساوماتهم.. ولا تشككنكم في منطلقاتكم.. نعم للتجديد.. نعم للتجدد.. ولكن بدون تبديد وانسلاخ..


لا تيأسوا من شعبكم.. وحذاري أن تنساقوا وراء من يسبونه.. فليس لكم شعب آخر.. فمنه ولدتم وفيه نشأتم.. عليكم أن تكتشفوا طبيعته فتتعاملوا معه بحسبها.. والخير فيه كثير وعميم.. ألستم أنتم منه؟

والرواية تعج بالصور التي تبدو متناقضة للشعب في خدمته للظالم وانسياقه وراء أراجيفه وفي مساعدته وفي لامبالاته.. ولكن مقابل ذلك وجدت صور التضامن والشهامة والنجدة والرحمة بل والمخاطرة حتى عند الجلادين والسجانين.. وقد أدمعت عيناي مرتين وأنا أقرأ الرواية، إحداها لنائبة مديرة سجن النساء الفظة العنيفة التي لان قلبها القاسي أمام طلب الفتاة القاصرة في سجن النساء من أمها أن تجلب لها المرة القادمة "قلاص" فجلبته للفتاة بعد الزيارة وهي تقول: "ويني هاك الفرخة؟ شد هاك القلاص حممت لي قلبي هالسخطة، آش تعمل هنا في هالعمرهذا؟ علاه هكة؟".

هذه بعض خواطر أوحت بها الرواية التي أرجو أن تأخذ حظها من الانتشار وأن تقرأ لا بخلفية أدب السجون المأساوي بل بأدب الجهاد الملحمي.