كتاب عربي 21

محاكمة الغنوشي: الديمقراطية في حالة اختناق

1300x600
لم يكن الشيخ راشد الغنوشي يتوقع أن يقف وأنصاره من جديد أمام القضاء بعد أن تجاوز عمره الثمانين عاما. لقد ظن أن الثورة قد وضعت حدا لرحلة السجون والمنفى التي بدأت بالنسبة إليه وأنصاره في مطلع الثمانينيات؛ عندما قرر الرئيس بورقيبة مواجهة الإسلاميين الزاحفين على حكمه ودولته.

وبعد أن تذوقت حركته طعم السلطة ومسكت أدوات الحكم، ورغم الصراعات الحامية التي دارت بينه وبين عديد الخصوم السياسيين وفي مقدمتهم جماعات أقصى اليسار، إلا أنه لم يتوقع أن يقوده قيس سعيد إلى المحكمة بالرغم من أن أنصار حركة النهضة وقواعدها الواسعة قد أسهموا بكل ثقلهم في الانتصار التاريخي الذي حققه، ونقله من درجة الأستاذ الجامعي إلى القصر الجمهوري.

أذكر أني سألت الغنوشي ذات يوم عندما كان يخطط للتنسيق مع رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، من أجل دعمه في الانتخابات الرئاسية حتى يكون البديل عن حليفه السابق الباجي قايد السبسي: لماذا لا تغادرون دوائر السلطة وتنتقلون إلى صفوف المعارضة، رغم علمكم بالثمن القاسي الذي تدفعونه بسبب تشبثكم بالبقاء ولو شكليا في مواقع الحكم والدولة؟

فاجأني جوابه في تلك اللحظة، قال لي إن الإسلاميين لو انتقلوا إلى المعارضة وغادروا مواقع السلطة لتمت إعادتهم إلى السجون. سألته وأنا مندهش: لقد تغيرت الأوضاع يا شيخ داخليا وخارجيا. من سيفعل ذلك؟ سكت ولم يجب.
الشروع في محاكمة الغنوشي، ومن ورائه حركة النهضة من شأنه ان يزيد في تأزيم الوضع السياسي في البلاد، ويدفع الأوضاع الداخلية نحو الصدام والتوتر والعودة إلى السياسات الأمنية والعصا الغليظة، وكأن تونس محكوم عليها أن تبقى مثل غيرها من دول المنطقة؛ ممنوعة من الديمقراطية

يوم 19 تموز/ يوليو هو بداية فتح الملفات التي أعدت من أجل رفع الهالة السياسية عن هذا الرجل الذي بقي أكثر من نصف قرن في حالة اشتباك متواصل مع الدولة التونسية ونخبها وأجهزتها. فالرئيس سعيد لم يكن حليفا موضوعيا مع حركة النهضة كما ادعى البعض، وذلك منذ أن شرع في التعليق على الأحداث السياسية بعد الثورة. ففي أحد تصريحاته اللاذعة سُئل عن حركة النهضة فعلق ساخرا: "ما أعلمه أن الوحي لم ينزل بساحة مون بليزير"، في إشارة إلى مقر حركة النهضة. لكن بعد توليه رئاسة الجمهورية حصلت له خلافات مع قيادة النهضة انتهت إلى قطيعة بين الطرفين. ثم كانت الزيارة الاستثنائية التي قام بها الرئيس سعيد إلى مصر، والتي في أعقابها قرر سعيد الدخول في مواجهة شاملة مع الغنوشي وحركته. ومنذ ذلك التاريخ تدهورت العلاقات بين الطرفين، وبدأ تنبؤ بحصول صدام قريب.

يستبعد أن يكون تحديد موعد التحقيق مع الشيخ من قبل قاضي التحقيق مجرد صدفة، فرئيس الجمهورية حريص جدا على توفير الحوافز من أجل ضمان مزيد المشاركين في الاستفتاء، وهو يظن أنه من خلال إحالة الغنوشي على القضاء سيرضي أنصاره من جهة، ومن جهة أخرى يؤكد لعموم التونسيين الذين يحمّلون حركة النهضة مسؤولية فشل الثورة أنه جاد في محاسبة رموزها، وعلى رأسهم زعيم الحركة راشد الغنوشي. ويتوقع أن ذلك من شأنه أن يرفع من نسبة المصوتين لمشروعه.

من السابق لأوانه الحكم مدى جدية التهم والحجج التي ستعتمد في هذا الملف أو في بقية الملفات القادمة، لكن المؤكد أن التخلص من حركة النهضة لن يكون بالأمر الهيّن، وأن تحقيق ذلك ستكون كلفته عالية.

تعمل الآن حركة النهضة على إضفاء الطابع السياسي لمجمل القضايا المرفوعة ضدها وضد رئيسها، وهي تسعى حاليا نحو كسب تأييد القوى السياسية والمجتمع المدني من أجل الوقوف إلى جانبها. ورغم أن أطرافا عديدة مناهضة للإسلاميين وفي خصومة فعلية وعميقة مع الغنوشي، وتحمله الحجم الأكبر من المسؤولية السياسية عن الأوضاع الراهنة، فإن أطرافا أخرى سياسية سارعت نحو إصدار بيانات اعتبرت فيها القضية الحالية "قضية سياسية".
الشروع في محاكمة الغنوشي، ومن ورائه حركة النهضة من شأنه ان يزيد في تأزيم الوضع السياسي في البلاد، ويدفع الأوضاع الداخلية نحو الصدام والتوتر والعودة إلى السياسات الأمنية والعصا الغليظة، وكأن تونس محكوم عليها أن تبقى مثل غيرها من دول المنطقة؛ ممنوعة من الديمقراطية

كما تعمل حركة النهضة على تذكير العالم بأن الذي سيحاكم هو رئيس برلمان شرعي تم حله بطريقة غير ديمقراطية. ورغم أن هذه الحجة ليس لها وقع على جزء واسع من الرأي العام المحلي الذي له موقف سلبي من التجربة البرلمانية، إلا أنه داخل الدول الديمقراطية تختلف الموازين والمرجعيات، حيث لا تزال برلمانات هذه الدول ومؤسساتها تعتبر أن ما حصل في تونس بدءا من 25 تموز/ يوليو لا يتمتع بالشرعية الضرورية. كما أن هذه الحكومات الديمقراطية ليست متحمسة لتمكين النظام من فرصة توجيه ضربة موجعة للإسلام السياسي في تونس لاعتبارات متعددة، خاصة بعد فشل حركة النهضة في إدارة الحكم والاحتفاظ به.

تستعد حركة النهضة لتعبئة قواعدها خلال هذه المحاكمة وما بعدها، وذلك في رسالة منها للقول بأنها لن تسكت على هذه السياسة التي ترمي حسب اعتقادها إلى تحجيم الحركة، وتشويه قادتها والقضاء على ما حققته من مكاسب. كما أن هذه السياسة تمهد لعزل الحركة، وربما تكون خطوة نحو حلها ومنعها من النشاط السياسي.

إن الشروع في محاكمة الغنوشي، ومن ورائه حركة النهضة من شأنه أن يزيد في تأزيم الوضع السياسي في البلاد، ويدفع الأوضاع الداخلية نحو الصدام والتوتر والعودة إلى السياسات الأمنية والعصا الغليظة، وكأن تونس محكوم عليها أن تبقى مثل غيرها من دول المنطقة؛ ممنوعة من الديمقراطية ومحكومة بثنائية العنف والعنف المضاد.