قضايا وآراء

تونس: ديمقراطية "مؤجّلة" أم ديمقراطية "مستحيلة"؟

1300x600

يصعب على أي مهتم بالشأن التونسي أن يفهم قدرة "تصحيح المسار" أو "التأسيس الثوري الجديد" على الصمود كل هذه المدة رغم عزلته "الظاهرة" داخليا وخارجيا، ورغم اهتراء مشروعيته -العجز عن تحقيق أي وعد من وعوده الاقتصادية والاجتماعية- وانحسار قاعدته الشعبية، الأمر الذي أكدته الاستشارة الوطنية الإلكترونية وموازين القوى في الشارع. كما يصعب أيضا فهم نجاح المراسيم الرئاسية في ضرب كل الأجسام الوسيطة وبيان هشاشتها ووهن منجزها المؤسساتي خلال عشر سنوات، وهو "وهن" أظهر مقدار الهوّة بين مسار ديمقراطي "متخيل"، وواقع وجد تجسيده في "تصحيح المسار"، سواء اعتبرناه انقلابا أم استجابة مشروعة لانتظارات جزء كبير من التونسيين والتونسيات.

إن التداعي المربك لكل ما أنجزته "التوافقات" و"التسويات" و"الحوارات"، لا يمكن أن يُفسر بدعم محور الثورات المضادة للرئيس، (فهذا الدعم يظل محدودا ولا يمكن أن يُشبّه بدعم ذلك المحور للانقلاب العسكري المصري أو للمشير حفتر في ليبيا)، كما لا يمكن أن يُفسّر بدعم "القوة الصلبة" للرئيس (أي دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية له)، أو حتى بعدم جدية "القلق" الدولي من الوضع التونسي ودعواته المتكررة إلى العودة إلى الديمقراطية، دون أي ضغط حقيقي على النظام الحاكم في تونس.

فكل هذه العوامل -على أهميتها- تظل ذات قدرة تفسيرية محدودة؛ ما لم نستحضر عاملا آخر يتعلق بـ"قابلية" ما سُمّي بـ"الاستثناء التونسي" للارتداد إلى مربّع "الديمقراطية المستحيلة" أو الدولة الاستبدادية. إنها تلك "القابلية للانقلاب" التي اخترقت مسار الانتقال الديمقراطي في مختلف مراحله، مما يجعلنا نعتبر "تصحيح المسار" مجرد حلقة في سلسلة انقلابية كاملة بدأت منذ هروب المخلوع، وقد لا تنتهي ضرورة بسقوط مشروع الرئيس. وسنحاول في هذا المقال أن نبرهن على أن نجاح الرئيس -إلى حد هذه اللحظة- في تحويل حالة الاستثناء إلى مرحلة انتقالية تؤسس لـ"جمهورية ثانية"، هو أمر طبيعي بحكم كثرة المقدمات التي مهدت له -عن قصد أو عن سوء تقدير-، وجعلته أمرا متوقعا بل حتميا.

عاملا آخر يتعلق بـ"قابلية" ما سُمّي بـ"الاستثناء التونسي" للارتداد إلى مربّع "الديمقراطية المستحيلة" أو الدولة الاستبدادية. إنها تلك "القابلية للانقلاب" التي اخترقت مسار الانتقال الديمقراطي في مختلف مراحله، مما يجعلنا نعتبر "تصحيح المسار" مجرد حلقة في سلسلة انقلابية كاملة بدأت منذ هروب المخلوع، وقد لا تنتهي ضرورة بسقوط مشروع الرئيس

مهما كان موقفنا من الثورة التونسية وعلاقتها باستراتيجيات القوى الكبرى، فإنها قد أوجدت انكسارا بنيويا عميقا في الحقل السياسي. فقد ظهر فاعل سياسي جديد تمثل في الإسلاميين (خاصة حركة النهضة)، وهو ما آذن بانتهاء "التجانس" السياسي والأيديولوجي الذي طبع منظومة الحكم ومعارضتها "القانونية" منذ بناء الدولة الوطنية، وجعل إدارة الشأن العام والتحكم في عملية إنتاج الثروات المادية والرمزية وتوزيعها حكرا على القوى العلمانية.

وقد كان التناقض الأساسي في مسار الانتقال الديمقراطي ومنجزه الدستوري، هو في أنه لم يعكس "تسويات تاريخية" أو "توافقات مبدئية" بين العلمانيين والإسلاميين، بقدر ما عكس توافقات مؤقتة وهشة كانت أقرب إلى الصفقات منها إلى بناء المشترك الوطني أو الكلمة السواء. وقد ظهر هذا التناقض البنيوي في المنظومة السياسية (النظام البرلماني المعدل) والنظام الانتخابي والمؤسسات الدستورية، وغيرها من التوافقات التي كانت تعكس "توازنات الضعف" بين مختلف الفاعلين؛ أكثر مما تعكس أية نية للعمل المشترك وتجاوز منطق "تربّص الدوائر" التي أوقعت الجميع في "دائرة السوء"، أي تحت رحمة مشروع يقوم على إلغاء الحاجة إليهم أو على الأقل تهميشهم واستلحاقهم بقصر قرطاج.
ظهر فاعل سياسي جديد تمثل في الإسلاميين (خاصة حركة النهضة)، وهو ما آذن بانتهاء "التجانس" السياسي والأيديولوجي الذي طبع منظومة الحكم ومعارضتها "القانونية" منذ بناء الدولة الوطنية، وجعل إدارة الشأن العام والتحكم في عملية إنتاج الثروات المادية والرمزية وتوزيعها حكرا على القوى العلمانية

رغم التغني بالاستثناء التونسي، ورغم كثرة الادعاءات الذاتية لـ"تصحيح المسار" ومعارضته المبدئية (رفض الحدث وعدم الاعتراف بشرعيته بصورة مطلقة)، أو لمعارضته "النقدية" (الاعتراف بشرعية الحدث دون شرعية مساره وخياراته)، أكّد مسار الانتقال الديمقراطي ومآلاته في تونس استحالةَ بناء ديمقراطية دون ديمقراطيين، أي استحالة تحقق الدولة الديمقراطية في ظل مناخ يهيمن عليه عقل جماعي لا يمتلك من الديمقراطية إلا الدعوى، ولا تمتلك نخبه من البرامج إلا تغذية الصراعات الهوياتية والتذيل للمنظومة القديمة بخياراتها وسياساتها الكبرى. وهو ما جعل كل المنظومات الحاكمة -بما فيها منظومة "تصحيح المسار"- تتقاطع موضوعيا مع النواة الصلبة للمنظومة القديمة (الدولة العميقة)، وتطرح برامج تقوم على الإلهاء وتزييف الوعي، وعدم التعرض للمشاكل الحقيقية للشعب التونسي ولدولة لا تملك من مقومات السيادة شيئا.

لقد مثّلت الثورة التونسية فرصة تاريخية لتجاوز السرديات الكبرى ومراجعة كرّاساتها الأيديولوجية اللاوظيفية من منظور بناء المشترك الوطني. ولكنّ النخبة أبدعت في إهدار فرصة تشكيل "الكتلة التاريخية"، وارتضت لنفسها أن تكون جزءا من مشروع المنظومة القديمة لإعادة التموقع والانتشار.

فالتوافق بين النهضة والمنظومة القديمة لم يمثل نواة لبناء كتلة تاريخية بحكم غياب أي تأصيل نظري لذلك الخيار البراغماتي. أما بديله -أي تصحيح المسار باعتباره لحظة توافقية جديدة-، فإنه لا يمكن أن يكون أساسا صلبا لمشروع ديمقراطي حقيقي، بل لا يمكن أن يكون أساسا لـ"دكتاتورية وطنية"، بحكم ارتباطاته المعروفة بالنواة الصلبة للمنظومة القديمة وتذيله لمحور الثورات المضادة. وهو ما يعني استحالة نجاحه في بناء دكتاتورية وطنية تهدد مصالح القوى الدولية والإقليمية المتحكمة في تونس، أو تهدد مصالح وكلائهم المحليين في العائلات "الكبرى"، وفي شبكات الرعاية المتبادلة المتحكمة في أجهزة الدولة والمجتمع المدني.
تصحيح المسار" في جوهره، هو خيارات حسابات النخب التونسيين تُرد على وجوههم، فالرئيس قيس سعيد لم يفعل أكثر من توظيف "الأزمة البنيوية"، والدفع بتناقضات منظومة الحكم وصراعاتها العبثية نحو الأقصى

إن تصحيح المسار" في جوهره، هو خيارات حسابات النخب التونسيين تُرد على وجوههم، فالرئيس قيس سعيد لم يفعل أكثر من توظيف "الأزمة البنيوية"، والدفع بتناقضات منظومة الحكم وصراعاتها العبثية نحو الأقصى. فهو لم يخلق سوء سمعة الأحزاب أو المجلس النيابي، وهو لم يمنع النخب من بناء ديمقراطية صلبة طيلة عشر سنوات، كما أنه لم يكن حاضرا عندما عجزت النخب السياسية عن إرساء المحكمة الدستورية وعن مقاومة الفساد داخل أجهزة الدولة وخارجها، بل عندما عجزت عن ضرب كل مظاهر التمرد على الدولة واستضعاف حكامها والطعن في شرعيتهم وفي الإرادة الشعبية التي تؤسسها.

إن مشروع الرئيس قيس سعيد -في التحليل الأخير- هو "جُماع" المشاريع الانقلابية ولحظتها التأليفية، ولكنه أيضا التعبير النهائي عن أزمة الانتقال الديمقراطي وهشاشة منجزاته وعدم شعبيتها. ولذلك، فإن السؤال الذي طرحه "تصحيح المسار" بصرف النظر عن مآلاته -ولم يجد إلى حد اللحظة من يجيب عنه إجابة عقلانية- هو التالي: كيف يمكن بناء ديمقراطية دون ديمقراطيين، أو كيف يمكن بناء ديمقراطية تمثيلية بعقول سياسية "لا وظيفية" ما زالت أسيرة سرديات كبرى -يسارية وقومية وإسلامية وبورقيبية-، هي في أغلبها الأعم أبعد ما تكون عن الديمقراطية سواء في تاريخها أو أدبياتها، أو في إدارة بيتها الداخلي والتعامل مع باقي شركائها في الوطن والمصير قبل الثورة وبعدها؟

 

twitter.com/adel_arabi21