كتاب عربي 21

السيناريست

1300x600

قديما قال المتنبي: "وكم ذا بمصر من المضحكات *** ولكنه ضحك كالبكاء"، وهي حكمة جرت مجرى الأمثال على مدار قرون متعاقبة، تنفذ في التاريخ ببصيرة ثاقبة، ورغم أن مقام المتنبي عالٍ في الشعر واللغة، فإننا مضطرون لازدراء حكمته بإسقاطها على واقعنا الممسوخ، مع وجود افتراقٍ واتفاق في الصفات الاجتماعية والنفسية والسياسية بيْنَ حاكم مصر أيّام المتنبي، وحاكمها في أيامنا التَّعِسَة.

كان كافور الإخشيدي عبدا، ويذكر المقريزي في خططه أن كافور الإخشيدي، مرَّ على مُنَجِّم بعد جلبِه إلى مصر فرأى له طالعه، وقال له: "أنت تصير إلى رجل جليل القدر وتبلغ معه مبلغا عظيما"، فدفع له كافور درهمين، ولم يكن معه سواهما، فرمى بهما إليه وقال: "أُبشِّرُك بهذه البشارة، وتعطيني درهمين؟"، ثم قال له: "وأزيدك، أنت تملك هذه البلد وأكثر منه، فاذكُرْني".

ويروي ابن سعيد المغربي المؤرِّخ، أن كافورَ عندما جُلب من بلاد السودان مرّ على السوق بمصر ومعه عبد آخر أسود، فقال الأخير: "كنت أتمنى أن أُباعَ لطباخ حتى أشبع طوال عمري من المطابخ، فقال كافور: "وأنا أتمنى ملك هذه المدينة". وبعد أن بلغ كافور المُلك مر يوما على السوق فرأى زميله القديم في ثياب الطباخين وهو يحرِّك القِدْر، فضحك وقال: "أدرك كل واحد ما أمَّلَه".

يشترك كافور مع صاحبنا في البِشارة بولاية مصر، مع تأكيد الفارق دوما بين حاكم اشتُهر بالذكاء وإغداق العطايا على الفقراء والخواص، وبين آخر محدود القدرات يحيا لأجل نزع ما في أيدي الناس لأجل بناء مجد شخصي له وحده، ويُقال إن كافورَ كان خَصِيّاً، وصاحبنا إن كان ذا أولاد فهو خَصِيّ الكرامة والشرف.

عُرِف كافور بعنايته بالعلماء والأدباء، وكانت له يد على كثير منهم، وهو ما دفع المتنبي إلى الذهاب إلى مصر بعدما وقعت الشحناء بينه وبين سيف الدولة الحمداني، وصاحبنا يظن في نفسه أنه فيلسوف الفلاسفة، وأنه محور الكون، ويُصِرّ على التحدث في كل المسائل كمتخصص فيها، سواء في العلوم أو الفنون أو الإدارة أو العسكرية.. إلخ، والغريب أن لا إمارة لديه تسمح له بهذه الجرأة على كل التمدّن البشري في كل العلوم، أمام وحشيته التي يبديها في القمع والقتل، والسذاجة التي تصدر عنه في المسائل اليوميّة والاجتماعية.

بدأت ولاية كافور الإخشيدي وهو يدير الدولة نيابة عن أبناء الإخشيد بعد وفاته، ويُروى أنه قتل ولديه بعدما طالب كل منهما بحقه في الحكم عند بلوغه سن الولاية، وطوال أكثر من 20 عاما كان يحكم من وراء ستار إلى أن انتزع الحكم لعامين وبضعة أشهر قبل وفاته، وصاحبنا كذلك وَلِيَ مصر من وراء ستار لعام واحد ثم انتزع الحكم لسنوات لا يعلم مداها إلا الله.

ما يزيدنا ضحكا كالبكاء أن صاحبنا لم يكتفِ برئاسته للدولة والجيش وأكاديميات علمية ورعايته لملتقيات أدبية وتجمعات للحرف اليدوية وأعمال المقاولات وكل شيء في مصر، فالتفتَ إلى الأعمال المصوَّرة وتحدّث عن أهمية الأعمال الدرامية بعد مسلسل الاختيار(1)، فقررت الدولة أن تستمر في عمل سلسلة من هذا المسلسل الذي يرسم صورة واحدة لمسار الأحداث من وجهة نظر النظام السياسي، ثم تطور الأمر لأن يشارك رأس الدولة، في ما يبدو من سَيْر الأحداث، في توجيه مسار المسلسل ونقل الوقائع، فانتقل إلى طوْر جديد من أطوار عمله ليصبح (سيناريست)، والحق أنه غير ناجح في هذه المهمة أيضا لاحتياجها إلى موهبة كبيرة، ومن سوء طالعه أن المواهب لا تُشترى.

 

ما يزيدنا ضحكا كالبكاء أن صاحبنا لم يكتفِ برئاسته للدولة والجيش وأكاديميات علمية ورعايته لملتقيات أدبية وتجمعات للحرف اليدوية وأعمال المقاولات وكل شيء في مصر، فالتفتَ إلى الأعمال المصوَّرة وتحدّث عن أهمية الأعمال الدرامية بعد مسلسل الاختيار(1)،

 



في الجزء الأخير من هذا المسلسل المشحون بالنجوم والزيف على حد سواء، فاجأ صاحبنا الجميع بنشر تسريبات للقاءات حضرتها قيادات الدولة والأحزاب في تلك الفترة، وبطبيعة الحال من المتوقع أن تكون هذه اللقاءات مُسجَّلة، لكن غير الطبيعي أن تتباهى الدولة بنشر تلك التسريبات التي لا يصح قانونا تسجيلها دون علم صاحبها، ولا يجوز أخلاقيا نشرها دون إذنه، ثم هي تقوم باقتطاعها بطريقة مفتقدة لأي حرفية، ما يشي بأن المنقول لا يحكي الصورة الكاملة، ليجتمع فقدان البوصلة الأخلاقية مع تغييب القانون بأيدي واضعيه، مع التزييف، وما أسوأ هذا الاجتماع، وما أقبح الذي جمع هذه الخصال الوضيعة.

إذا كان السيناريست الجديد الوافد على الساحة الفنية لا يعرف أسس الصَّنْعة، فكان من الأولى أن يسأل بدلا من اعتماده على نفسه في كل شيء، وهو بطبيعته بطيء الفهم؛ إذ احتاج إلى خمسين عاما ليفهم معنى الدولة، والرواية التي يحكيها في هذا الجزء ركيكة، وأساس ضبط الحبكة الدرامية أن تكون مراعية لكل جوانب الرواية وسد منافذ الخلل فيها، وهنا نجد الرواية معتمدة أساسا على الفجوات وقطع الكلام من سياقه.

لو أراد هذا الوافد أن يحبُك قصته فعليه أن ينشر التسجيلات كاملة لنعرف سياق الكلام، وعليه أن ينشر كلامه أيضا لا كلام خصومه اليوم، وكان عليه أن يرينا كلامه في الغرف المغلقة معهم، ولم نقُلْ كلامه في الغرف المغلقة مع الدول الأجنبية وهو يتآمر على المصلحة الوطنية ويأتي أفعال الخيانة العظمى، مُلوِّثا شرف بدلته العسكرية، والمؤسسة التي وقفت ذات يوم محاربة العدو الذي تآمر معه على المصريين وتطلعهم إلى الحرية.

https://twitter.com/Sharifayman86