قضايا وآراء

جروح الجزائر واعتذارات فرنسا الخجولة

1300x600
العلاقة بين الجزائر وفرنسا أكثر من مجرد علاقة دولة بمستعمر سابق؛ فرنسا تمثل الماضي الدامي والحاضر المؤلم والمستقبل المشكوك فيه، وهي أيضا الثقافة المزروعة واللغة المنطوقة. إذا أرسلت ناظريك من شواطئ وهران وقسنطينة نحو الشمال فستلوح في الأفق علاقة أبعد من التاريخ وأقرب من الجغرافيا، وإذا نظرت جنوبا من شواطئ نيس ومارسيليا فستجد أن البحيرة المتوسطية أصغر من أن تحجب تفاصيل الثقافة الجزائرية، وفي القلب منها الإسلام، عن تفاصيل الحياة الفرنسية التي تضم أكبر تجمع للمسلمين في دولة أوروبية.

تمثل الملاسنات بين فرنسا والجزائر عبر تصريحات رئيسي البلدين قمة جبل الجليد عن علاقات مشحونة شعبيا ورسميا لم تفلح الأيام في أن تداويها. يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يدخل التاريخ عبر اعتذار خجول قدمه إبان تسلمه مقاليد الحكم، والسماح بعودة رفات بعض المناضلين الجزائريين والعرب الذين احتفظت بهم فرنسا لعقود. لكن قماشة الحاضر الملوثة بخطابات العنصرية والتخبط لا تسمح بمحو آثار التاريخ الدموي المؤلم، فثمة أشياء مطلوبة أكثر من الاعتذار الشفوي الرمزي.
يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يدخل التاريخ عبر اعتذار خجول قدمه إبان تسلمه مقاليد الحكم، والسماح بعودة رفات بعض المناضلين الجزائريين والعرب الذين احتفظت بهم فرنسا لعقود

ألقاب العائلات الجزائرية التي تم تغييرها عنوة والتهجير القسري لآخرين أمثلة خجولة أمام مذابح مثل مذبحتي مسجد كتشاوة ونهر السين، وهو ما يعني أن الجرح الجزائري لا يزال ينزف، ولا يحتاج سوى بعض الملح المنثور بين الفينة والأخرى ليزداد اشتعالا. الأمر أكثر بشاعة مما يمكن وصفه في مقال، فليست النائحة كالثكلى، والأسوأ هو الحصار الاستعمار الذي منع التواصل الشعبي بين الجزائر ومعظم الدول العربية. فبلد المليون شهيد ككل دول المغرب العربي تقريبا، يعرفون المشارقة كل شيء ولا يعرف المشارقة عنهم سوى النزر اليسير، ولولا جهود التعريب في حقبة الستينيات ثم جهود الشيخين الجليلين محمد الغزالي ومحمد متولي الشعراوي اللذين خدما هناك لسنوات؛ فربما لم تكن لتصل إلينا كل هذه المعلومات عبر بعض الجسور الثقافية.

لا يمكن أن نجمع فرنسا الحالية في سلة واحدة مع فرنسا الإمبراطورية التاريخية لننصب محكمة بأثر رجعي، فمسلمو فرنسا حاليا يقتربون من الستة ملايين نسمة بنسبة تقترب من تسعة في المائة من سكان البلاد وهم جزء من فرنسا الحالية شاء من شاء وأبى من أبى، ناهيك عن جهود شعبية وعلمية تمثل فرنسا الشعبية غير الممثلة رسميا، وهي الأكثر فهما للتاريخ الدموي ورفضا للسياسات الحالية التي تجنح نحو اليمين المتطرف. غير أن فرنسا الرسمية حاليا تريد أن تنتهض النهج الاستعماري مع مواطنيها من ذوي الأصول المهاجرة وخاصة المسلمين، في الوقت الذي تتحدث فيه عن مداواة آثار التاريخ مع مستعمراتها السابقة. وهو تناقض غير مفهوم وغير مقبول، فنظرة واحدة على منتخب فرنسا الفائز في آخر دورة لكأس العام يبرز من هي فرنسا وعلى من تعتمد في رفاهيتها، فغالبية اللاعبين من ذوي الأصول المهاجرة من القارة الأفريقية.
تناقض غير مفهوم وغير مقبول، فنظرة واحدة على منتخب فرنسا الفائز في آخر دورة لكأس العام يبرز من هي فرنسا وعلى من تعتمد في رفاهيتها، فغالبية اللاعبين من ذوي الأصول المهاجرة من القارة الأفريقية

السياسة الفرنسية الرسمية المزدوجة تتجلى أيضا في خطوة غير مسبوقة الأسبوع الماضي، حيث تم تنظيم قمة فرنسية أفريقية من دون حضور رؤساء. فقط حضر شباب من مختلف دول القارة السمراء بمدينة مونبلييه في جنوب فرنسا ليتناقشوا مع الرئيس الفرنسي حول مستقبل العلاقات مع دول القارة. وكانت القمة هي مبادرة من ماكرون للتجاوب مع المفكر الكاميروني أشيل مبيمبي، أحد أهم المنظرين لحقبة ما بعد الاستعمار؛ الذي كلفه بتنظيم هذه القمة رغم انتقاده السابق لماكرون.. خطوة لن نسمع عن مثلها مع الشباب الفرنسي المسلم أو ذوي الأصول الأفريقية الذي ولد وعاش في فرنسا.

twitter.com/hanybeshr