آراء ثقافية

إدوارد سعيد بعيون إسرائيلية.. إرهابي يمكن التفاهم معه

حين سُئل سعيد عن أهم كتاب قرأه في العام 1996م كانت إجابته أنه كتاب "اختلاق اسرائيل القديمة وإسكات التاريخ الفلسطيني"

"أستاذ الإرهاب" كان العنوان الرئيسي على غلاف أغسطس 1989 لمجلة نيويوركر، وكان وصفاً لحق بإدوارد سعيد الذي كان ناطقاً آنذاك بلسان الفلسطينيين في الإنتفاضة، أي بلسان الإرهابيين كما يراهم الغرب وإسرائيل، ولكن تلك لم تكن صورة إدوارد سعيد دائماً في أعين المثقف الإسرائيلي، بل مرت بالعديد من الأطوار.


حين سُئل سعيد عن أهم كتاب قرأه في العام 1996م، كانت إجابته أنه كتاب "اختلاق اسرائيل القديمة وإسكات التاريخ الفلسطيني" الذي كتبه الباحث الناقد للمنهج التوراتي "كيت وايتلام" ووصف سعيد كتاب وايتلام بأنه يتمتع بالدقة المتناهية، في نقده للعديد من الفرضيات حول تاريخ إسرائيل التوراتي، ومن هنا فإن الحديث عن سعيد من وجهة نظر إسرائيلية سيشكل مفارقة، فرغم دعوته للتعايش بين الشعوب، والدولة ثنائية القومية، وأنه لا يجوز أخلاقياً أن يطُرد شعباً من أرض خاصةً الشعب اليهودي لخلفيته المأساوية، ومطالبته العرب بالتعاطف مع ظاهرة المؤرخين الجدد في إسرائيل، إلا أن إدوارد سعيد في نظر الإسرائيليين تباينت وجهات النظر حوله، بين كونه إرهابي، أو مثقف يمكن التفاهم معه.


إهتمام صحفي


حاز سعيد الكثير من العواميد التي كتبت عنه في الصحافة الإسرائيلية اليومية، ونشرت الصحف الإسرائيلية ملفات ودراسات عن سعيد أشرف عليها ديفيد فروم الأكاديمي الإسرائيلي، والتي ناقشت أغلبها العلاقة الحميمية مع اليهود بوجه عام، كدانيال بارنبويم، الذي تعاون مع سعيد في تأسيس فرقة موسيقية إسرائيلية فلسطينية، وطبيب يهودي من نيويورك كان يثق به سعيد ثقة تامة، بالإضافة لصداقته الوطيدة بالمفكر ناعوم تشومسكي. 


في يوم وفاة سعيد في سبتمبر 2003م، خرجت وسائل الإعلام الإسرائيلية كافة تنعيه، وكتب داني روبنشتاين محلل صحيفة "هاآرتس" تحت عنوان "مات المفكر الفلسطيني العالمي إدوارد سعيد" حاول في تلك المقالة أن يقدم إدوارد كفرد من أسرة أرستقراطية مسيحية جاءت هجرتها من إسرائيل كهامش لنتائج حرب 1948م، وقد حدد مسار التحول الفكري في حياة سعيد عقب هزيمة يونيو 1967م، حيث أولى اهتمامه بالقضية الفلسطينية، وتقارب مع أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية وأصبح من رجال ياسر عرفات، ولكن بسبب نشر دراسته الإستشراق عام 1978م، تحول سعيد إلى واحد من أكبر مفكري العصر الحديث، حيث ناقش فيه النظريات الإستشراقية ومدى رؤيته لتلك النظريات، وتفنيدها.


أتى روبنشتاين في المقال أيضاً على العديد من المحطات الفارقة في حياة إدوارد وعلاقته مع منظمة التحرير الفلسطينية والشقاق الذي وقع بينه وبين أعضاءها بسبب إتفاقية أوسلو، والتي كان من نتاجها أن استطاع سعيد أن يزور بيته بحي الطالبية بالقدس عام 2000م، وعرج من هناك على قرى الجنوب اللبناني حيث التقطت له صورة وهي يلقي الحجارة على الجنود الإسرائيليين، تلك الصورة التي لاقت انتشاراً بسرعة البرق جعله أكثر الشخصيات التي يكرهها اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية رغم معيشته بنيويورك. 


قدم روبنشتاين نعياً لحياة إدوارد في هذا المقال بلغة هادئة حين يتحدث بها إسرائيلي عن واحد من رموز الثقافة الفلسطينية المقاومة في العالم كله، إلا أن تلك لم تكن صورة إدوارد في العيون الإسرائيلية على الدوام.

رأوه مظلوماً في قومه


كُتب أيضاً عن إدوارد في صحافة إسرائيل مقال عنوانه "الوجه الحقيقي لإدوارد سعيد.. الإرهاب الفكري في العالم الثالث" قال فيه كاتبه أن العالم الثالث والعرب يتهمون إدوارد سعيد بالنفاق حينما يتطرق إلى العالمثالثي، ويبرز السلبيات والعادات السيئة للعرب والمسلمين، ففي عام 1998 كتب إدوارد سعيد في مجلة الطريق الثالث الفرنسية مقالاً اتهم فيه البلدان العربية بالتخلف والرجعية وكبت الحريات وحق التعبير والرأي للمواطن العادي، وانتهاك حقوق الإنسان، ما ترك أثره بانخفاض الإنتاج، وتخلف الدول العربية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وتفوق إسرائيل على تلك الدول، لأنها لم تتبع البيروقراطية، وتحتفظ بجزء من الديمقراطية التي مكنتها من الوصول إلى مصاف الدول الكبرى، واُتهم إدوارد أيضاً بمحاباة إسرائيل، حينما دافع عن المحرقة (الهولوكوست)، رغم أن إدوارد أعاد للعالم العربي الإسلامي بريقه ولمعانه في دراسته عن الإستشراق، وهو الكتاب الذي أثار حفيظة الكتاب والمستشرقين العالميين على سعيد نفسه.


وفي ذروة الإنتفاضة الفلسطينية الثانية، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية مقالاً مطولاً عنونته بـ"رجال منظمة التحرير الفلسطينية في الإعلام" أرفقته بصورة ضخمة لإدوارد سعيد، جاء فيها إن سعيد وغيره من الشخصيات الفلسطينية التي تعيش في الغرب، مجموعة من المثقفين الفلسطينيين، ذوي الحديث الطيب، والحنكة، والخبرة التخصصية في مادتهم، بالإضافة إلى حديثهم بالإنجليزية، وطريقتهم الأمريكية في الحياة، ووصفتهم بأنهم رجال مؤثرون كالسوبر ستار، وذوي مكانة أكاديمية مرموقة، ويستغلون موقعهم دون كابح من أجل الدفاع عن قضيتهم الوطنية، ولكنهم في بعض الأحيان يبدون كبوق من زجاج، أسلوبهم محترف، ولا يقعون في فخ الدعاية الإنفعالية التي وسمت الناطقين باسم منظمة التحرير الفلسطينية، فلن تسمع منهم اتهامات غير مقبولة عقلياً مثل إتهام إسرائيل بأنها تريد تصفية العرب، وتبدو رسالتهم أكثر إعتدالاً من الرسالة الإسرائيلية. 


وبهذه الصورة المتشكلة من السلاسة والمهنية، أمكن لها أن تزعج التقسيم الثنائي الغربي الذي يميز بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فأصبحت صورة الفلسطيني الجديدة تجتاز حدود الهوية، كما رسمها الخطاب الإسرائيلي، فلذلك أنها تثير في الإسرائيلي الخوف على هويته هو، فإدوارد أصبح يمثل صورة للمثقف الفلسطيني المتأمرك الذي يتمتع بكل ما هو مطلوب للنجم الإعلامي في الولايات المتحدة، من إنجليزيته التي لا تشوبها شائبة، الخالية من اللكنة العربية، ومظهره الكاريزمي الأنيق، ولا تعوزه الإجابة أبداً عند السؤال. 


الرجل الذي لا يحب "حماس"


يعد موقف إدوارد سعيد من حركة حماس من المواقف التي صاغت له صورة معتدلة في الذهنية الإسرائيلية، فقد تحدثت الصحافة الإسرائيلية مراراً عن موقف إدوارد من حماس حين جاوب في أحد المؤتمرات عن سؤال في رأيه في حركة حماس وكانت إجابته بأن حركة حماس حركة إحتجاج فلسطيني، لكن إن سألتني كمواطن فلسطيني إذا ما كانت حماس تمثل بديلاً حقيقياً على صعيد الحركة الوطنية الفلسطينية، فإنني أقول فوراً، بدون تردد، لا، والسبب أنني لا أعرف لحماس رؤية فلسطينية، أو قراءة للتاريخ الفلسطيني.


وتُختتم تلك الصورة السعيدة الجميلة في أعين الغرب وإسرائيل، بصحيفة "يسرائيل هيوم" والتي كتبت في الرابع والعشرين من مايو 2009، أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد تجول في قراءاته وثقافته عن الشرق الأوسط في فكر الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد على اعتبار أنه شخصية عربية مرموقة، ولا يمكن لمثقف أمريكي ألا يقرأ لكاتب فلسطيني عالمي نشر المئات من المقالات عن الصراع العربي الإسرائيلي، وله عشرات الكتب التي تتناول القضية الفلسطينية، حيث ذكرت الصحيفة الإسرائيلية سعيد على رأس كوكبة من الكتاب العرب والمسلمين الذين قرأ لهم أوباما قبل توليه مهام منصبه. 


وبسبب العديد من المواقف المهادنة لإدوارد سعيد تجاه إسرائيل، ونظرته الخاصة حول القضية الفلسطينية، أمكن لإدوارد سعيد أن يكون نموذجاً للمثقف الفلسطيني الذي يمكن للصحافة الإسرائيلية أن تتناوله وتحتفي بذكراه، ولكن هذا الأمر لا يقلل من وطنية إدوارد، حتى وإن اختلفت رؤيته وفلسفته تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.